رجوع الأب في هبته لابنته

❓ رجوع الأب في هبته لابنته

📅 2026-06-16 👁 15 مشاهدة

نص السؤال:

وهب أخي ابنته الوحيدة بيتًا في مدينة، من باب صلة الرحم، وذلك منذ عشر سنين؛ وكان في ذلك الوقت في بحبوحة من العيش. والهبة مسجَّلة لدى كاتب العدل حسب تفويض من أحد القضاة الشرعيين كما هي العادة؛ وكان التسجيل في شهر رمضان سنة 1406هـ.
وهو الآن ومنذ سنتين في ضيق وظروف مالية صعبة، وعليه ديون، وقد رفع أحد أصحابها عليه قضية لدى المحكمة الشرعيَّة ويريد القاضي منه كوالد الرجوع في هبته، بما يعني إخراج ابنته وأولادها للشارع، وهو معهم حيث إنَّه يسكن معها في البيت، كل ذلك لتسديد دين عادي. ولو أنَّه وهب البيت لها في خلال فترة الضيق الَّتي هي منذ سنتين لربما اعتبر ذلك تهربًا، ولكنَّه وهبه لها قبل عشر سنين، وهو في وضع مالي جيد.
وأعتقد وحَسَب علمي أنَّ «رجوع الأب في هبته» مرفوض تمامًا لدى الحنفيَّة ولدى الشوافع ولدى الحنابلة متَّبع في أضيق الحدود، ليتدارك ما يقع على الأبناء من جور.
ومع ذلك يمكن القول بأنَّه لا يجوز للأب أن يتوسع في تفسير هذا الاستثناء ويرجع في هبته لعلة أخرى غير العلة السابقة، كما يشترط في رجوع الواهب في هبته أن لا يكون في رجوعه إجحاف أو إضرار بالموهوب له، وألَّا يكون الموهوب قد تعلَّقت حاجته بالشيء الموهوب له، وهذا هو الواقع مع ابنته؛ لأنَّ استرجاع الهبة معناها رميها وأولادها في الشارع، وهي بطبيعة الحال متمسكة بهبتها، فهل يجوز يا فضيلة الشيخ أن يجبر الوالد على الرجوع في هبته لابنته، بعد أن أصبح في ضيق، وبخاصة أنَّ هذا الاسترجاع سوف يلحق بالبنت ضررًا كبيرًا، ويحرمها وأولادها من سكنها الوحيد، ويلقي بها وبأولادها عرض الطريق.
أرجو التكرُّم بإفادتي برأيكم الشرعيِّ كتابيًّا في ذلك.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فالظاهر من السؤال أنَّ هبة الأب البيت لابنته هبة صحيحة شرعًا، لأنَّها صدرت من أهلها في محلها، بدليل تسجيلها لدى كاتب العدل؛ بتفويض أحد القضاة الشرعيين. وقد عرفت من السائل من أنَّ الأب قد أرضى أخاها الوحيد بهبة مناسبة وعادلة، ولذلك لم يعترض على هذه الهبة. فقد عدل الأب بين ولديه، وأعطى كلًّا منهما حقه.
وعلى هذا تكون البنت قد ملكت البيت الموهوب لها بالقبض والاستعمال، وتأكد بالتسجيل واستمرار الملكية، والاستخدام عشر سنوات بالتمام.
فأما جواز رجوع الأب في هبته بعد تمامها واستقرارها، فهو أمر مختلف فيه بين الأئمة.
فأبو حنيفة وأصحابه والثوري والعنبري ورواية عن أحمد: لا يجيزون الرجوع للأب في هبته لولده، للحديث المتفق عليه «العائد في هبته كالعائد في قيئه»(1).
وكما جاء عن عمر: من وهب هبة يرى أنَّه أراد بها صلة رحم، أو على وجه صدقة، فإنَّه لا يرجع فيها. ومن وهب هبة أراد بها الثواب ـ يريد: المكافأة والعوض في الدنيا ممَّن وهب له ـ فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يرض منها. رواه مالك في الموطأ(2).
ومذهب الشافعي ومالك وإسحاق وأحمد في الرواية المشهورة عنه: أنَّه يجوز له الرجوع فيما وهب لولده. ونقل النووي في الروضة عن ابن سريج: أنَّه إنَّما يرجع إذا قصد بهبته استجلاب بِرٍّ، أو دفعَ عقوق فلم يصلْ. قال النووي: والصحيح الجواز مطلقًا(3).
واستدلَّ لهم ابن قدامة في «المغني» بما روى طاوس عن ابن عمر وابن عبَّاس يرفعان الحديث إلى النبيِّ : «لا يحلُّ لرجلٍ أن يُعطي عطيَّة أو يهب هبةً، فيرجع فيها، إلَّا الوالد فيما يعطي ولده»(4).
كما استدلَّ ابنُ قدامة بحديث النُّعْمان بن بَشِير حيث وهبه أبوه شيئًا، فأمره النبيُّ أن يردَّه قال: «فارددْه» أو «فأرجعه» فأمره بالرجوع في هبته، وأقل أحوال الأمر الجواز. وقد امتثل بَشِير بن سعد ذلك(5).
والحقُّ أنَّ هذا الحديث لا حُجَّة فيه؛ لأنَّ أمر الرسول بردِّ الهبة كان لسبب، وهو أنَّها كانت محاباة للنُّعْمان على حساب إخوته، ولهذا رفض الرسول الكريم الشهادة عليها وقال: «أشهدْ على ذلك غيري، فإنِّي لا أشهد على جور»(6) كما هو معروف من روايات الحديث. وردُّ الجور مطلوب، فلا دلالة فيه على المسألة المتنازع فيها.
ويبقى ظاهر حديث ابن عمر وابن عباس، الَّذِي رواه أصحاب السنن والحنفيَّة ومن وافقهم، يتناولونه على أنَّ له الرجوع عند الحاجة إليه.
وابن قدامة يذكر هنا أربعة شروط لجواز رجوع الوالد فيما وهب، يهمُّنا منها هنا شرطان:
الأول: ألَّا تتعلق بها رغبة لغير الوالد، فإن تعلقت بها رغبة لغيره، مثل أن يهب ولده شيئًا، فيرغب النَّاس في معاملته، وأدانوه ديونًا، أو رغبوا في مناكحته، فزوجوه إن كان ذكرًا، أو تزوجت الأنثى لذلك، فالرواية الأولى لأحمد: ليس له الرجوع، وهو مذهب مالك؛ لأنَّه تعلق به حق غير الابن، ففي الرجوع إبطال حقه، وقد قال 0 : : «لا ضررَ، ولا ضرار»(7). وفي الرجوع ضرر، ولأنَّ في هذا تحيُّلاً على إلحاق الضرر بالمسلمين، ولا يجوز التحيُّل على ذلك.
وفي قضيتنا نجد هناك رغبات تعلَّقت بهذا البيت؛ منها: رغبة الزوج والأولاد، ومعاملة النَّاس لهم على أنَّهم يملكون بيتًا، فماذا يكون تعاملهم إذا أصبحوا في العراء، ولا مسكن يؤويهم؟! إنَّ مرور عشر سنوات على هذه الهبة الموثقة والمسجلة قد جعل لأهل هذا البيت حقًّا أكيدًا فيه.
والثاني: ألَّا يزيد الموهوب زيادة متصلة؛ لأنَّ هذه الزيادة تغير الموهوب وتجعله شيئًا آخر(8) وفي مسألتنا نجد أنَّ مثل هذا البيت الموهوب تحدث فيه زيادات مختلفة تقع بين حين وآخر، منها زيادات حاجية، ومنها زيادات تحسينيَّة (ديكور) خلال عشر سنوات، وهذه كلها تمنع الرجوع.
على أنَّ المالكيَّة الَّذين قالوا بجواز رجوع الوالد في هبته ـ ويسمونه: الاعتصار ـ لا يجيزون انتزاع ما وهبه لولده الصغير أو الكبير قبل إحاطة الدين. وأمَّا ما وهبه بعده، فهو كالتبرع، له ردُّه وأخذه. كما ذكر ذلك الدردير في الشرح الصغير(9). ومن الواضح في قضيتنا أنَّ الهبة قبل إحاطة الدين بسنوات عدة، كما هو واضح من السؤال.
وذكر المالكيَّة أيضًا: أنَّه لا يجوز للوالد الاعتصار ـ أي الرجوع ـ فيما وهب للولد، وأريد به الآخرة وثوابها، لأنَّها صارت حينئذٍ كالصدقة، وكذا أريد بها الصلة والحنان، فإرادة الصلة والحنان تمنع من الرجوع(10).
وهكذا نرى الَّذين جوَّزوا الرجوع يضيقون فيه كما ترى. ولا ريب أنَّ من الواضح أنَّ الأب في مسألتنا أراد الصلة والحنان بابنته الوحيدة. وهذه الإرادة مرجعها إليه، والقول فيها قوله.
ثم هب أنَّنا جوَّزنا رجوع هذا البيت إلى واهبه المدين اليوم، وترك ابنته وأولادها في العراء، فإلى أيِّ حدٍّ يجوز انتزاع هذا منه وإبقاؤه بلا دار يسكنها؟
إنَّ من المقرَّر في الفقه الإسلامي أنَّ «دار السُّكْنى» من الحاجات الأصلية للإنسان، ولذلك لا تدخل في نصاب الزكاة، وينبغي أن يكون النصاب فاضلًا عنها، وعن سائر الحوائج الأصلية.
ولا يجوز أن يباع على الإنسان المدين دار سكناه، ويترك مشرَّدًا لا مأوى له. ولم يسلِّط الإسلام الدائنين على المدينين إلى حدِّ إهلاكهم بالجوع أو العري أو التشرد. وقد قال تعالى:﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍۢ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍۢ[البقرة: 280].
ولذا قال الخرقي في شأن المدين الَّذِي حكم القاضي بإفلاسه: ولا تباع داره الَّتي لا غنى له عن سكناها.
قال في المغني: وبهذا قال أبو حنيفة وإسحاق.
ونسب إلى مالك والشافعي أنَّهما قالا: تباع ويُكترَى له بدلها. قال: واختاره ابن المنذر؛ لأنَّ النبي قال في الَّذِي أصيب في ثمار ابتاعها، فكثر دينه: «خذوا ما وجدتم»(11). وهذا ممَّا وجدوه، ولأنَّه عين مال المفلس، فوجب صرفه في دينه كسائر ماله.
وردَّ ابن قدامة على ذلك بأنَّ دار السكنى ممَّا لا غنى للمدين المفلس عنه، فلم يصرف في دينه، كثيابه وقوته. والحديث في قضيةِ عينٍ (أي حالة خاصة) ويحتمل أن لم يكن له عقار. ويحتمل أنَّ النبي قال: «خذوا ما وجدتم» أي ممَّا تُصُدِّق به عليه؛ فإنَّه المذكور قبل ذلك.
فقد روي أنَّ النبيَّ قال: «تصدَّقوا عليه» فتصدَّقوا عليه. فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال: «خُذُوا ما وجدتم» أي ممَّا تُصُدِّق به عليه. والظاهر أنَّه لم يتصدَّق عليه بدار، وهو محتاج إلى سكناها(12) وما نقله ابن قدامة عن مالك والشافعي ليس مسلَّمًا على إطلاقه.
ففي الشرح الصغير للدردير في فقه المالكيَّة: أنَّ داره لا تباع إلَّا إذا كانت نفيسة وفاخرة، وتشترى له دار مناسبة تكفيه(13).
وكذا نقل النووي في الروضة ثلاثة أوجه في المسألة منها وجهان: أن يبقى له المسكن اللازم لمثله(14).
وهذا هو اللائق بعدل الشريعة وسماحتها ورفقها بالغارم المدين.
وقد كتب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز إلى ولاته: أن اقضوا عن الغارمين. فكتب إليه بعضهم يقول: إنَّا نجد الرجل له المسكن والخادم والفرس والأثاث ـ أي وهو مع ذلك غارم ـ فكتب عمر: إنَّه لا بدَّ للمرء المسلم من سكن يسكنه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، ومن أن يكون له الأثاث في بيته. نعم فاقضوا عنه فإنَّه غارم(15).
وهذا من الراشدين المهديين الَّذين أمرنا أن نتَّبعَ سنتهم، ونعضَّ عليها بالنواجذ.
وبهذا كله يتبيَّن أنَّه لا يسوغ شرعًا إرغام هذا الأب على استرداد ما وهبه لابنته ومسجلة منذ عشر سنوات كاملة. ولو جوَّزنا ذلك ـ وهو غير جائز ـ ما جاز لنا أن نخرجها وندعها مشرَّدة.
وآخر دعوانا أنَّ الحمد لله ربِّ العالمين.
← العودة لقسم 4- المواريث والوصايا