هل المرأة شرٌّ كلُّها؟

❓ هل المرأة شرٌّ كلُّها؟

📅 2026-06-16 👁 31 مشاهدة

نص السؤال:

جاء في «نهج البلاغة» عن أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب 3 قوله: المرأة شرٌّ كلها، وشرُّ ما فيها أنَّه لا بدَّ منها(1). فما تفسيركم لهذا القول؟ وهل هذا يمثل موقف الإسلام من المرأة؟ أرجو الإيضاح والبيان وشكرًا.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هناك حقيقتان يجب أن نقررهما بوضوح وجلاء:
الأولى: أنَّ الَّذِي يمثل رأي الإسلام في قضية ما، إنَّما هو قول الله تعالى، وقول رسوله .
وكل أحد بعد ذلك يُؤخذ كلامه ويترك، فالقرآن الكريم وصحيح السُّنَّة النبويَّة هما وحدهما المصدران المعصومان، إنَّما يأتي الخلل من سوء الفهم لهما أو لأحدهما.
الثانية: أنَّ من المعروف لدى النقَّاد والمحقِّقين أن نسبة بعض ما في «نهج البلاغة» إلى علي 3 غير صحيحة، ولهم على ذلك دلائل وبراهين. ولا شك أنَّ في «النهج» خطبًا وأقوالًا يلمس الناقد بل القارئ الواعي، أنَّها لا تمثِّل عصر الإمام في أفكارها، ولا في أسلوبها.
ومن هنا لا يجوز الاحتجاج بكل ما في «النهج» على اعتبار أنَّه من أقواله 3 .
على أنَّ المقرَّر في العلوم الإسلاميَّة أن نسبة الأقوال إلى قائليها، لا تتحقَّق إلَّا بالإسناد الصحيح المتصل، الخالي من الشذوذ والعلة، فليت شعري، أين السند المتَّصل إلى الإمام عليٍّ، حتَّى نحكم على أساسه أنَّه قال هذا القول؟
بل لو نقل هذا القول عن عليٍّ بسند صحيح متصل، من رواة عدول ضابطين لوجب أن يُرد، لما فيه من مخالفة للأصول والنصوص الإسلاميَّة، وهذه علة قادحة توجب ردَّ أي قول، ولو كان إسناده كالشمس.
وكيف يقول علي بن أبي طالب هذا القول، وهو يقرأ كتاب الله الَّذِي يقرِّر مساواة المرأة للرجل في أصل الخلق، وفي التكاليف، وفي الجزاء: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾ [النساء: 1]، ﴿إِنَّ ٱلْمُسْلِمِينَ وَٱلْمُسْلِمَـٰتِ وَٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ وَٱلصَّـٰدِقِينَ وَٱلصَّـٰدِقَـٰتِ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَٱلصَّـٰبِرَٰتِ وَٱلْخَـٰشِعِينَ وَٱلْخَـٰشِعَـٰتِ وَٱلْمُتَصَدِّقِينَ وَٱلْمُتَصَدِّقَـٰتِ وَٱلصَّـٰٓئِمِينَ وَٱلصَّـٰٓئِمَـٰتِ وَٱلْحَـٰفِظِين فُرُوجَهُمْ وَٱلْحَـٰفِظَـٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]، ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ﴾ [آل عمران: 195]. ويقول في شأن الزوجات: ﴿هُنَّ لِبَاسٌۭ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌۭ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187]، ويقول: ﴿وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةًۭ وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]، ويقول الرسول  : «إنَّما النساءُ شقائقُ الرجال»(2). ويقول: «الدنيا متاعٌ، وخيرُ متاعِها المرأةُ الصالحة»(3). ويقول: «من سعادةِ ابنِ آدمَ ثلاثة: المرأةُ الصالحة، والمسكنُ الصالح، والمَرْكَبُ الصالح»(4).
ويقول: «مَنْ رزقه اللهُ امرأةً صالحة، فقد أعانه على شطْرِ دِينِه، فليتَّقِ اللهَ في الشطر الباقي»(5).
ويقول: «أربعٌ من أوتِيَهُنَّ، فقد أوتي خيرَ الدنيا والآخرة» ويذكر منها: «زوجة صالحة، لا تبغيه خَوْنًا (خيانة) في نفسِها وماله»(6).
ويقول عن نفسه: «حُبِّب إليَّ من دنياكم النساءُ والطِّيبُ، وجُعلتْ قُرَّة عيني في الصلاة»(7).
فكيف يخالف عليٌّ 3 هذا كله وغيره، ويطلق القول: إنَّ المرأة شرٌّ كلها؟!
ونستطيع ـ لو صحَّ هذا القول عن علي ـ أن نسأله: ما قولك في زوجك وأمِّ ولديك السبطين الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، أعني فاطمة سيدة النساء # ؟ هل يقبل الإمام علي أو يقبل المسلمون منه أن يقول عنها: إنَّها شرٌّ كلها؟!
إنَّ فطرة المرأة ليست مخالفة لفطرة الرجل، فكلتاهما تقبل الخير والشر، والهدى والضلال، كما قال تعالى:﴿وَنَفْسٍۢ وَمَا سَوَّىٰهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا ٨ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ٩ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا[الشمس: 7 ـ 10].
وكيف يتصوَّر أن تكون المرأةُ شرًّا كلُّها، ومع هذا لا يكون منها بد؟ كيف يخلق الله شرًّا مطلقًا، ثمَّ يسوق النَّاس إليه سوقًا بسوط الحاجة والضرورة؟
بل المتأمِّل في الكون كلِّه يجد أنَّ الخير فيه هو الأصل والقاعدة، وما يتراءى لنا من شرٍّ فهو جزئيٌّ ونسبيٌّ، ومغمور في الخير الكُلِّي العام المطلق، وهو في الواقع لازم من لوازم الخير، ولهذا كان من مناجاة النبيِّ لربه: «والشرُّ ليس إليك»(8). وفي القرآن الكريم:﴿بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ[آل عمران: 26].
بقي هنا سؤال عن نقطة ورد بها الحديث، وهي التحذير من فتنة النساء مثل قوله : «ما تركتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النساء»(9).
وأقول: إنَّ التحذير من الافتتان بشيء، لا يعني أنَّه شرٌّ كله، وإنَّما يعني أنَّ لهذا الشيء تأثيرًا قويًّا على الإنسان، يخشى أن يشغله عن الله والآخرة.
ومن هنا حذَّر الله من الفتنة بالأموال والأولاد في أكثر من آية في كتاب الله، ومن ذلك قوله تعالى:﴿إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ ۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ[التغابن: 15]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ[المنافقون: 9].
هذا مع تسميته سبحانه المال «خيرًا» في عدَّة آيات من القرآن، ومع اعتباره الأولاد نعمة يهبها الله لمن يشاء من عباده: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًۭا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ[الشورى: 49]. وامتنانه على عباده بأن منحهم الأولاد والأحفاد، كما رزقهم من الطيبات:﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةًۭ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ[النحل: 72].
فالتحذير من فتنة النساء كالتحذير من فتنة الأموال والأولاد، ولا يعني أنَّ هذه النِعَم شرٌّ، وشرٌّ كلُّها! بل يحذِّر من شدة التعلق بها إلى حدِّ الافتتان، والانشغال عن ذكر الله.
ولا ينكر أحد أنَّ أكثر الرجال يضعفون أمام سحر المرأة وجاذبيتها وفتنتها، وخصوصًا إذا قصدت إلى الإثارة والإغراء، فإنَّ كيدها أعظم من كيد الرجل.
ومن ثمَّ لزم تنبيه الرجال إلى هذا الخطر، حتَّى لا يندفعوا وراء غرائزهم، ودوافعهم الجنسيَّة العاتية.
وفي عصرنا نجد أنَّ فتنة المرأة بلغت حدًّا فاق كل العصور السابقة، وخيالات أهلها، وأصبح الهدَّامون يتخذون منها معولًا لهدم الفضائل والقيم المتوارثة، باسم التطور والتقدم.
والواجب على المرأة المسلمة أن تتنبَّه لهذه المؤامرات، وأن تربأ بنفسها أن تتخذ أداة هدم في أيدي القوى المعادية للإسلام، وأن تعود إلى ما كانت عليه نساء الأمة في خير قرونها: البنت المهذبة، والزوجة الصالحة، والأم الفاضلة، والإنسانة الخيِّرة العاملة لخير دينها وأمتها، وبذلك تفوز بالحسنيين، وتسعد في الدارين.
← العودة لقسم 5- شؤون المرأة