2026-06-16
15
منع المسلمة من لُبْس الحجاب
ما موقف المسلم من قضية «الحجاب» في مدارس فرنسا، ومنع الطالبات المسلمات من الالتزام بالحجاب الَّذِي يفرضه عليهن دينهنَّ؟ (1)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث الَّذِي تكوّن في بريطانيا في التاسع والعشرين من شهر مارس 1997م، والذي يضمّ عددًا من العلماء الَّذين يفتون الجاليات الإسلاميَّة في أوربا، وعددًا آخر من العلماء المعروفين في البلاد العربية والإسلاميَّة: قد بدأ نشاطه بالبحث في قضية كبيرة تشغل المسلمين في أوربا بوجه عام، والمسلمين في فرنسا على وجه الخصوص، وتشغل العالم الإسلامي كله مشرقه ومغربه: تلك هي قضية «الحجاب» في مدارس فرنسا، ومنع الطالبات المسلمات من الالتزام بالحجاب الَّذِي يفرضه عليهن دينهن، وإكراههن على التخلِّي عن واجب شرعي لا تملك المؤمنة إزاءه إلَّا أن تقول: سمعنا وأطعنا، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍۢ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۭا مُّبِينًۭا﴾ [الأحزاب: 36].
إنَّ أمر الحجاب بمعنى تغطية المرأة المسلمة جسمها كله ما عدا وجهها وكفيها ـ وقدميها في بعض المذاهب ـ فريضة إسلاميَّة لا خلاف عليها.
ثبتت فرضيتها بمحكم القرآن، وصحيح السُّنَّة، وإجماع الأمة بمختلف مذاهبها ومدارسها. لم يشذّ عن ذلك مذهب، ولم يخالف فيه فقيه، واستقر عليه العمل ثلاثة عشر قرنًا، حتَّى احتل الاستعمار ديار المسلمين، وفرض عليهم في حياتهم مفاهيم دخيلة انحرفت بأفكارهم، وتقاليد غريبة انحرفت بسلوكهم، وفي عصر الصحوة الإسلاميَّة والمد الإسلامي، بدأ المسلمون يستعيدون الثقة بأنفسهم وبدينهم، ويرجعون مختارين ومختارات إلى الالتزام بالحجاب الشرعي، من قبل الفتيات والنساء المسلمات.
والذي يقرُّه المجلس الأوربي للإفتاء ويؤكده:
أنَّه لا ريب ولا خلاف في وجوب الحجاب شرعًا على كل مسلمة بالغة، ويكفي في ذلك قول الله تعالى:﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ...﴾[النور: 31].
وقوله تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾[الأحزاب: 59].
وإذا كان هذا فرضًا على المسلمة فلا يجوز ـ في منطق الدين والأخلاق والعرف والقانون والدستور ـ أن تُكره على تركه، مخالفةً عقيدتها وضميرها.
ولو جاز هذا في أيِّ بلدٍ لم يجز في فرنسا، الَّتي نادت ثورتها وقامت جمهوريتها على مبادئ الحرية والإخاء، والمساواة ورعاية حقوق الإنسان.
ومن حق كل إنسان أن يلتزم بفرائض دينه، ويعمل على إرضاء ربه وامتثال أمره، ولا يجبره أحد تحت أي ضغط مادي أو معنوي على التخلِّي عنه.
ومن المعلوم أنَّ هذا داخل في الحرية الدينيَّة من جهة، والحرية الشخصيَّة من جهة أخرى، وكلتاهما من الحريات الأساسية الَّتي نصَّت على مراعاتها: الدساتير الحديثة، والمواثيق الدولية، وإعلان حقوق الإنسان. ثمَّ إنَّ العلمانية الليبرالية ـ كما هو معلوم للجميع ـ لا تقف موقفًا معاديًا للدين ولا مؤيدًا له، إنَّما تقف منه موقف الحياد؛ فكما أنَّ الَّتي تلبس «الميني أو الميكرو» أو نحوها من الأزياء لا يمنعها أحد، فكذلك من تلبس الحجاب لا ينبغي أن يمنعها أحد، وإلَّا كانت الحضارة الغربية تتعامل بمعيارين وتتكلَّم بلسانين.
العلمانية الإلحادية وحدها هي الَّتي تحارب التدين كله، وتعتبر الدين ـ أيَّ دين ـ أفيون الشعوب.
وما قاله بعض الفرنسيِّين من أنَّ الحجاب يعتبر «رمزًا دينيًّا» غير صحيح بالمرة؛ فالرمز ما ليس له وظيفة في نفسه إلَّا أنَّه شعار وإعلان؛ مثل نجمة داود بالنسبة لليهودي أو القلنسوة على رأسه، ومثل الصليب على صدر المسيحي، أمَّا الحجاب فله وظيفة معلومة، وهي الستر والحشمة.
ومع هذا، لم يمنع اليهودي من لبس قلنسوته، ولا المسيحي من تعليق صليبه، ولا السيخي من لبس عمامته، فلماذا تمنع المسلمة وحدها من لبس حجابها؟!
إنَّنا نطالب فرنسا ـ الَّتي تباهي بأنَّها أمُّ الحريات ـ أن تحترم عقائد المسلمين ومشاعرهم في أنحاء العالم، وأن تقبل التنوع الثقافي والديني في مجتمعها، كما صنعت الحضارة الإسلاميَّة الَّتي وسعت الديانات المتعددة، والثقافات المتعددة، والعرقيات المتعددة، وكان لكلٍّ منها مساهمتها الَّتي سجَّلها لها التاريخ.
كما أنَّنا نخاطب علماء المسلمين وأهل الفتوى والمؤسسات العلمية والدينيَّة والمراجع الشرعيَّة المعتبرة في سائر ديار الإسلام: أن يعلنوا رأيهم بصراحة في حكم الحجاب الشرعي بالنسبة للمرأة المسلمة، وأن يقفوا مع إخوانهم وأبنائهم المسلمين في أوربا عامَّة، وفي فرنسا خاصَّة، وأن ينادوا العالم المتحضِّر أن يقف مع بناتنا ويشدَّ أزرهن. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
(1) وجِّه هذا السؤال للمجلس الأوربي للبحوث والإفتاء، وأجاب عنه الشيخ.