زيارة النساء للقبور وبدعها

❓ زيارة النساء للقبور وبدعها

📅 2026-06-16 👁 27 مشاهدة

نص السؤال:

جلسنا ـ عدد من طلاب العلم ـ نتدارس بعض المسائل الشرعيَّة، وثار الخلاف بيننا في حكم زيارة القبور للنساء، فذهب البعض إلى الجواز، وقال آخرون بالمنع، واستدل كل فريق بعدد من الأحاديث النبويَّة، ووقف البعض موقف المتحيِّر أمام هذه الأحاديث، الَّذِي يُرى من ظاهرها التعارض أو التناقض، فاتفق جميعنا على مراسلة فضيلتكم؛ لبيان الحكم الشرعي الموثق بالأدلة، ودفع هذا التعارض المتوهَّم لهذه الأحاديث، مع بيان البدع الَّتي حذَّر الشرع منها عند زيارة المقابر للرجال والنساء، إن رأيتم جواز الزيارة لهن.
وفقكم الله ورعاكم، ونفع بكم وبعلمكم، اللهمَّ آمين.
عدد من طلاب العلم
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ السُّنَّة النبويَّة هي المصدر الثاني للأحكام والتشريع بعد القرآن الكريم. والمعتمد منها هو الصحيح والحسن عند العلماء الثقات، الَّذين يرجع إليهم في هذا الشأن.
وإذا تعارضت الأحاديث الصالحة للاحتجاج والاستدلال بعضها مع بعض، فعلينا أن نجمع بينها إذا أمكن الجمع بلا تكلُّف واعتساف لما قرَّره علماء الأصول من أنَّ الجمع مقدَّم على الترجيح؛ فإن لم يمكن الجمع، رجَّحنا بينها بمرجِّح أو أكثر من المرجِّحات الوفيرة الَّتي بلغ بها الإمام السيوطي أكثر من مائة مرجِّح، في كتابه: «تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي»(1).
وإذا طبقنا هذه القواعد على الأحاديث الواردة في زيارة القبور: وجدنا الأحاديث الَّتي تزجر النساء عن زيارة المقابر، مثل حديث أبي هُرَيْرة(2)، وحسَّان بن ثابت(3): أنَّ رسولَ الله لعن زوَّارات القبور.
وروي أيضًا عن ابن عبَّاس بلفظ: «زائرات القبور»(4).
يؤيِّد ذلك ما جاء من الأحاديث في منع النساء من اتِّباع الجنائز، فيؤخذ منها بفحوى الخطاب منع زيارة القبور.
وفي مقابل هذه الأحاديث أحاديث أخرى يفهم منها الإذن بزيارتها للنِّساء كالرجال.
منها: في قوله : «كنتُ قد نهيتُكم عن زيارة القبور، فزوروها»(5)، «زُوروا القبورَ؛ فإنَّها تُذَكِّر الموت»(6).
فيدخل النساء تحت الإذن العام بالزيارة، وحاجة الجميع إلى تذكُّر الموت.
ومنها: ما رواه مسلم والنسائي وأحمد عن عائشة قالت: كيف أقول لهم، يا رسولَ الله؟ (تعني: إذا زرت القبور) قال: قولي: «السلام على أهلِ الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم اللهُ المستقدِمين منَّا والمستأخرين، وإنَّا إن شاء الله بكم لَلَاحقون»(7).
ومنها: ما رواه الشيخان عن أنس: أنَّ النبيَّ مرَّ بامرأةٍ عند قبر، فقال: «اتَّقي اللهَ واصبري». فقالت: إليكَ عنِّي؛ فإنَّك لم تُصَبْ بمثلِ مصيبتي، ولم تعرفه. الحديث(8). فأنكر عليها الجزع، ولم ينكر عليها الزيارة.
ومنها: ما رواه الحاكم أنَّ فاطمة بنت رسول الله كانت تزور قبرَ عمِّها حمزةَ كلَّ جمعة، فتصلِّي وتبكي عنده(9).
ومع أنَّ هذه الأحاديث الدالة على الإذن أصح وأكثر من الأحاديث الدالة على المنع، فإنَّ الجمع والتوفيق بينها ممكن، وذلك بحمل «اللعن» المذكور في الحديث ـ كما قال القرطبي ـ على المكثرات من الزيارة، لما تقتضيه الصيغة «زوَّارات» من المبالغة، قال: ولعلَّ السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج، والتبرج، وما ينشأ من الصياح (العويل) ونحو ذلك. وقد يُقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن؛ لأنَّ تذكُّر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء(10).
قال الشوكاني: وهذا الكلام هو الَّذِي ينبغي اعتماده في الجمع بين الأحاديث المتعارضة في الظاهر(11). وهذا ما أرجِّحه وأطمئنُّ إليه، والله أعلم.
← العودة لقسم 5- شؤون المرأة