2026-06-16
45
تغطية شعر المرأة
جرت مناقشة بيني وبين بعض الزملاء حول زي المرأة وزينتها فكان ممَّا قالوه: إنَّ شعر المرأة ليس بعورة. وكشفه ليس بحرام زاعمين أنَّه ليس هناك دليل على وجوب تغطية الشعر.
ولهذا أرجو بيان النصوص الدينيَّة الَّتي تحدِّد ذلك وتحسم النزاع وشكرًا.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
إنَّ من أعظم الفتن والمؤامرات الفكرية الَّتي أدخلت على دنيا المسلمين تحويل المسائل اليقينية في الإسلام إلى مسائل جدلية، وجعل مواضع الإجماع القطعي موضع خلاف نظري؛ وبذلك تنقلب المحكمات إلى متشابهات، يسأل عنها السائلون، ويختلف فيها المختلفون، ويشكِّك فيها المشككون. ومن أمثلة ذلك هذا الحكم الَّذِي يسأل عنه الأخ المستفتي.
فقد أجمع المسلمون في كل أعصارهم وأمصارهم: فقهاء ومحدثين ومتصوفين، ظاهرية وأهل رأي وأهل أثر، بأنَّ شعر المرأة من الزينة الَّتي يجب سترها، ولا يجوز كشفها للأجانب من الرجال. وسند هذا الإجماع نصٌّ صريحٌ محكمٌ من كتاب الله تعالى. ففي سورة النور يقول الله 8 : ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾[النور: 31]. والاستدلال بالآية من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ الله نهى في الآية عن إبداء المرأة المؤمنة لزينتها إلَّا ما ظهر منها؛ ولم يقل أحد من علماء السلف أو الخلف: أنَّ الشَّعر داخل في ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾؛ حتَّى الَّذين توسعوا في الاستثناء أكثر من غيرهم.
قال القرطبي في تفسير الآية: «أمر الله ﷻ النساء بألَّا يبدين زينتهن للناظرين، إلَّا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذارًا من الافتتان، ثمَّ استثنى ما يظهر من الزينة واختلف النَّاس في قدر ذلك. فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب، وزاد ابن جبير الوجه، وقال سعيد بن جُبَيْر أيضًا وعطاء والأوزاعي: الوجه والكفان والثياب، وقال ابن عبَّاس وقتادة والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع والقُرط والفَتَخ(1)، ونحو ذلك فمباحٌ أن تُبْديه المرأةُ لكلِّ مَنْ دخل عليها من الناس.قال ابن عطيَّة: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أنَّ المرأة مأمورة بألَّا تبدي، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بدَّ منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك. فـ ﴿مَا ظَهَرَ﴾ على هذا الوجه ممَّا تؤدِّي إليه الضرورة في النساء فهو المعفوُّ عنه»(2).
قال القرطبي: «قلت: هذا قول حسن، إلَّا أنَّه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة؛ وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعًا إليهما. يدل على ذلك ما رواه أبو داود، عن عائشة # : أنَّ أسماء بنت أبي بكر ^ دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رِقاق، فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال لها: «يا أسماء، إنَّ المرأةَ إذا بلغت المحيضَ لم يصلح أن يرى منها إلَّا هذا». وأشار إلى وجهه وكفِّه(3)، فهذا أقوى في جانب الاحتياط، ولمراعاة فساد النَّاس فلا تبدي المرأة من زينتها إلَّا ما ظهر من وجهها وكفيها. والله المُوَفِّق»(4).
وبهذا يظهر أنَّ ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾لا يدخل فيه الشعر بحال من الأحوال، بل من العلماء من أخرج الوجه نفسه ممَّا ظهر منها.
الوجه الثاني: إنَّ الله أمر المؤمنات في الآية بضرب خمرهنَّ على جيوبهن، والجيوب مواضع فتحات الثياب وهي الصدور. والخُمُر ـ كما قال المفسِّرون ـ جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها. ومنه: اختمرت المرأة، وتخمَّرت، وهي حَسَنة الخِمْرة(5). وقال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري: الخمار للمرأة كالعمامة للرجل(6). وهذا ما تنصُّ عليه كتب اللغة أيضًا.
قال في «القاموس» في مادة (خمر): الخمار: النَّصيف. وفي مادة (نصف) قال: النصيف: الخمار والعمامة وكل ما غطَّى الرأس. وقال في «المصباح»: الخمار: ثوب تغطي به المرأة رأسَها.
هذا وقد تطلق لفظة «الخمار» على كل غطاء كما في الحديث: «خمِّروا الآنية»(7). أي: غطُّوها، ويبدو أنَّ هذا المعنى هو الَّذِي ضلَّل الَّذين جادلوا في شأن الشعر. مع أنَّ هذا المعنى العام غير المعنى الخاص الَّذِي جاءت به الآية. وإذا كان اللفظ يُراد به أكثر من معنى، فإنَّ القرائن وسياق الكلام هو الَّذِي يحدِّد المعنى المراد منه.
وتفسير الخمار في الآية بغطاء الرأس لا جدال فيه، ومما يؤيد ذلك نزول الآية، وتعبد نساء المؤمنين بها مهاجرين وأنصارًا؛ كما وردت بذلك أصح الروايات.
قال القرطبي: وسبب هذه الآية أنَّ النساء كُنَّ في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة، وهي المقانع، سدلنها من وراء الظهر. فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك، فأمر الله بلي الخمار على الجيوب. وهيئة ذلك أن تضرب المرأة بخمارها على جيبها لتستر صدرها.
روى البخاري، عن عائشة أنَّها قالت: رحم الله نساء المهاجرات الأول لما نزل:﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾[النور: 31]، شَقَقْنَ أُزُرَهُنَّ فاختمرْنَ بها(8).
ودخلت على عائشة حفصة بنت أخيها عبد الرحمٰن @ ، وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها وما هناك، فشقته عليها وقالت: إنَّما يضرب بالكثيف الَّذِي يستر(9). والله أعلم.
(1) الفَتَخ بفتحتين، جمع الفتخة: خواتيم كبار تلبس في الأيدي.
(2) المحرر الوجيز لابن عطية (4/178)، تحقيق عبد السلام عبد الشافي محمد، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1422هـ.
(3) رواه أبو داود في اللباس (4104)، وقال: هذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة. والبيهقي في الصلاة (2/226)، وقال: مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة @ ، في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة، فصار القول بذلك قويًّا. وحسَّنه الألباني في غاية المرام (187)، عن عائشة.
(4) تفسير القرطبي (12/229).
(5) تفسير القرطبي (12/230).
(6) فتح الباري (8/490).
(7) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (3316)، ومسلم في الأشربة (2012)، عن جابر بن عبد الله.
(8) رواه البخاري في تفسير القرآن (4758).
(9) تفسير القرطبي (12/230).