2026-06-16
39
دور حواء في إخراج آدم من الجنة
هل صحيح أنَّ أمَّنا حواء هي السبب في إخراج أبينا آدم من الجنة؛ لأنَّها هي الَّتي أغرته بالأكل من الشجرة الممنوعة، فكانت بذلك سببًا في حرماننا من الجنة، وشقائنا ـ نحن ذرية آدم ـ بدنيانا هذه، الَّتي نعاني بؤسها وويلاتها؟
إنَّ هذه المقولة تتخذ تكأةً للحملة على المرأة، والنيل من مكانتها، وأنَّها وراء كل مصيبة حدثت في الأولين، أو تحدث في الآخرين.
فهل في الإسلام ما يدل على ذلك، أو على خلافه؟
نرجو التكرم بالإيضاح، آجركم الله وأيَّدكم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذه المقولة الَّتي يسأل عنها الأخ، والَّتي تحمِّل المرأة ـ ممثَّلةً في أمِّنا حواء ـ مسؤولية شقاء البشرية، وتعزو إليها أنَّها الَّتي أغوت آدم، حتَّى أكل من الشجرة المنهي عنها: مقولة غير إسلاميَّة بلا ريب!
إنَّ مصدرها هو التوراة وأسفارها وملحقاتها، وهو ما يؤمن به اليهود والنصارى، ويتحدث عنه مفكروهم وشعراؤهم وكتابهم. وقلَّدهم في ذلك بعض كتاب المسلمين تقليدًا ببغاويًّا، دون نقد ولا تمحيص.
والذي يقرأ قصَّة آدم في القرآن الكريم، ويجمع بين آياتها المتفرقة في عدد من سوره الشريفة، يتبيَّن له ما يأتي:
1 ـ أنَّ التكليف الإلٰهي بعدم الأكل من الشجرة المعنية كان لكل من آدم وزوجه:﴿وَقُلْنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾[البقرة: 35].
2 ـ أنَّ الَّذِي أغرى الاثنين وأزلَّهما، وأغواهما بالخداع والحيلة والقسم الكاذب: هو الشيطان، كما قال تعالى في سورة البقرة:﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾[البقرة: 36]. وفي سورة الأعراف تفصيل أوفى لما قام به الشيطان من كيد وإغراء كما قال تعالى:﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَٰلِدِينَ ٢٠ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢١ فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٍۢ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ٢٢ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ﴾[الأعراف: 20 ـ 23].
وفي سورة (طه) ما ينبئ بأنَّ آدم 0 : هو المسؤول الأول عن المعصية، وليس حواء، ولذا كان التحذير من الله تعالى موجَّهًا إليه أساسًا وعلى الخصوص، وكان التقصير منسوبًا إليه، وكان العصيان محسوبًا عليه، وإن شاركته زوجه في المخالفة، ولكنَّ دلالة الآيات الكريمة ناطقةٌ بأنَّ دورها ليس كدوره، وكأنَّها أكلت وخالفت تبعًا له. يقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًۭا ١١٥ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ ١١٦ فَقُلْنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّۭ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰٓ ١١٧ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ ١١٨ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ١١٩ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍۢ لَّا يَبْلَىٰ ١٢٠ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ١٢١ ثُمَّ ٱجْتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾ [طه: 115 ـ 122].
3 ـ أنَّ القرآن مُصَرِّح بأنَّ آدم قد خلقه الله لمهمة حُدِّدت له من قبل أن يُخلق، وهي المهمة الَّتي تطلَّعت إليها الملائكة، وحسبوا أنَّهم أولى بها من آدم، وهذا ما نطقت به آيات سورة البقرة الَّتي ذكرها الله تعالى قبل الآيات الَّتي تحدَّثت عن سُكنى الجنَّة والأكل من الشجرة، إلخ. يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓاْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٣٠ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ٣١ قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ٣٢ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ ۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾[البقرة: 30 ـ 33].
وقد صحَّ في الحديث أنَّ آدم وموسى 6 التقيا في عالم الغيب، وأنَّ موسى أراد أن يحمِّل آدم ما تعانيه البشرية بسبب أكله من الشجرة، ولكنَّ آدم حجَّ موسى بأنَّ هذا كان أمرًا رتبه القدر الإلٰهي قبل أن يُخلق ليقوم بعمارة الأرض، وأنَّ موسى يجد هذا مكتوبًا عنده في التوراة(1).
وهذا الحديث يفيدنا فائدتين:
الأولى: أنَّ موسى وجَّه اللوم إلى آدم، ولم يوجِّهه إلى حواء، وهذا يدل على أنَّ ما في التوراة من تحميل حواء 7 تبعة الأكل من الشجرة المحرَّمة غير صحيح، وهو من التحريفات الَّتي أدخلت على التوراة.
الثانية: أنَّ إهباط آدم وذريته إلى الأرض أمر سبق به القدر الأعلى، وسطَّره القلم الإلٰهي في أمِّ الكتاب، ليقوم هذا النوع المكلف المبتلى المختار، برسالته فوق هذا الكوكب كما أراد الله؛ فكان لا بدَّ أن يقع.
4 ـ أنَّ الجنَّة الَّتي أُمر آدم أن يسكنها وأن يأكل من كل شجرها، إلَّا شجرة واحدة، والَّتي أُمر بالهبوط منها بعد المخالفة، ليس مقطوعًا بأنَّها هي الجنَّة الَّتي أعدها الله للمتقين في الآخرة، وجعل فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ فقد اختلف علماء المسلمين في جنة آدم هذه: أهي تلك الجنَّة الموعودة ثوابًا للمؤمنين أم هي جنة من جنان الدنيا، كما قال الله تعالى في سورة القلم: ﴿إِنَّا بَلَوْنَٰهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلْجَنَّةِ﴾[القلم: 17]. وكما قال في سورة الكهف:﴿وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًۭا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَٰبٍۢ وَحَفَفْنَٰهُمَا بِنَخْلٍۢ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًۭا ٣٢ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْـًۭٔا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرًۭا﴾[الكهف: 32، 33].
وقد ذكر المحقِّق ابن القيِّم القولين وأدلة كلٍّ منهما في مطلع كتابه «مفتاح دار السعادة» فليراجعْه من يريد تحقيق المسألة(2). والله أعلم.
(1) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري (6614)، ومسلم (2652)، كلاهما في القدر، عن أبي هريرة.
(2) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم (1/27 ـ 86)، تحقيق عبد الرحمٰن بن حسن بن قائد، نشر دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط 1، 1432هـ.