2026-06-16
39
مناقشة رأي في التفسير فيه إجحاف بالمرأة
مَنْ المراد بالسفهاء في قوله تعالى في سورة النساء:﴿وَلَا تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰمًۭا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا﴾[النساء: 5].
فقد نشرت مجلة الأمة في عددها التاسع والأربعين مقالًا لأخت فاضلة (حنان لحام)، ذكرت فيه ما نقله ابن كثير عن حبر الأمة وترجمان القرآن، عبد الله بن عباس: أنَّ السفهاء هم النساء والصبيان!
واستنكرت الكاتبة هذا التفسير، وإن نُقل عن ابن عباس، واستبعدت وصف النساء عامَّة بالسفه، وفيهن مثل خديجة وأم سلمة وعائشة من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وغيرهن من الصالحات الفضليات.
فهل هذا التفسير الَّذِي ذكره ابن كثير صحيح؟ وما تعليقكم على هذا؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذا التفسير للسفهاء في الآية الكريمة بأنَّ المراد بهم النساء خاصَّة، أو النساء والصبيان، تفسير مرجوح ضعيف، وإن نُقل عن حبر الأمة ابن عبَّاس ^ ؛ ولو صحَّت نسبته إليه، وإلى غيره من مفسري السلف(1).
والصواب الَّذِي عليه جماهير الأمة أنَّ تفسير الصحابي للقرآن الكريم ليس حجَّةً في نفسه ملزمة لغيره، وليس له حكم الحديث المرفوع، كما زعم بعض المحدثين.
وإنَّما هو رأي واجتهاد من صاحبه، يؤجر عليه؛ وإن أخطأ فيه.
وقد نُقل عن ابن عبَّاس نفسه، وعن بعض أصحابه: أنَّ كلَّ واحد يؤخذ من كلامه ويردُّ عليه إلَّا النبيَّ ﷺ (2).
ودعاء النبي ﷺ لابن عبَّاس أن يعلِّمه الله التأويل(3)، لا يعني منحه العصمة فيما يذهب إليه من تأويل، إنَّما معناه أن يوفقه إلى الصواب في جلِّ تأويلاته، لا في كلها.
ولا غرو أن كان لابن عبَّاس آراء واجتهادات في التفسير وفي الفقه، لم يوافقه عليها جمهور الصحابة، ثمَّ جمهور الأمة من بعدهم.
وضعف التأويل الَّذِي ذهب إليه ابن عبَّاس ومن تبعه ـ أنَّ المراد بالسفهاء النساء أو النساء والصبيان ـ يتضح من عدَّة جوانب:
أولًا: أنَّ «السفهاء» جمع تكسير للمذكر، مفرده سفيه، وليس مفرده سفيهة، ولو كان مفرده سفيهة لجمع على فَعِيلات أو فعائل، كما هو شأن جمع الإناث، فقيل: سفيهات أو سفائه.
ثانيًا: أنَّ «السفهاء» اسم ذمٍّ؛ لأنَّ مضمونه خفَّة العقل، وسوء التصرف، ولهذا لا يذكر في القرآن إلَّا في معرض الذم، كما في قوله تعالى:﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُ ۗ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾[البقرة: 13]، ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا﴾[البقرة: 142].
وإذا كان لفظ «السفهاء» للذم، فكيف يذم الإنسان على ما لم يكتسبه؟ كيف تذم المرأة لأنَّها امرأة، وهي لم تخلق نفسها؛ بل خلقها بارئها؟ وقد قال تعالى:﴿بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ﴾[آل عمران: 195]. وفي الحديث: «إنَّما النساءُ شقائقُ الرجالِ»(4).
ومثل هذا يقال في الصبيان، فالله هو الَّذِي خلق الإنسان من ضعف، وجعل لحياته مراحل يتنقل فيها من طفولة إلى صبا إلى شباب، إلى كهولة، فكيف يذمُّ الصبي على صباه، ولا كسب له فيه؟!
ولو رجعنا إلى تفاسير المحدثين وجدناها كلها ترجِّح ما اختاره شيخ المفسِّرين الطبري(5) في تفسير الآية، ففي تفسير المنار للسيد رشيد رضا: السفهاء هنا هم المبذرون أموالهم الَّذين ينفقونها فيما لا ينبغي، ويسيئون التصرف بإنمائها وتثميرها(6).
وذكر اختلاف السلف في المراد بالسفهاء هنا، ورجَّح ما اختاره ابن جرير: أنَّها عامَّة في كلِّ سفيه: من صغير وكبير، ذكر وأنثى(7).
وقال الأستاذ الإمام: «أمرنا اللهُ في الآيات السابقة بإيتاء اليتامى أموالهم، وبإيتاء النساء صدقاتهن، أي مهورهن، وأتى في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ﴾[النساء: 5]. بشرط للإيتاء يعمُّ الأمرين السابقين، أي أعطوا كل يتيم ماله إذا بلغ، وكل امرأة صداقها، إلَّا إذا كان أحدهما سفيهًا لا يحسن التصرف في ماله، فحينئذٍ يمتنع أن تعطوه إيَّاه لئلا يضيعه، ويجب أن تحفظوه له أو يرشد. وإنَّما قال: «أموالكم» ولم يقل: أموالهم مع أنَّ الخطاب للأولياء، والمال للسفهاء الَّذين في ولايتهم؛ للتنبيه على أمور:
أحدها: أنَّه إذا ضاع هذا المال، ولم يبقَ للسفيه من ماله ما ينفق عليه: وجب على وليِّه أن ينفق عليه من مال نفسه، فبذلك تكون إضاعة مال السفيه مفضية إلى إضاعة شيء من مال الولي؛ فكأنَّ ماله عين ماله.
ثانيهما: أنَّ هؤلاء السفهاء إذا رشدوا وأموالهم محفوظة لهم، وتصرفوا فيها تصرف الراشدين، وأنفقوا منها في الوجوه الشرعيَّة من المصالح العامَّة والخاصة؛ فإنَّه يصيب هؤلاء الأولياء حظ منها.
ثالثها: التكافل في الأمة واعتبار مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين، كما قلناه في آيات أخرى»(8).
(1) رواه الطبري في تفسره (7/562)، تحقيق محمود وأحمد شاكر، نشر دار التربية والتراث، مكة المكرمة. وقال ابن كثير في تفسيره (1/182): قال عامة علماء السلف: هم النساء والصبيان.
(2) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (3/300).
(3) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الوضوء (75) بلفظ: «اللهم علِّمه الكتاب». وبلفظ: «اللهم فقِّهْه في الدين». (143)، ومسلم في فضائل الصحابة (2477) بلفظ: «اللهم فقِّهه».
(4) سبق تخريجه صـ 8.
(5) تفسير الطبري (7/568).
(6) تفسير المنار (4/310)، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، نشر 1990م.
(7) تفسير الطبري (6/58).
(8) تفسير المنار (4/311).