نظر الرجـل إلى المـرأة ونظر المـرأة إلى الرجـل

❓ نظر الرجـل إلى المـرأة ونظر المـرأة إلى الرجـل

📅 2026-06-16 👁 43 مشاهدة

نص السؤال:

نريد أن نعرف ما الَّذِي يجوز، وما الَّذِي لا يجوز من نظر الرجل إلى المرأة ونظر المـرأة إلى الرجـل، وخصوصًا الشق الثاني من السـؤال، وهو نظر المرأة إلى الرجـل، فقد سمعنا من بعض الوعَّاظ أنَّ المرأة لا يجوز أن تنظر إلى الرجل لا بشهوة ولا بغير شهوة؛ واستدل لذلك بحديثين:
الأول: أنَّ النبيَّ سأل ابنته فاطمة # : «أيُّ شيءٍ أصلح للمرأة؟» قالت: ألَّا ترى رجلًا، ولا يراها رجل! فقبَّلها وقال: «ذريَّة بعضُها من بعض».
والثاني: حديث أم سلمة أمِّ المؤمنين # قالت: كنت عند رسول الله وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فقال النبي : «احتجِبَا منه». فقلنا: يا رسولَ الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال النبيُّ : «أفعمياوان أنتما؟! ألستُما تُبْصِرَانه؟!». رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيح(1).
وكيف يمكن للمرأة ألَّا ترى رجلًا ولا يراها رجل، وخصوصًا في عصرنا هذا؟ وما المراد بهذه الأحاديث إن كانت صحيحة؟!
أرجو ألَّا تهمل رسالتي، وأن تلقي الـضوء على الموضوع، بما يضيء الطريق للحائرين والحائرات، الَّذين طال جدالهم في هذه الأمور دون طائل.
وفقكم الله.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
خلق الله الأحياء كلها أزواجًا؛ بل خلق الكون كله أزواجًا، كما قال تعالى:﴿سُبْحَٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ[يسۤ: 36]، وقال:﴿وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[الذاريات: 49].
وعلى هذه السُّنَّة الكونيَّة العامَّة كان خلق الإنسان من زوجين: ذكر وأنثى، حتَّى يمكن أن تستمرَّ الحياة الإنسانيَّة، وتنمو وتكتمل. وجعل في كل جنس منهما قابلية الانجذاب إلى الجنس الآخر، فطرة الله الَّتي فطر النَّاس عليها.
ومنذ خلق الله آدم خلق له ومنه زوجًا، ليسكن إليها، ويأنس بها، وتأنس به، فإنَّه بحكم فطرته لا يستطيع أن يسعد وحده، وإن كان في الجنَّة يأكل منها رغدًا حيث شاء.
وكان أول تكليف إلٰهي موجهًا إلى الاثنين معًا: آدم وزوجه:﴿يَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ[البقرة: 35].
فعاشا في الجنَّة معًا، وأكلا من الشجرة المنهي عنها معًا، وتابا إلى الله معًا، ونزلا إلى الأرض معًا، وتوجهت إليهما التكاليف الإلٰهية معًا:﴿قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًۢا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ[طه: 123].
واستمرت الحياة بعد ذلك، لا يستغني الرجال عن النساء، ولا يستغني النساء عن الرجال،﴿بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ[آل عمران: 195]، فأعباء الدين والدنيا مشتركة بينهما.
ولهذا لا يتصور أن يعيش الرجل وحده بعيدًا عن المرأة، لا يراها ولا تراه، إلَّا إذا خرج عن سواء الفطرة، واعتزل الحياة، كما فعلت الرهبانيَّة الَّتي ابتدعها النصارى، وقسوا فيها على أنفسهم قسوة لا تقرها فطرة سليمة، ولا شريعة قويمة، حتَّى إنَّهم كانوا يهربون من ظل المرأة، ولو كانت مَحْرَمًا، أمًّا أو أختًا. ولهذا حرَّموا على أنفسهم الزواج، واعتبروا الحياة المثالية للمؤمن هي الَّتي لا يتصل فيها بامرأة، ولا تتصل به امرأة، على أيِّ وجهٍ من الوجوه.
ولا يتصور كذلك أن تعيش المرأة وحدها في عزلة تامَّة عن الرجال، فالحياة قائمة على تعاون الجنسين في أمور المعاش والمعـاد:﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ[التوبة: 71].
وقد ذكرنا في موضع آخر أنَّ القرآن جعل إمساك المرأة في البيت بحيث لا تخرج منه، عقوبة للمرأة الَّتي ترتكب الفاحشة علانية؛ حتَّى يشهد عليها أربعة من الرجال المسلمين، وذلك قبل استقرار التشريع، وإيجاب الحدود المعلومة، قال تعالى: ﴿وَٱلَّـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةًۭ مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًۭا﴾ [النساء: 15].
كما أنَّ هنا حقيقة أخرى يجب أن تذكر ـ إلى جوار حاجة كل من الرجل والمرأة إلى الآخر ـ وهي أنَّ الله سبحانه غرس في فطرة كل واحد من الجنسين قابلية الانجذاب إلى الجنس الآخر، والميل إليه ميلًا شهويًّا غريزيًّا، بسببه يحدث اللقاء والإنجاب وبقاء النوع، وعمران الأرض.
فلا يجوز أن ننسى هذه الحقيقة، حين نتحدث عن علاقة الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل، ولا يقبل من بعض النَّاس أن يدَّعوا لأنفسهم أنَّهم أكبر من أن تؤثِّر فيهم الشهوات، أو تستثار فيهم الغرائز، أو يضحك عليهم الشيطان.
وفي ضوء هذه المسلَّمات يجب أن ننظر في قضية نظر الرجل إلى المرأة، ونظر المرأة إلى الرجل.
نظر الرجل إلى المرأة:
أمَّا الشق الأول فقد تحدَّثنا عنه في الفتوى الخاصة بوجوب النقاب أو عدمه، ورجَّحنا قول الجمهور الَّذين فسَّروا قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا[النور: 31]، بأنَّ ما ظهر من الزينة هو الوجه والكفان، وأنَّ للمرأة أن تبدي وجهها وكفيها؛ بل وقدميها عند أبي حنيفة والمزني(2)
وإذا كان للمرأة أن تبدي هذا منها، فهل يجوز النظر إليه أم لا؟
أمَّا النظرة الأولى فلا مفرَّ منها بحكم الـضرورة، وأمَّا النظرة الآخرة فهي الَّتي اختلفوا فيها.
والممنوع بلا شكٍّ هو النظر بتلذُّذ وشهوة، فهذا هو باب الخطر وموقد الشرر، ولهذا قيل: النظرة بريد الزنى. ولله در شوقي حين قال:
نَظْرَةٌ فابتسَامَةٌ فسَلَامٌ
فكَلامٌ فموعِدٌ فَلِقَاءُ(3)
كما أنَّ النظر إلى غير الزينة الظاهرة؛ كالشعر والنحر، والظهر والساقين، والذراعين ونحوها، لا يجوز لغير محرم بالإجماع(4).
وهناك قاعدتان تحكمان هذا الأمر وما يتعلق به.
الأولى: أنَّ الممنوع يُباح عند الضرورة أو الحاجة، مثل الحاجة إلى التداوي والعلاج، والولادة ونحوها، والتحقيق في القضايا الجنائية، وأشباه ذلك، ممَّا تدعو إليه الحاجة، وتحتِّمه الضرورة الفردية أو الاجتماعيَّة.
والثانية: أنَّ المباح يُمنع عند خوف الفتنة، سواء كان الخوف على الرجل، أو على المرأة، وهذا إذا قامت دلائل بينة على ذلك، لا مجرد هواجس وتخيُّلات، عند بعض المتخوفين والمتشككين في كل أحد، وفي كل شيء.
ولهذا لوى النبيُّ عنقَ ابن عمِّه الفضـل بن العبَّاس، وحوَّل وجهه عن النظر إلى المرأة الخَثْعَمِيَّة في الحجِّ، حين رآه يطيلُ النظرَ إليها، وجاء في بعض الروايات أنَّ العبَّاس سأله: لِمَ لويتَ عنقَ ابنِ عمِّك؟ قال: «رأيتُ شابًّا وشابَّة، فلم آمَنِ الشيطانَ عليهما»(5).
والمرجع في خوف الفتنة هو ضمير المسلم وقلبه، الَّذِي يجب أن يفتيه في هذه المسائل، وعليه أن يستمع إليه، وإن أفتاه النَّاس وأفتوه.
وذلك إذا كان قلبًا سليمًا لم تلوِّثه الشهوات، ولم تفسده الشبهات، ولم تعشِّش فيه الأفكار المنحرفة.
نظر المرأة إلى الرجل:
وأمَّا الشق الثاني من السؤال، وهو ما يتعلق بنظر المرأة إلى الرجل، فمن المتفق عليه: أنَّ النظر إلى العورة حرام، بشهوة أم بغير شهوة، إلَّا إن وقع ذلك فجأة؛ بغير قصد ولا تعمُّد، وهو ما جاء فيه الحديث الصحيح، الَّذِي رواه جرير بن عبد الله: سألت النبي عن نظر الفُجْأَة فقال: «اصرفْ بصرَك»(6).
ولكن يبقى البحث هنا عن عورة الرجل ما هي؟
فالسوءتان عورة مغلَّظة؛ متَّفقٌ على تحريم كشفها أو النظر إليها، إلَّا في حالة الضرورة كالعلاج ونحوه، وحتَّى لو كانت مغطاة بما يجسمها ويبرزها أو يشف عنها، فهو محظور شرعًا.
وأكثر الفقهاء على أنَّ الفخذين من العورة(7)، وأنَّ عورة الرجل ما بين السرة والركبة، وقد استدلوا على ذلك ببعض الأحاديث الَّتي لم تسلم من التعليل، وبعضهم حسَّنها؛ وربَّما صحَّحها بمجموع طرقها، وإن كان كل واحد منها في ذاته يقصر عن الاحتجاج به على إفادة حكم شرعي.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنَّ الفَخِذ ليس بعورة، مستدلِّين بحديث أنس(8) أنَّ الرسول حسر عن فخذه في بعض المواضع، ونصر هذا المذهب أبو محمَّد ابن حزم(9).
ومذهب المالكيَّة المنصوص عليه في كتبهم أنَّ العورة المغلَّظة من الرجل هي السوءتان فقط: أي القبل والدبر، وهي الَّتي تبطل الصلاة بكشفها أبدًا مع القدرة(10).
وحاول فقهاء الحديث الجمع بين الروايات المتعارضة إن أمكن ذلك، أو الترجيح بينها، فقال الإمام البخاري في صحيحه: «باب ما يذكر في الفخذ(11): وروي عن ابن عبَّاس، وجُرْهد، ومحمد بن جحش، عن النبيِّ : أنَّ الفخذ عورة. وقال أنس: حسر النبيُّ عن فَخِذِه. وحديث أنس أسند (أي أقوى سندًا) وحديث جُرْهد أحوط»(12). واتَّجه الشوكاني في «نيل الأوطار» إلى توجيه الأحاديث الَّتي ذكرت أنَّ الفَخِذَ عورة على أنَّها حكاية حال لا عموم لها(13).
أمَّا المحقق ابن القيِّم فقال في «تهذيب سنن أبي داود»: «وطريق الجمع بين هذه الأحاديث: ما ذكره غير واحد من أصحاب أحمد وغيرهم: أنَّ العورة عورتان: مخففة ومغلظة، فالمغلظة السوءتان، والمخففة الفخذان، ولا تنافي بين الأمر بغضِّ البصر عن الفخذين لكونهما عورة، وبين كشفهما لكونهما عورة مخففـة، والله أعلم»(14).
وفي هذا رخصة للرياضيِّين وغيرهم ممَّن تستلزم هواياتهم وممارساتهم الملابس القصيرة، مثل «الشورت» ونحوه، وكذلك من يشاهدونهم، وكذلك الكشَّافة والجوَّالة، وإن كان يجب على المسلمين أن يفرضوا على تلك المنظمات العالميَّة طابعهم الخاص، وما تقتضيه قيمهم الدينيَّة ما استطاعوا.
وينبغي التنبيه هنا، أنَّ ما كان عورة من الرجل، فالنظر إليه حرام من المرأة والرجل جميعًا وهذا أمر واضح.
وأمَّا ما لم يكن عورة من الرجل، كالنظر إلى وجهه وشعره وذراعيه وساقيه وما إلى ذلك، فالقول الصحيح أنَّه جائز، ما لم يصحب ذلك شهوة، أو خوف فتنة، وهذا هو رأي جمهور فقهاء الأمة(15)، وهو الَّذِي دلَّ عليه عمل المسلمين منذ عصر النبوة، وما بعده من خير القرون، ودلت عليه أحاديث صحيحة صريحة، لا تقبل طعنًا. وذهب بعض الفقهاء إلى منع المرأة من رؤية الرجال عامة، مستدلين بما ذكرته السائلة في سؤالها.
أمَّا حديث فاطمة # ؛ فلا قيمة له من الناحية العلمية، ولم أرَه في كتاب من كتب أدلة الأحكام، ولا استدل به فقيه من الفقهاء، حتَّى المتشدِّدون الَّذين منعوا المرأة من النظر إلى الرجل لم يذكروه، وإنَّما ذكره الإمام الغزالي في «الإحياء»، وقال الحافظ العراقي في تخريجه: رواه البزار والدارقطني في «الأفراد» من حديث عليٍّ بسندٍ ضعيف(16).
وأمَّا الحديث الآخر، فنجد الردَّ عليه فيما ذكره ابن قدامة في تلخيص الرأي في المسألة، حيث قال في «المغني» فأوجز وأحسن:
«فأمَّا نظر المرأة إلى الرجل ففيه روايتان: إحداهما: لها النظر إلى ما ليس بعورة. والأخرى: لا يجوز لها النظر من الرجل إلَّا إلى مثل ما ينظر إليه منها. اختاره أبو بكر، وهذا أحد قولي الشافعي؛ لما روى الزهري، عن نبهان، عن أم سلمة قالت: كنت قاعدة عند النبيِّ ، فاستأذن ابن أم مكتوم، فقال النبي : «احتجبا منه». فقلت: يا رسولَ الله، إنَّه ضريرٌ لا يبصر. قال: «أفعمياوان أنتما لا تبصرانه؟». رواه أبو داود وغيره(17).
ولأنَّ الله تعالى أمر النساء بغضِّ أبصارهنَّ كما أمر الرجال به.
ولأنَّ النساء أحد نوعي الآدميين فحرم عليهن النظر إلى النوع الآخر؛ قياسًا على الرجال.
يُحَقِّقه أنَّ المعنى المحرم للنظر خوف الفتنة، وهذا في المرأة أبلغ، فإنَّها أشدُّ شهوةً وأقل عقلًا، فتسارع الفتنة إليها أكثر.
ولنا قول النبي لفاطمة بنت قَيْس: «اعتدِّي في بيتِ ابن أم مكتوم، فإنَّه رجل أعمى، تضـعين ثيابَكِ فلا يراكِ»(18).
وقالت عائشة: كان رسول الله يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشةِ يلعبون في المسجد(19).
ويوم فرغ النبيُّ من خطبة العيد، مضى إلى النساء فذكَّرهنَّ ومعه بلال، فأمرهنَّ بالصدقة(20).
ولأنَّهن لو منعن النظر، لوجب على الرجال الحجاب كما وجب على النساء، لئلَّا ينظرن إليهم.
فأمَّا حديث نَبْهان، فقال أحمد: نَبْهان روى حديثين عجيبين. يعني هذا الحديث، وحديث: «إذا كان لإحداكنَّ مكاتبٌ فلتحتجبْ منه»(21). وكأنَّه أشار إلى ضعف حديثه، إذ لم يروِ إلَّا هذين الحديثين المخالفين للأصول. وقال ابن عبد البرِّ: نبهان مجهول، لا يعرف إلَّا برواية الزهري عنه هذا الحديث(22)، وحديث فاطمة صحيح، فالحجَّة به لازمة.
ثم يحتمل أنَّ حديث نَبْهَان خاصٌّ لأزواج النبي ، كذلك قال أحمد وأبو داود.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: كأنَّ حديث نبهان لأزواج النبي خاصَّة، وحديث فاطمة لسائر الناس؟ قال: نعم. وإن قُدِّر التعارض، فتقديم الأحاديث الصحيحة أولى من الأخذ بحديث مفرد في إسناده مقال»(23).
بقي هنا قيد مفروغ منه، وهو ما ذكرناه في نظر الرجل إلى المرأة، وأعني به ألَّا يكون مصحوبًا بالتلذُّذ والشهوة، وإلَّا حرم، ولهذا أمر الله المؤمنات أن يغضضن من أبصارهن، كما أمر المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم سواء، قال تعالى:﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ٣٠ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ[النور: 30، 31].
صحيح أنَّ المرأة تثير الرجل وتحرِّك شهوته، أكثر ممَّا يثير الرجل المرأة، وأنَّ المرأة أكثر جاذبية للرجل، وهي المطلوبة غالبًا والرجل هو الطالب، ولكن هذا كله لا يمنع أنَّ من الرجال من يجذب عين المرأة وقلبها؛ بشبابه ووسامته، أو بقوته وفحولته، أو بغير ذلك من المعاني الَّتي ترنو إليها أعين بعض النساء، أو تهفو إليها قلوبهن.
وقد قصَّ علينا القرآن الكريم قصَّة امرأة العزيز مع فتاها يوسف، الَّذِي شغفها حبًّا وكيف غدت هي الطالبة لا المطلوبة، وكيف راودته عن نفسه وقالت:﴿هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ[يوسف: 23].
كما قصَّ علينا موقف نسوة المدينة؛ حينما رأين يوسف لأول مرة، بما آتاه الله من شباب وحسن، ونضارة وقوة: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُۥٓ أَكْبَرْنَهُۥ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَـٰشَ لِلَّهِ مَا هَـٰذَا بَشَرًا إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ❁ قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ ۖ وَلَقَدْ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ فَٱسْتَعْصَمَ ۖ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾ [يوسف: 31، 32].
فإذا نظرت المرأة إلى رجلٍ معيَّن، فتحرَّكت فيها عوامل الأنوثة، فعليها أن تغضَّ بصرها، ولا تتابع النظر إليه، بعدًا عن مظنة الفتنة، ويزداد الأمر خطرًا إذا بادلها الرجل النظر بنفس الرغبة والشهوة، فهذا هو النظر الَّذِي سـمَّوه «بريد الزنى» والذي وُصِف بأنَّه «سهمٌ مسمومٌ من سهام إبليس» وهو الَّذِي قال فيه الشاعر:
كُلُّ الْحَوَادِثِ مَبْدَاهَا مِنْ النَّظَرِ
وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ(24)
فالسلامة في البعد عن مواضع الشرر، ومواقع الخطر، ونسأل اللهَ العافيةَ في الدِّين والدُّنيا. آمين.
← العودة لقسم 5- شؤون المرأة