2026-06-16
23
اختلاط الجنسين
كثرت الأقوال والفتاوى حول موضوع «الاختلاط» ويقصد به اختلاط الجنسين، الرجال والنساء.
وقد رأينا من علماء الدِّين، من يوجب على المرأة ألَّا تخرج من بيتها إلَّا إلى قبرها، حتَّى المساجد كرهوا خروجها إليها، وبعضهم حرَّمه، خوفًا من الفتنة، وفساد الزمان.
ويستندون في ذلك إلى قولٍ لأمِّ المؤمنين عائشة # : لو علم رسولُ الله ﷺ ما أحدث النساء بعده، لمنعهنَّ من المساجد!
ولا يخفى على فضيلتكم أنَّ المرأة في حاجة إلى أن تخرج للمجتمع لتتعلَّم، ولتعمل، ولتشارك في أتراح الحياة وأفراحها، وكل هذا يفرض عليها قدرًا يكبر أو يصغر من الاختلاط بالرجل، الَّذِي قد يكون زميلًا في الدراسة، أو مُعَلِّمًا في المدرسة، أو أستاذًا في الجامعـة، أو جارًا في الوظـيفة، أو رئيسًا في العمل، أو مرؤوسًا أيضًا، أو طبيبًا في العلاج، إلخ.
فهل يُعَدُّ كلُّ اختلاطٍ بين المرأة والرجل ممنوعًا أو حرامًا؟ وكيف يمكن أن تعيش المرأة بغير الرجل في عصرٍ تشابكت فيه العلاقات وتعقَّدت؟ ولم يعد ممكنًا أن تسجن المرأة في قفص المنزل، حتَّى ولو كان هذا القفص من ذهب، فلن يعدو كونه سجنًا!
ولماذا يباح للرجال ما لا يباح للنساء؟ لماذا يستمتع الرجل بالهواء الطلق، وتحرم المرأة منه؟ ولماذا نسيء الظنَّ بالمرأة، وهي ليست دون الرجل دينًا وعقلًا وضميرًا؟!
فلها كما له دين يمنعها، وعقل يردعها، وضمير يحاسبها «النفس اللوَّامة»، كما أنَّ لها بغير شك غريزة قد تغريها بالهبوط فتهبط، وهي «النفس الأمَّارة بالسوء»، كما أنَّ لها شيطانًا قد يزيِّن لها ويغويها، كما يزين للرجل ويغويه.
فما سرُّ هذا التشديد على المرأة، الَّذِي ينسب للأسف إلى الإسلام، ويذكره من يذكره ممَّن ينتمون إلى بعض المدارس أو التيارات الدينيَّة: على أنَّه حكم الشرع، وموقف الدين؟
نرجو منكم توضيح هذا الأمر، وماذا ينبغي أن يكون موقفنا منه، وبعبارة أخرى: ما موقف الشريعة منه؟ أعني: ما جاء به محكم الكتاب، وصحيح السُّنَّة النبويَّة، لا قول زيد أو عمرو من الناس.
والله يوفقكم لبيان الحق بالدليل.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
مشكلتنا كما ذكرت وأذكر دائمًا أنَّنا في أكثر القضايا الاجتماعيَّة والفكرية، نقف بين طرفي الإفراط والتفريط، وقلَّما نهتدي إلى «التوسُّط»، الَّذِي يمثل إحدى الخصائص العامَّة والبارزة لمنهج الإسلام ولأمة الإسلام.
وهذا أوضح ما يكون في قضـيتنا هذه، وقضايا المرأة المسلمة المعاصرة بصفة عامة.
فقد ظلمَ المرأةَ صنفان من النَّاس متقابلان؛ بل متناقضان:
1 ـ صنف المستغربين الَّذين يريدون أن يفرضوا عليها التقاليد الغربية، بما فيها من فساد وتحلل من القيم وأعظمها الدين، وانحراف عن سواء الفطرة، وبعد عن الصراط المستقيم، الَّذِي بعث الله الرسل، وأنزل الكتب لبيانه ودعوة النَّاس إليه.
وهم يريدون من المرأة المسلمة أن تتبع سنن المرأة الغربية، «شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع»(1) ـ كما صوَّر الحديث النبويُّ ـ حتَّى لو دخلت جُحْر ضبٍّ لدخلته وراءها، على ما في جُحْر الضبِّ من الالتواء والضيق، وسوء الرائحة، ومع هذا لو دخلته المرأة الغربية لدخلته المرأة المسلمة بعدها، أو بعبارة أخرى: لظهرت «موضة» جديدة يروِّج لها المروِّجون تسمى «موضة جُحْر الضبِّ»!
وهؤلاء يغفلون ما تشكو منه المرأة الغربية اليوم، وما جرَّ عليها الاختلاط «المفتوح» من سوء العاقبة على المرأة وعلى الرجل، وعلى الأسرة، وعلى المجتمع كله، ويسدون آذانهم عن صيحات الاستنكار الَّتي تجاوبت بها الآفاق في داخل العالم الغربي نفسه، وعن كتابات العلماء والأدباء، ومخاوف المفكرين والمصلحين على الحضارة كلها من جراء إلغاء القيود في الاختلاط بين الجنسين.
كما ينسى هؤلاء أنَّ لكل أمة شخصيتها، الَّتي تكوِّنها عقائدها وتصورها للكون والحياة، والوجود ورب الوجود، وقيمها وتراثها وتقاليدها. ولا يجوز أن يغدو مجتمع صورة مكررة من مجتمع آخر!
2 ـ والصنف الثاني هم الَّذين يفرضون على المرأة تقاليد أخرى، ولكنَّها تقاليد الشرق لا تقاليد الغرب، وإن صبغت في كثير من الأحيان بصبغة الدين، ونسبها من نسبها إلى ساحته، بناءً على فهم فهمه، أو رأي قلَّده أو رجحه؛ لأنَّه يوافق رأيه في المرأة، وسوء ظنِّه بها: بدينها، وبعقلها، وسلوكها.
ولكنَّه على أية حال لا يخرج عن كونه رأيًا لبشر غير معصوم، متأثر بمكانه وزمانه، وشيوخه ومدرسته، تعارضه آراء أخرى، تستمدُّ حجيتها من صريح القرآن العظيم، ومن هدي النبي الكريم، ومن مواقف الصحابة وخير القرون.
وأودُّ أن أبادر هنا فأقول: إنَّ كلمة «الاختلاط» في مجال العلاقة بين الرجل والمرأة، كلمة دخيلة على «المعجم الإسلامي» لم يعرفها تراثنا الطويل العريض، طوال القرون الماضية، ولم تُعرف إلَّا في هذا العصر، ولعلها ترجمة لكلمة «أجنبيَّة» في هذا المعنى، ومدلولها له إيحاء غير مريح بالنظر لحسِّ الإنسان المسلم.
وربما كان أولى منها كلمة «لقاء» أو «مقابلة» أو «مشاركة» الرجال للنساء، ونحو ذلك.
وعلى كلِّ حال؛ فإنَّ الإسلام لا يصدر حكمًا عامًّا في مثل هذا الموضوع، وإنَّما ينظر فيه على ضوء الهدف منه، أي المصلحة الَّتي يحقِّقها، والضرر الَّذِي يخشى منه، والصورة الَّتي يتم بها، والشروط الَّتي تراعى فيه، إلخ.
وخير الهَدْي في ذلك هدي محمَّد ﷺ ، وهدي خلفائه الراشدين، وأصحابه المهديين.
والناظر في هذا الهدي يرى أنَّ المرأة لم تكن مسجونة ولا معزولة، كما حدث ذلك في عصور تخلف المسلمين.
فقد كانت المرأة تشهد الجماعة والجمعة، في مسجد رسول الله ﷺ ، وكان ! يحثُّهن على أن يتخذن مكانهن في الصفوف الأخيرة، خلف صفوف الرجال، وكلَّما كان الصف أقرب إلى المؤخرة كان أفضل، خشية أن يظهر من عورات الرجال شيء، وكان أكثرهم لا يعرفون السراويل، ولم يكن بين الرجال والنساء أي حائل من بناء أو خشب، أو نسيج أو غيره.
وكانوا في أول الأمر يدخل الرجال والنساء من أي باب اتفق لهم، فيحدث نوع من التزاحم عند الدخول والخروج، فقال 0 : : «لو تركنا هذا الباب للنساء»(2). فخصَّصوه بعد ذلك لهن، وصار يعرف إلى اليوم باسم «باب النساء».
وكان النساء في عصر النبوَّة يحضرن الجمعة، ويسمعن الخطبة، حتَّى إنَّ إحداهن حفظت سورة (قۤ) من في رسول الله ﷺ من طول ما سمعَتْها من فوقِ مِنْبَرِ الجمعة(3).
وكان النساء يحضرن كذلك صلاة العيدين، ويشاركن في هذا المهرجان الإسلامي الكبير، الَّذِي يضم الكبار والصغار، والرجال والنساء، في الخلاء مهلِّلين مكبِّرين.
روى مسلم: عن أم عطية قالت: كُنَّا نؤمرُ بالخروج في العيدين، والمخبَّأة والبِكْر(4).
وفي رواية قالت: أمرنا رسـول الله ﷺ أن نُخرجَهـنَّ في الفطـر والأضحـى: العواتق(5)، والحُيَّض وذوات الخدور، فأمَّا الحيَّض فيعتزلْنَ الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلتُ: يا رسولَ الله، إحدانا لا يكون لها جلباب! قال: «لتُلْبِسْها أختُها من جلبابها»(6).
وهذه سُنَّة أماتها المسلمون في جلِّ البلدان أو في كلِّها، إلَّا ما قام به مؤخَّرًا شباب الصحوة الإسلاميَّة الَّذين أحيوا بعض ما مات من السنن، مثل سُنَّة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، وسُنَّة شهود النساء صلاة العيد.
وكان النساء يحضرن دروس العلم، مع الرجال عند النبي ﷺ ، ويسألن عن أمر دينهن ممَّا قد يستحيي منه الكثيرات اليوم؛ حتَّى أثنت عائشة على نساء الأنصار، أنَّهُنَّ لم يمنعهنَّ الحياء أن يتفقَّهن في الدِّين(7)، فطالما سألْنَ عن الجنابة والاحتلام والاغتسال والحيض والاستحاضة ونحوها.
ولم يشبع ذلك نهمهنَّ لمزاحمة الرجال واسـتئثارهم برسول الله ﷺ ، فطلبن أن يجعل لهنَّ يومًا يكون لهنَّ خاصَّة، لا يغالبهن الرجال ولا يزاحمونهن، وقُلْنَ في ذلك صراحة: يا رسولَ الله، قد غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يومًا من نفسك. فوعدهنَّ يومًا، فلقيهنَّ فيه، ووعظهنَّ وأمرهنَّ(8).
وتجاوز هذا النشاط النسائيُّ إلى المشاركة في المجهود الحربيِّ في خدمة الجيش والمجاهدين، بما يقدرن عليه ويُحسنَّ القيام به، من التمريض والإسعاف، ورعاية الجرحـى والمصابين، بجوار الخدمات الأخـرى من الطهي والسقي، وإعداد ما يحتاج إليه المجاهدون من أشياء مدنية.
عن أمِّ عطيَّة قالت: غزوتُ مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، أَخْلُفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى(9).
وروى مسلم عن أنس: أنَّ عائشةَ وأم سُلَيْم، كانتا في يوم أحد مشمِّرَتَيْن، تنقلان القرب على متونهما وظهورهمـا ثمَّ تفرغانهـا في أفواه القـوم، ثمَّ ترجعـان فتملآنهـا(10). ووجود عائشة هنا وهي في العقـد الثاني من عمـرها يردُّ على الَّذين ادَّعـوا أنَّ الاشتراك في الغزوات والمعـارك كان مقصـورًا على العجائز والمتقـدِّمات في السـنِّ، فهذا غير مسلَّم. وماذا تغني العجائز في مثل هذه المواقف، الَّتي تتطلَّب القدرة البدنيَّة والنفسيَّة معًا؟!
وروى الإمام أحمد: أنَّ ستَّ نسوة من نساء المؤمنين كنَّ مع الجيش الَّذِي حاصر خيبر: يناولن السهام، ويسقين السويق، ويداوين الجرحى، ويغزلن الشَّعر، ويُعِنَّ في سبيل الله، وقد أعطاهن النبي ﷺ نصيبًا من الغنيمة(11).
بل صحَّ أنَّ نساء بعض الصحابة شاركن في بعض الغزوات والمعارك الإسلاميَّة بحمل السلاح، عندما أتيحت لهن الفرصة، ومعروف ما قامت به أمُّ عُمَارة نَسِيبَة بنت كعب يومَ أحد، حتَّى قال عنها ﷺ : «لمَقامُها خيرٌ من مَقَامِ فلانٍ وفلان»(12).
وكذلك اتَّخذت أمُّ سُلَيْم خنجرًا يوم حُنْين، تبقر به بطن من يقترب منها.
روى مسلم عن أنس ابنها: أنَّ أمَّ سُـلَيْم اتَّخـذت يوم حُنَيْن خنجـرًا، فكان معـها، فرآهـا أبو طلحة زوجها، فقال: يا رسولَ الله، هذه أمُّ سُلَيْم معها خنجر! فقال لها رسول الله ﷺ : «ما هذا الخنجرُ؟». قالت: اتَّخذته، إنْ دنا منِّي أحد المشركين بقرتْ به بطنـه! فجعل رسولُ الله ﷺ يضحـك(13).
وقد عقد البخاري بابًا في صحيحه في غزو النساء وقتالهنَّ.
ولم يقف طموحُ المرأة المسلمة في عهد النبوَّة والصحابة للمشاركة في الغزو عند المعارك المجاورة والقريبـة في الأرض العربيـة كخيبر وحُنَين؛ بل طمحن إلى ركـوب البحـار، والإسهام في فتح الأقطار البعيدة لإبلاغها رسالة الإسلام.
ففي صحيح البخاري ومسلم عن أنس: أنَّ رسول الله ﷺ قال عند أمِّ حَرَام بنت مِلْحَان خالة أنس يومًا، ثمَّ استيقظ وهو يضحك، فقالت: ما يُضْحِكُكَ يا رسولَ الله؟ قال: «ناسٌ من أُمَّتي عُرضوا عليَّ غزاة في سبيل الله، يركبون ثَبَج(14) هذا البحر ملوكًا على الأسرَّة»، أو «مثل الملوك على الأسرَّة». قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، ادعُ الله أن يجعلني منهم، فدعا لها. فركبت أم حرام البحر في زمن عثمان، مع زوجها عبادة بن الصامت إلى قبرص، فصرعت عن دابَّتها، فتُوُفِّيَتْ ودُفِنَتْ هناك(15)، كما ذكر أهل السير والتاريخ.
وفي الحياة الاجتماعيَّة شاركت المرأة داعية إلى الخير، آمرةً بالمعروف، ناهيةً عن المنكر، كما قال تعالى:﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾[التوبة: 71].
ومن الوقائع المشهورة ردُّ إحدى المسلمات على عمر في المسجد في قضية المهور، ورجوعه إلى رأيها علنًا، وقوله: أصابت المرأة، وأخطأ عمر(16). وقد ذكرها ابن كثير في تفسير سورة النساء، وقال: إسنادها جيِّد(17).
وقد عيَّن عمر في خـلافته الشِّفاء بنت عبد الله العدويَّة مُحْتَسِبَةً على السُّـوق(18). والمتأمِّل في القرآن الكريم وحديثه عن المرأة في مختلف العصور، وفي حياة الرسل والأنبياء: لا يشعر بهذا الستار الحديدي، الَّذِي وضعه بعض النَّاس بين الرجل والمرأة.
فنجد موسى وهو في ريعان شبابه وقوَّته يحادث الفتاتين ابنتي الشيخ الكبير، ويسألهما وتجيبانه؛ بلا تأثم ولا حرج، ويعاونهما في شهامة ومروءة، وتأتيه إحداهما بعد ذلك مرسلة من أبيها تدعوه أن يذهب معها إلى والدها، ثمَّ تقترح إحداهما على أبيها بعد ذلك أن يستخدمه عنده؛ لما لمست فيه من قوة وأمانة.
لنقرأ في ذلك ما جاء في سورة القصص:﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةًۭ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّىٰ يُصْدِرَ ٱلرِّعَآءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌۭ كَبِيرٌۭ ٢٣ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍۢ فَقِيرٌۭ ٢٤ فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍۢ قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيْهِ ٱلْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥ قَالَتْ إِحْدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسْتَـْٔجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ﴾[القصص: 23 ـ 26].
وفي قصَّة مريم نجد زكريا يدخل عليها المحراب، ويسألها عن الرزق الَّذِي يجده عندها:﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[آل عمران: 37].
وفي قصَّة ملكة سبأ نراها تجمع قومها تستشيرهم في أمر سليمان:﴿قَالَتْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُاْ أَفْتُونِى فِىٓ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ ٣٢ قَالُواْ نَحْنُ أُو۟لُواْ قُوَّةٍۢ وَأُو۟لُواْ بَأْسٍۢ شَدِيدٍۢ وَٱلْأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ ٣٣ قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةًۭ ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾[النمل: 32 ـ 34].
وكذلك تحدَّثت مع سليمان 0 : وتحدَّث معها:﴿فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُۥ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ٤٢ وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍۢ كَٰفِرِينَ ٤٣ قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِى ٱلصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةًۭ وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُۥ صَرْحٌۭ مُّمَرَّدٌۭ مِّن قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾[النمل: 42 ـ 44].
ولا يقال: إنَّ هذا شرع من قبلنا فلا يلزمنا؛ فإنَّ القرآن لم يذكره لنا إلَّا لأنَّ فيه هداية وذكرى، وعبرة لأولي الألباب، ولهذا كان القول الصحيح: أنَّ شرع من قبلنا المذكور في القرآن والسُّنَّة هو شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه، وقد قال تعالى لرسوله:﴿أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾[الأنعام: 90].
إنَّ إمساك المرأة في البيت، وإبقاءها بين جدرانه الأربعة لا تخرج منه اعتبره القرآن ـ في مرحلة من مراحـل تدرج التشـريع؛ قبل النص على حدِّ الزنى المعروف ـ عقـوبة بالغـة لمن ترتكب الفاحشة من نساء المسلمين، وفي هذا يقول تعالى في سورة النساء:﴿وَٱلَّـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةًۭ مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًۭا﴾[النساء: 15].
وقد جعل الله لهن سبيلًا بعد ذلك حينما شرع الحد، وهو العقوبة المقدرة في الشرع حقًّا لله تعالى، وهي الجلد الَّذِي جاء به القرآن لغير المحصـن، والرجم الَّذِي جاءت به السُّنَّة للمحصن.
فكيف يستقيم في منطق القرآن والإسلام أن يجعل الحبس في البيت صفة ملازمة للمسلمة الملتزمة المحتشمة، كأنَّنا بهذا نعاقبها عقوبة دائمة وهي لم تقترف إثمًا؟!
والخلاصـة:
أنَّ اللقاء بين الرجال والنساء في ذاته إذن ليس محرَّمًا؛ بل هو جائز أو مطلوب، إذا كان القصـد منه المشاركـة في هدف نبيل، من علـم نافع، أو عمل صالـح، أو مشـروع خـيِّر، أو جهاد لازم، أو غير ذلك ممَّا يتطلب جهودًا متضافرة من الجنسين، ويتطلب تعاونًا مشتركًا بينهما في التخطيط والتوجيه والتنفيذ.
ولا يعني ذلك أن تذوب الحدود بينهما، وتنسى القيود الشرعيَّة الضابطة لكل لقاء بين الطرفين، ويزعم قوم أنَّهم ملائكة مطهرون، لا يخشى منهم ولا عليهم، يريدون أن ينقلوا مجتمع الغرب إلينا. إنَّما الواجب في ذلك هو الاشتراك في الخير، والتعاون على البر والتقوى، في إطار الحدود الَّتي رسمها الإسلام، ومنها:
1 ـ الالتزام بغض البصر من الفريقين، فلا ينظر إلى عورة، ولا ينظر بشهوة، ولا يطيل النظر في غير حاجة، قال تعالى:﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَٰرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ٣٠ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾[النور: 30، 31].
2 ـ الالتزام من جانب المرأة باللباس الشرعي المحتشم، الَّذِي يغطي البدن ما عدا الوجه والكفين، ولا يشفُّ ولا يصف، قال تعالى:﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾[النور: 31].
وقد صحَّ عن عدد من الصحابة: أنَّ ما ظهر من الزينة هو الوجه والكفان.
وقال تعالى في تعليل الأمر بالاحتشام:﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾[الأحزاب: 59]. أي أنَّ هذا الزيَّ يميِّز المرأة الحرة العفيفة الجادة من المرأة اللعوب المستهترة، فلا يتعرض أحد للعفيفة بأذًى؛ لأنَّ زيَّها وأدبها يفرض على كل من يراها احترامها.
3 ـ الالتزام بأدب المسلمة في كل شيء، وخصوصًا في التعامل مع الرجال:
1 ـ في الكـلام، بحـيث يكـون بعيدًا عن الإغـراء والإثارة، وقد قال تعالى:﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِۦ مَرَضٌۭ وَقُلْنَ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا﴾[الأحزاب: 32].
2 ـ في المشي، كما قال تعالى:﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾[النور: 31]، وأن تكـون كالتي وصفها الله بقوله:﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَىٰهُمَا تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍۢ﴾[القصص: 25].
3 ـ في الحركة، فلا تتكسَّر ولا تتمايل، كأولئك اللائي وصفهن الحديث الشريف بـالمُمِيلات المائلات(19)، ولا يصدر عنها ما يجعلها من صنف المتبرجات تبرج الجاهليَّة الأولى أو الأخيرة.
4 ـ أن تتجنَّب كلَّ ما من شأنه أن يُثير ويُغري، من الروائح العطريَّة وألوان الزينة، الَّتي ينبغي أن تكون للبيت لا للطريق، ولا للقاء مع الرجال.
5 ـ الحذر من أن يختلي الرجلُ بامرأة وليس معهما مَحْرم، فقد نهت الأحاديث الصحيحة عن ذلك، وقالت: «لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلَّا مع ذي مَحْرم»(20)، وفي رواية: «إنَّ ثالثَهما الشيطان»(21)؛ إذ لا يجوز أن يُخَلَّى بين النار والحطب.
وخصوصًا إذا كانت الخلوة مع أحد أقارب الزوج، وفيه جاء الحديث: «إيَّاكم والدخولَ على النِّساء». قالوا: يا رسولَ الله، أرأيت الحَمْو؟! قال: «الحَمْو الموت»(22). أي هو سبب الهلاك؛ لأنَّه قد يجلس ويطيل الجلوس، وفي هذا خطر شديد.
6 ـ أن يكون اللقاء في حدود ما تفرضه الحاجة، وما يوجبه العمل المشترك دون إسراف أو توسع يخرج المرأة عن فطرتها الأنثويَّة، أو يعرضها للقيل والقال، أو يُعطِّلها عن واجبها المقدَّس، في رعاية البيت وتربية الأجيال.
والله الهادي إلى سواء السبيل.
(1) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3456)، ومسلم في العلم (2669)، عن أبي سعيد الخدري.
(2) رواه أبو داود في الصلاة (462)، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع (5258)، عن ابن عمر.
(3) كما جاء في حديث أم هشام بنت الحارث: ما حفظت (ق) إلَّا من في رسول الله ﷺ ، وهو يخطب بها يوم الجمعة قالت: وكان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدًا. رواه مسلم في الجمعة (873)، وأحمد (27628).
(4) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في العيدين (971)، ومسلم في صلاة العيدين (890) (11)، عن أم عطية.
(5) جمع عاتق، وهي الجارية البالغة، أو التي قاربت البلوغ.
(6) رواه مسلم في صلاة الجمعة (890) (12)، وأحمد (20793).
(7) ذكره البخاري تعليقًا بصيغة الجزم قبل حديث رقم (130)، ووصله مسلم في الحيض (332)، وأحمد (25145).
(8) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في العلم (101)، ومسلم في البر والصلة (2633)، عن أبي سعيد الخدري.
(9) رواه مسلم في الجهاد والسير (1812)، وأحمد (20792).
(10) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري (2880)، ومسلم (1811)، كلاهما في الجهاد والسير.
(11) رواه أحمد (22332)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده ضعيف. وأبو داود في الجهاد (2729)، والنسائي في الكبرى في السير (8879)، وضعَّف إسناده الخطابي في معالم السنن (2/307)، وقال: لا تقوم الحجة بمثله. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (474)، عن حشرج بن زياد، عن جدته.
(12) رواه ابن سعد في الطبقات (8/415)، تحقيق إحسان عباس، نشر دار صادر، بيروت، ط 1، 1968م.
(13) رواه مسلم في الجهاد (1809)، عن أنس.
(14) أَيْ وسَطه وَمُعْظَمَهُ.
(15) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (2788)، ومسلم في الإمارة (1912)، عن أنس.
(16) سبق تخريجه صـ 62، وفيه: كل الناس أفقه من عمر.
(17) تفسير ابن كثير (2/243 ـ 244).
(18) ذكره ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (السفر الثاني) (2/786)، ترجمة (3405)، تحقيق صلاح بن فتحي هلال، نشر الفاروق الحديثة للطباعة، القاهرة، ط 1، 1427هـ ـ 2006م.
(19) رواه مسلم في اللباس والزينة (2128)، عن أبي هريرة.
(20) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في النكاح (5233)، ومسلم في الحج (1341)، عن ابن عباس.
(21) رواه أحمد (14651)، وقال مُخَرِّجوه: حسن لغيره وبعضه صحيح. وصحَّحه الألباني في الإرواء (1813)، عن جابر.
(22) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في النكاح (5232)، ومسلم في السلام (2172)، عن عقبة بن عامر.