2026-06-16
17
عيـادة المـرأة للرجـل
أنا امرأة مسلمة، أحبُّ أن ألتزم بأمر الله تعالى في حياتي كلِّها، وفي علاقاتي بالنَّاس جميعًا، وأنا أعمل ناظرة مدرسة ثانويَّة للبنات، ومعي مجموعة من المدرِّسين والمدرِّسات، وبيننا مجاملات في المناسبات المختلفة كالتهنئة بزفاف أو بمولود، أو بترقية ونحـو ذلك، ولكن الأمـر الَّذِي توقفنا فيه هـو عيادة المرضى من زملائنا الرجـال، فقد يمرض أحدهم أو يعمل عملية جراحية، ويدخل المستشفى، فهل يجوز لي ولزميلاتي المدرسات أن نذهب لعيادة زميلنا لما له من حقِّ الزمالة، أو يعتبر هذا من حقوق الرجال بعضهم على بعض.
ومثل هذا يقال بالنسبة لعيادة الزملاء للزميلة الَّتي تمرض أو يصيبها حادث ونحو ذلك؛ ممَّا يعرض للرجال وللنساء جميعًا.
نرجو من فضيلتكم توضيح هذه المسألة؛ في ضوء النصوص الثابتة الَّتي هي المرجع المعتمد والمعصوم لدى كل مسلم ومسلمة.
وندعو لكم بدوام التوفيق، في نشر الفهم الصحيح والوعي الرشيد لديننا العظيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
من الآداب الَّتي جاء بها الإسلام، وحثَّ عليها الرسول الكريم ﷺ : عيادة المريض. وقد اعتبرها النبيُّ الكريم من حقوق المسلم على المسلم.
يقول ! : «حقُّ المسلمِ على المسلمِ ستٌّ» قيل: وما هُنَّ يا رسولَ اللهِ؟ قال: «إذا لقيتَه فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبْه، وإذا استنصحكَ فانصحْ له، وإذا عطس فشمِّته، وإذا مرض فعُدْه، وإذا مات فاتَّبعه»(1).
«فُكُّوا العانيَ ـ أي الأسير ـ وأجيبوا الداعيَ، وأطعموا الجائعَ، وعودوا المريضَ»(2).
«عُودوا المرضى، واتَّبعوا الجنائز، تذكِّركم الآخرةَ»(3).
«من عـاد مريضًا ناداه منادٍ مـن السـماء: طبتَ وطابَ ممشاك، وتبوَّأت من الجنَّة مـنزلًا»(4).
«إنَّ المسلمَ إذا عاد أخاه المسلمَ لم يزل في خُرْفة الجنَّة حتَّى يرجع». قيل: يا رسولَ الله، وما خُرْفةُ الجنَّة؟ قال: «جناها»(5). أي ما يُخْتَرف ويجتنى من ثمرها.
«إنَّ اللهَ 8 يقول يومَ القيامة: يا ابنَ آدمَ، مرضتُ فلم تعدني! قال: يا ربِّ، كيف أعودُك وأنت ربُّ العالمين؟! قال: أمَّا علمتَ أنَّ عبدي فلانًا مَرِضَ فلم تعُدْه، أمَّا علمتَ أنَّك لو عُدْتَه لوجدتني عنده؟!»(6).
ولا يجد المرء أروع ولا أبلغ من هذا التصوير لفضل عيادة المريض ومثوبته عند الله، حتَّى إنَّ الله 2 ليجعل عيادة المريض كأنَّما هي عيادة له.
وهذه الأحاديث كلها تدل على أهمية هذا الأدب الإسلامي، الَّذِي رغَّبت فيه السُّنَّة النبويَّة القولية والعملية، حتَّى إنَّ النبيَّ ﷺ عاد يهوديًّا مريضًا فعرض عليه الإسلام فأسلم.
ويتأكَّد استحباب هذا الأدب ـ الَّذِي عدته بعض الأحاديث حقًّا للمسلم على المسلم ـ إذا كان بين المسلم والمسلم صلة وثيقة، مثل القرابة والمصاهرة والجوار، والزمالة والأستاذية، ونحو ذلك ممَّا يجعل لبعض النَّاس حقًّا أوكد من غيره.
والملاحظ أنَّ هذه الأحاديث جاءت بألفاظ عامة، تشمل الرجل والمرأة على السواء، فحديث: «عودوا المريض» أو «مَنْ عاد مريضًا» أو «إذا مرض فعُدْه» ليست خاصَّة بالرجال، بلا جدال، وهذه الأدلَّة العامَّة كافية في مشروعيَّة عيادة النساء للرجال، في ظلِّ الآداب والضوابط الشرعيَّة المقررة.
ومع هذا هناك أدلة خاصَّة تدلُّ على مشروعيَّة عيادة المرأة للرجل:
فقد أورد الإمام البخاريُّ في كتاب المرضى من صحيحه «باب عيادة النساء للرجال». قال: وعادت أمُّ الدَّرْداء رجلًا من أهل المسجد من الأنصار(7).
وروى عن عائشة أنَّها قالت: لمَّا قدم رسولُ الله ﷺ المدينة وَعِكَ أبو بكر وبلال ^ ، قالت: فدخلت عليهما، فقُلْت: يا أبتِ، كيف تَجِدُك؟ ويا بلال كيف تَجِدُك(8)؟ الحديث.
ومعنى «كيف تَجِدُكَ؟»: أي كيف تجد نفسك؟ كما نقول نحن: كيف صحَّتُك؟
وقد دخلت أم مُبَشِّر بنت البراء بن مَعْرور الأنصاريَّة على كعب بن مالك الأنصاريِّ لما حضرته الوفاة، وقالت: يا أبا عبد الرحمٰن، اقرأْ على ابني السلام ـ تعني مُبَشِّرًا ـ الحديث(9).
فلا مانع ـ إذن ـ من أن تعود المسلمة أخاها المسلم المريض، ما دامت ملتزمة بالقواعد الشرعيَّة، والآداب المرعية، فلا خلوة ولا تبرج ولا تعطر، ولا خضوع بالقول.
والأولى أن تكون العيادة في مثل هذه الحالة المسؤول عنها في صورة جماعية، بمعنى أن تتفق الناظرة ومعها بعض المدرسات، على الذهاب معًا لقضاء حق العيادة، دفعًا لأي شبهة.
ولا معنى للتوقف في عيادة زميل مريض من زميلة له أو رئيسة له، مع أنَّها تتعامل معه في المدرسة يوميًّا، وبلا حرج، فهل يشرع التعامل مع الزملاء في حالة الصحة، ويقاطَعون في حالة المرض؟ مع أنَّ المريض أولى بالشفقة والرعاية؟!
وأمَّا عيادة الرجل للمرأة فهي تدخل في الأدلَّة العامَّة الَّتي ذكرناها في الحثِّ على عيادة المرضى.
وهناك أدلة خاصَّة أيضًا تدل على مشروعيَّة عيادة الرجال للنساء:
فقد روى الشيخان عن عائشة قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضُبَاعة بنت الزُّبَيْر، فقال لها: «لعلَّكِ أردتِ الحجَّ!». قالت: والله لا أجدني إلَّا وَجِعة. فقال لها: «حُجِّي واشترطي»(10) الحديث.
وروى مسلم، عن جابر بن عبد الله، أنَّ رسولَ الله ﷺ دخل على أم السائب ـ أو أمِّ المسيّب ـ فقال: «ما لك يا أمَّ السائبِ تُزَفْزِفين؟» ـ أي ترتعدين ـ قالت: الحمى، لا بارك الله فيها! فقال: «لا تَسُبِّي الحُمَّى؛ فإنَّها تذهب خطايا بني آدم، كما يُذْهب الكيرُ خبثَ الحديد»(11).
وروى أبو داود، عن أمِّ العـلاء قالت: عادني رسـولُ الله ﷺ ، وأنا مريضـة، فقال: «أبشري يا أمَّ العلاء» الحديث(12).
وروى النَّسائي، عن أبي أمامة قال: مرضت امرأة من أهل العوالي ـ أي عوالي المدينة ـ فكان النبي ﷺ أحسن شيء عيادةً للمريض، فقال: «إذا ماتتْ فآذنوني»(13).
وروى البخاري، أنَّ ابن عبَّاس اسـتأذن على عائشـة في مرض موتهـا، فأذنت له، فقال: كيف تجدينـكِ؟ قالت: بخيرْ إن اتقيتُ! قال: فأنت بخير إن شـاء الله تعالى، زوجة رسولِ الله ﷺ ، ولم ينكح بكرًا غيرك، ونزل عُذْرك من السماء(14).
وبعد هذه النقول الصحيحة الثبوت، الصريحة الدلالة، لا يجوز لمسلم إلَّا النزول على هُدَى الله تعالى، وهَدْي رسوله ﷺ ، ولا ينبغي لنا أن نُحَجِّر ما وسَّع الله تعالى، أو نعسِّر ما يَسَّره عز وجل، وسُنَّة رسول الله ﷺ أحقُّ أن تتبع من أقوال الرجال وتقاليد الناس.
وبالله التوفيق.
(1) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الجنائز (1240)، ومسلم في السلام (2162)، عن أبي هريرة. وفي البخاري (خمس) بدل (ست).
(2) رواه البخاري في الجهاد والسير (3046)، عن أبي موسى الأشعري.
(3) رواه أحمد (11445)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده صحيح. والبخاري في الأدب المفرد (518)، وابن حبان في الجنائز (2955)، عن أبي سعيد الخدري.
(4) رواه أحمد (8536)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده ضعيف. والترمذي في البر والصلة (2008)، وقال: حسن غريب. وابن ماجه في الجنائز (1443)، والبخاري في الأدب المفرد في حسن الخلق (345)، وابن حبان في الجنائز (2961)، وحسَّنه الألباني في صحيح ابن ماجه (1184)، عن أبي هريرة.
(5) رواه مسلم في البر والصلة (2568)، وأحمد (22451)، عن ثوبان.
(6) رواه مسلم في البر والصلة (2569)، عن أبي هريرة.
(7) صحيح البخاري (7/116).
(8) رواه البخاري في مناقب الأنصار (3926).
(9) رواه أحمد (15776)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين. والطبراني (19/63)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (3937): رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح.
(10) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في النكاح (5089)، ومسلم في الحج (1207).
(11) رواه مسلم في البر والصلة (2575).
(12) رواه أبو داود في الجنائز (3092)، والطبراني (25/141)، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (714).
(13) رواه النَّسائي في الجنائز (1981)، وصحَّحه الألباني في صحيح النَّسائي (1872).
(14) رواه البخاري في التفسير (4753).