2026-06-16
51
محنة فتاة صغيرة مع شقيقها
صاحب الفضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي الموقر، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو التكرم بالتعليق على القضية التالية؛ حيث اتصلت صاحبتها بي شخصيًّا، وأخبرتني بها حرفيًّا، وها أنا أصوغها لكم، علمًا بأننا سوف ننشر هذا الموضوع على صفحات المجلة.
رانيا، فتاة عربية في عمر الزهور ـ 14 سنة ـ اتصلت بي رافضة الإدلاء باسمها الكامل، أو حتَّى الإفصاح عن باقي هويتها، وبصوت فيه لوعة وتحسر بدأت الحديث معي؛ بأنْ لا سبيل إلَّا الانتحار أو الهروب إلى المهجر. وبعد التهدئة بدأت في سرد قصتها فقالت: عائلتي تتكون من أب وأم وأخ يكبرني بسنة، ويشاركنا في البيت خادمة فلبينية، ومزارع بنغالي، وسائق هندي، وبيتنا كبير جدًّا، به مرافق واسعة، وبركة سباحة، وحديقة غناء، أعيش حياة مرفهة. لم أجدني يومًا في حياتي في حاجة إلى نقود؛ إلَّا وأجدها متوافرة أمامي، ولكن الطامة الكبرى تكمن في أبي باعتباره رب الأسرة، فهو دائم السفر، ومنهمك في عمله الحر، لا يعرف عن حياتنا شيئًا، وأمي كذلك لديها صديق تعوض به ما لا تلقاه من أبي، فهو يعاشرها معاشرة الأزواج، ويستحم معها أمام ناظرينا في حوض السباحة. وكلنا يعرف ـ وربَّما حتَّى أبي ـ بأنَّ صديق أمي له حق الممارسة الشرعيَّة في البيت.
أدرس في مدرسة خاصَّة منفتحة، أجد فيها الاختلاط مع الأولاد ممَّن هم في سني. وتطبعت بطبائع أمي ذات الطابع الأوربي الشيطاني اللعين. بدأت أتساءل دائمًا: لماذا الجنس؟ لماذا أتينا إلى الوجود؟ وكيف؟ وخلالها صرت أطالع الصور والأفلام المتعلقة بذلك!
وبدأ أخي ياسر ـ الَّذِي كما أسلفت يكبرني بسنة ـ يشاركني همومي، ونلعب كما كنا، ونلهو كما كنا. ولكنَّه بدأ ذات يوم يتحرش بي تارة، ويريدني تارة أخرى، إلى أن سلَّمت له الأمر. وأصبحنا كالعشيقين، إلى أن تنبَّهت ذات مرة، وفكرت في التخلي عن أخي.
ولكنَّ المسكين أحبني كثيرًا، ويحب النوم إلى جانبي، ولكنني تعلَّمت بأنَّ هذا لا يجوز، فهو تصرف حيواني بحت. وفكرت في مخرج من هذا المأزق. فكرت في صديقنا في المدرسة اسمه «لؤي»، تقربت منه، وهو يريدني منذ زمن، فهو يرتاح لي، ويقبلني أحيانًا، ونظراته لي كلها صدق ومودة!
دعوته إلى بيتنا ذات مرة للعشاء، ثمَّ الاستحمام في حوض السباحة، ولم أجد نفسي إلَّا وأنا معه في غرفة نومي. فيا لها من ليلة حلوة، أحسست فيها بأنَّني تركت أخي، ووجدت ضالتي!
علم أخي بحبي الجديد وانهار، وأخذ يضربني، وأنا أصده، وأغلق عنه باب غرفتي. حارب أخي لؤيًّا ومنعه من دخول بيتنا؛ بل منعه من مجرد أن يكلمني. إلى أن وصل بي الحال أن أتفق مع أخي، فاشترط عليَّ ألَّا أتركه، فيكون هو وصديقه لؤي عشيقين لي. لا أردهما أبدًا!
والآن يعاشرني أخي، ويعاشرني صديقه الَّذِي أحبه وأعشقه، وطبعًا لا يدري عمَّا يفعله بي أخي كل يوم.
فأنا حائرة ما الَّذِي أفعله، فقد تعوَّدت على ذلك؟! وخوفًا من الفضيحة فكلاهما يقذفان في أحشائي. نوِّروني؛ فلا أبي، ولا أمي المستهترة يستطيعان توجيهي بشيء. فما العمل؟! انتهت الرسالة.
فضيلة الدكتور، نحن في انتظار الرد الشرعي، والتعليق من جانبكم على هذه الواقعة المأساوية، الَّتي سردناها لكم منقولة حرفيًّا كما أبلغتنا بها الفتاة، وذلك خلال أسبوع من تاريخه.
وتفضلوا بقبول خالص التحيات.
عبد الحميد علي القاسمي
رئيس الإدارة والتحرير
مجلة العائلة، المنامة ـ البحرين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذه المأساة الَّتي تعيشها الفتاة المنكوبة، والَّتي تحكيها على لسانها، والَّتي لا يصدِّقها عقل، ولا يرضاها ضمير، ولا يقرُّها عرف ولا خلق، ناهيك أن يقرَّها شرع ودين.
هذه المأساة ثمرة مرة لهذه الشجرة الملعونة في القرآن والتوراة والإنجيل، وكل كتب السماء: شجرة الماديَّة والإباحية الجنسيَّة، الَّتي لا تثمر إلَّا الشوك والحنظل.
إنَّها ثمرة لحياة الانحلال الَّتي تعيشها بعض الأسر المترفة في ديارنا؛ نتيجةً للتقليد الأعمى للحضارة الغربية، الَّتي تهدِّدها النـزعة الإباحية بالسقوط والانهيار، والَّتي يشكو منها المصلحون والمفكرون الأحرار، والنقاد من الغربيين أنفسهم.
ماذا يتوقع من أسرة مفككة، كل فرد فيها يعيش لنفسه، غير شاعر بمسؤوليته عن الآخرين؟
الأب يعيش لأسفاره وأعماله وأمواله، ولا ندري ماذا يصنع في هذه الأسفار؟! ولا يبالي ولا يسأل أو يحس، بما يجري لأسرته في غيابه، والنبي ﷺ يقول: «كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته، والرجل في أهل بيته راعٍ، وهو مسؤولٌ عن رعيته»(1). والله تعالى يقول:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًۭا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾[التحريم: 6].
وقد مات حسُّه الديني، وحسُّه الرجولي، حتَّى إنَّه يقبل أن تستحمَّ زوجته مع رجل أجنبيٍّ في حوض السباحة، وحتَّى تقول الفتاة: كلُّنا يعلم أنَّ صديق أُمِّي له حقُّ الممارسة الشرعيَّة معها في البيت!! وتقول: وربَّما حتَّى أبي!
هذا هو الَّذِي سمَّاه الرسول ﷺ «الديوث»، الَّذِي يعلم القبيح على أهله ويسكت! وهذه الأم الَّتي خلعت برقع الحياء عن وجهها، حتَّى إنَّها تمارس المنكر أمام ابنها وابنتها، ولا تبالي ولا تستحي، وقد قال النبيُّ ﷺ : «إنَّ ممَّا أدرك النَّاسُ من كلام النبوَّة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنعْ ما شئتَ»(2).
إذا لم تخشَ عاقبةَ الليالي
ولم تستحيِ فافعلْ ما تشاءُ
فلا واللهِ ما في العيشِ خيرٌ
ولا الدنيا إذا ذهبَ الحياءُ(3)
ماذا نتوقَّع من أسرة شغل الأب فيها بأسفاره وأطماعه، وشغلت الأمُّ بنزواتها وشهواتها، إلَّا أنْ يكون سائر أفرادها كما قال الشاعر:
إِذا كانَ رَبُّ البَيتِ بِالدُّفِّ ضاربًا
فَشيمَةُ أَهلِ البَيتِ كُلِّهِمُ الرَّقصُ(4)
لو كانت هذه الفتاة المنكوبة وشقيقها يتيمين، لوجدا من النَّاس الطيبين من يكفلهما ويعطف عليهما، ويحوطهما بالرعاية وحسن التربية، ليكون بجوار رسول الله في الجنة. ولكنَّ المشكلة أنَّهما تيتَّما مع وجود الأب والأم، وقدرتهما وغناهما، وهذا هو شر أنواع اليتم. وفيه يقول شوقي(5) 5 :
ليس اليتيمُ مَن انتهى أبواه من
همِّ الحياةِ وخلَّفاهُ ذليلَا
فأفاد بالـدنيا الحكيمةِ منهما
وبحُسْنِ تعليم الزمانِ بديلَا
إنَّ اليتيمَ هو الَّذِي تَلقى له
أُمًّا تَخلَّتْ أو أبًا مشغولَا
من كان يُصَدِّق أنَّ الأخ الشقيق يُفَكِّر في الاستمتاع الجنسيِّ بشقيقته، والمفترض فيه أنَّه هو الَّذِي يحرسها، ويخاف عليها من هبة الريح، ويغار على عرضها وعذريتها، ويهديها إلى زوجها شريفة عفيفة نظيفة، مبرأة من كل عيب، هذا هو شأن المسلم، وشأن العربي، وشأن الإنسان الطبيعي من حيث هو إنسان.
كيف يرضى شاب عربي مسلم أن يسلِّم شقيقته باختياره ورضاه لشابٍّ أجنبيٍّ يزني بها في دارها وداره، ويتكرر ذلك بعلمه ورضاه؛ بل على مرأى ومسمع منه؟ هل ماتت النخوة والغيرة والرجولة في ضميره؟ أمَّا الإيمان والعقيدة والقيم والفضائل، فيبدو أنَّها في وادٍ، وهذه الأسرة في واد.
واأسفاه! لقد قبل هذا الأخ الشقيق التفريط في عرض شقيقته ليهتكه شاب آخر، أو ليتقاسمها معه، كلٌّ يأخذ منها حظَّه، يا للخزي، ويا للعار، كأنَّها قطعة حلوى!
والحمد لله، أنَّ الفتاة لا زال فيها بقيَّة إيمان وضمير، فقد شعرت أنَّ صلتها بأخيها «تصرُّف حيواني بحت»، ولكنَّها عالجت الخطيئة بخطيئة أخرى؛ بل أصبحت فريسة لسَبعَيْن أو شيطانين، بدل شيطان واحد! ولا حول ولا قوة إلَّا بالله!
والحلُّ لمشكلة هذه الفتاة الصغيرة المسكينة في أمرٍ واحدٍ لا بديل له، هو: التوبة إلى الله، وأن تشعر أنَّ ما فعلته أمر نجس، ورجس من عمل الشيطان، لا بدَّ لها أن تتطهَّر منه، وأن تتحرَّر من هذه العلاقة الشريرة بطرفيها: شقيقها، وصديقها كليهما، وأن تصمِّم على ذلك تصميمًا جازمًا، لا تردد فيه ولا رجعة عنه، ولا ينفعها في ذلك الأمر الجلل إلَّا شيئان: قوة إرادتها، واستعانتها بربِّها أن يشدَّ أزرها في محنتها، تدعوه بإخلاص وحرقة أن يخرجها من مأزقها، فهو سبحانه يجيب المضطرَّ إذا دعاه، ويكشف السوء.
ولا يجوز لها أن تطرد أخاها لتستبقي صديقها، فكلاهما شرٌّ، وكلاهما خبيثٌ، وإن كانت العلاقة مع الأخ أخبث وأنجس.
وإذا كان لها في أقاربها خالٌ صالح أو عمٌّ صالح، يحفظ سرَّها، ويُعينها على الخروج من أزمتها، فلتحاول أن تستنير به، وتستفيد برأيه ونصحه.
ويمكنها أن تُهدِّد أخاها ـ إذا لم يرتدع عن هذه العلاقة الخبيثة معها ـ أنَّها ستبلغ أباها بذلك، ولا أحسب أبًا في الدنيا يقرُّ هذه العلاقة النجسة. والأمُّ نفسها ـ على ما بها من عوج وسوء سلوك ـ لا تقبل مثل هذه العلاقة.
وأنصح هذه الفتاة المبتلاة وهي في عمر الزهور: أن تجتهد في التعرُّف على بعض البنات الصالحات، وترتبط بهن، وتندمج معهن، في عمل الخير والدعوة إلى الله، وتغيير الجو الموبوء الَّذِي تعيش فيه، إلى جوٍّ طيبٍ تفوح منه روائح التقوى، وعمل الصالحات، كما أنصحها أن تغري بعض الشباب الصالحين بأخيها لعلَّهم ينقذونه ممَّا تردَّى فيه. ولعلَّ صغر سن الشاب وأخته يساعدهما على التوبة والرجوع إلى الله.
واعتقادي أنَّ الفتاة إذا كانت صادقة في شكواها وعدم رضاها عن نفسها: سيساعدها الله 2 ، وسيجعل لها من عسرها يُسْرًا، وسيجعل لها مخرجًا ممَّا هي فيه، فهو على كلِّ شيءٍ قدير، وهو نعم المولى ونعم النصير.
ونحن ندعو الله ـ جل شأنه ـ لها أن يشرح لها صدرها، وييسِّر لها أمرها، ويحلَّ عقدتها، ويقوي إرادتها، ويصلح من حياتها ما فسد، ويجعل يومها خيرًا من أمسها، وغدها خيرًا من يومها، إنَّه خير مسؤول، وأكرم مأمول.
أمَّا الشيء الَّذِي يحتاج إلى علاج جذريٍّ حقًّا، فهو أمر أسرة الفتاة الَّتي انحلَّت عراها، ففقدت الشعور بالمسؤولية، وانعدمت فيها القدوة بالمرَّة، ولم تعد تصلح محضنا للتربية؛ بل هي لا تفرخ إلَّا الفساد، ولا بدَّ للمجتمع أن يقوم بدوره في تقويم عوج هذه الأسر وإصلاحها، وإعادتها إلى حظيرة أمتها الَّتي شردت منها، وعلى أجهزة التوجيه، ومؤسسات التوعية والتربية والإرشاد: أن تتعاون في ذلك، قبل أن يتفاقم الأمر، ويتسع الخرق على الراقع، وحينئذٍ نتنادى بالخلاص، ولات حين مناص، ولله عاقبة الأمور.
(1) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الجمعة (893)، ومسلم في الإمارة (1829)، عن ابن عمر.
(2) رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3483)، عن أبي مسعود الأنصاري.
(3) ذكره من غير نسبة أبو حيان التوحيدي في البصائر والذخائر (8/181)، تحقيق د. وداد القاضي، نشر دار صادر، بيروت، ط 1، 1408هـ ـ 1988م.
(4) هو سبط ابن التعاويذي قاله في هجاء ابن عروة، كما في ديوانه صـ 247، تحقيق س. مرجليوث، نشر مكتبة المقتطف، مصر، 1903م.
(5) أحمد شوقي الأعمال الشعرية الكاملة (1/183).