2026-06-16
15
مواصفات الحجاب الشرعي
أريد معرفة الحكم الشرعي في كل من النقاب، والجلباب، وما هي مواصفات الحجاب الشرعي؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أحبُّ أن أقول للأخت: هناك أشياء متفق عليها، وأشياء مختلف فيها، ومن الأمور المختلف فيها النقاب للوجه، جمهور الفقهاء يرون أنَّ تغطية الوجه ليست أمرًا واجبًا، بل هذا هو المذهب عند الحنابلة.
والذي أراه أنَّ تغطية الوجه والكفين ليست بواجب، وأنَّ الوجه والكفين داخلان في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾[النور: 31]. فما ظهر منها، كما جاء عن ابن عبَّاس وعائشة وأنس: الوجه والكفان. وأبو حنيفة يرى أيضًا أنَّ القدمين ليسا بعورة، ووافقه المزني من الشافعية، وشيخ الإسلام ابن تيمية من الحنابلة.
فالمتفق عليه بين المذاهب هو تغطية الجسم كله ما عدا الوجه والكفين والقدمين، بحيث تغطي المرأة رأسها، وجيبها ـ وهو فتحة الصدر من القميص ونحوه ـ وتغطي ذراعيها، وأبو يوسف جعل بعض الذراع ممَّا ظهر منها، تظهر الأساور، كنوع من التخفيف عن المرأة.
أمَّا سائر الجسم فيجب أن يغطى بما لا يشفُّ ولا يَصِفُ، ومعنى لا يشفُّ أنَّه لا يجوز للمرأة أن تلبس ملابس شفافة بحيث يظهر لون بشرتها من وراء الملابس، كأنَّها لابسة ملابس من زجاج! هل هذا ستر؟! ﴿يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًۭا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًۭا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ﴾[الأعراف: 26]. يعني: يغطي العورات، لا يكشفها.
وهذا يبيِّن لنا أنَّ فلسفة الإسلام في الزي واللباس تختلف عن فلسفة الغربيين، فاللباس عند الغربيين ليس المقصود منه الستر، بل المقصود منه الزينة، المرأة تلبس ما يجسِّد محاسنها ويبرز مفاتنها للرجال، فتلبس ما يبرز صدرها، ويبرز خصرها، ويبرز أردافها، ويظهر ساقيها وذراعيها، ويظهر شعرها، بل لا تكتفي بشعرها وإنَّما تصبغه، وتصففه بأحدث التصفيفات، وتقصُّه على أحدث القصات، وربَّما تلبس الباروكة، وهذه فلسفة لا نقبلها، ففلسفة الإسلام في اللباس غير هذه الفلسفة.
فلسفة الملبس في الإسلام، جعلت للثياب مقاصد ومهمات: مقصد «الستر» المعبَّر عنه بقوله: ﴿يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ﴾، ومقصد «التجمُّل والزِّينة» المعبَّر عنه بقوله: ﴿وَرِيشًۭا﴾، ومقصد «الوقاية» من الحر والبرد، المعبَّر عنه بقوله:﴿وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ﴾، أي الوقاية.
فأنا أقول: المرأة تلبس ما تشاء، ممَّا يغطي جسدها كله، ممَّا لا يشفُّ ـ كما بيَّنَّا ـ ولا يصف، ومعنى لا يصف أي: لا يكون ضيِّقًا بحيث يصف المفاتن في الجسد، كطريقة الملابس الغربية، ملابس الحضارة الَّتي غزتنا الآن، وأصبح عندنا مصممو أزياء ومصممات، يفصلون للنساء الأشياء الَّتي تبرز مفاتن المرأة، هذا ليس مقبولًا، المرأة ليس مقبولًا منها أن تفتن الآخرين، لماذا؟ حتَّى لا يطمع في المرأة مريض القلب، والله تعالى يقول: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِۦ مَرَضٌۭ﴾ [الأحزاب: 32]. أي: من في قلبه مرض الشهوة والغريزة، فيطمع في المرأة إذا وجد منها ليونة في الكلام، وخضوعًا بالقول.
وقال تعالى:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا﴾[الأحزاب: 59].
والجلابيب جمع جلباب، وهو ثوب واسع كالملاءة تستتر به المرأة.
واضح من تعليل الآية أنَّ هذا الأمر خوف على النساء من أذى الفُسَّاق، ومعابثة المُجَّان، وليس خوفًا منهن ولا فقدانًا للثقة بهن ـ كما يدعي بعضهم ـ فإنَّ المرأة المتبرجة بزينتها وثيابها، أو المتكسرة في مشيتها، أو الطريَّة في حديثها، تغري الرجال بها دائمًا، وتُطمع العابثين فيها، أمَّا من تلتزم الوقار والاستقامة في مشيتها، وفي حديثها، وتتجنب الإثارة في سائر حركات جسمها ووجهها، وتلتزم بالزي الشرعي، بأن تدني عليها من جلبابها، بحيث لا يظهر ساقها، ولا ذراعها، ولا صدرها، وتُعرف بتسترها، ووقارها في مشيتها، كما قال تعالى في وصف ابنة شيخ مدين: ﴿تَمْشِى عَلَى ٱسْتِحْيَآءٍۢ﴾[القصص: 25]. وكما قال:﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾[النور: 31]. وفي تصرفاتها وحركاتها، وفي كلامها:﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِٱلْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ٱلَّذِى فِى قَلْبِهِۦ مَرَضٌۭ﴾، إذا عُرفت بذلك تعرف بأنَّها عفيفة شريفة، فلا تُؤذَى، ولا يمشي خلفها أحد ويصفِّر، أو يقول كذا، أو يعمل كذا.
فالمطلوب ـ إذن ـ من المرأة أن تغطي جسمها كله، ما عدا الوجه والكفَّين، وفي مذهب آخر: والرجلين، وفي مذهب ثالث وشيئًا من الذراعين، هذا قد يمكن التساهل فيه، ما عدا ذلك كله تغطي جسمها بما لا يشفُّ ولا يصف.
ما الَّذِي تتغطى به المرأة؟
تلبس بعد ذلك ما تشاء، قد تلبس جلبابًا، فلا بأس، أو جلبابًا وسروالًا، مثل الباكستانيات والهنديات والأفغانيات، فلا بأس أيضًا، أو قد يكون عباءة، كما تلبس المرأة الخليجية، وتلبس تحت العباءة ما تشاء من ملابس ملونة ومزخرفة، أو تلبس الملاءة، كما كانت النساء يلبسن في مصر، أو تلبس «المَلَس»، كما كنَّ يلبسن في ريف مصر، وفي عصرنا يلبس النساء الآن ما يعرف بـ «التايير»، وهي ملابس من قطعتين، كل هذا جائز، المهم أن يكون هذا ممَّا يغطي الجسم كله، وأن يكون ممَّا لا يشفُّ ولا يصف، وأن لا تتشبه في ثيابها بالرجال، بأن تلبس من الملابس ما هو خاص بالرجال، فإنَّ رسول الله ﷺ لعن الرجل يلبس لِبْسة المرأة، والمرأة تلبس لِبْسة الرجل(1). وأيضًا لعن ﷺ المتشبِّهين من الرجال بالنساء، والمتشبِّهات من النساء بالرجال(2).
الإسلام يريد أن يبقي لكل جنس شخصيته، لا يريد أن يتخنَّث الرجل، ولا أن تسترجل المرأة.
وكذلك ألَّا تتشبَّه أيضًا بغير المسلمات فيما هو من خصائصهن، كأن تلبس ملابس الراهبات أو اليهوديات، هذا هو كل ما يريده الإسلام في زيِّ المرأة المسلمة.
(1) رواه أحمد (8309)، وقال مُخَرِّجوه: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأبو داود في اللباس (4098)، والنسائي في الكبرى في عشرة النساء (9209)، وابن ماجه في النكاح (1903)، وابن حبان في الحظر والإباحة (5751)، والحاكم في اللباس (4/194)، وصحَّحه على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبي، عن أبي هريرة.
(2) رواه البخاري في اللباس (5885)، عن ابن عباس.