تدخُّل الدولة لتحديد أجور العمال

❓ تدخُّل الدولة لتحديد أجور العمال

📅 2026-06-22 👁 217 مشاهدة

نص السؤال:

هل يجوز للدولة في الإسلام أن تتدخل بين العمال وأرباب العمل، فتتولى هي تحديد أجور العمال، وما يتعلق بذلك من استحقاقهم للإجازات، أو للمكافآت، أو المعاش عند انتهاء الخدمة، أو تحديد ساعات العمل وغير ذلك ممَّا تعارف عليه عصرنا، وأصبح معدودًا من حقوق العمال في العالم كله؟
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أودُّ أن أنبِّه هنا على حقيقة شرعيَّة مهمة، قد يغفل عنها كثير من النَّاس، أو يجهلونها من شريعة الإسلام، وهي: أنَّ وظيفة الدولة في الإسلام ليست مقصورة على حماية الأمن الداخلي، والدفاع أمام الغزو الخارجي، وليست مهمتها ـ كما عرف في بعض المذاهب الاقتصادية ـ حماية الَّذين يملكون من الَّذين لا يملكون؛ إنَّما هي مهمة إيجابيَّة شاملة ومرنة في الوقت ذاته؛ بحيث تتسع دائرتها لكل التصرفات والإجراءات، الَّتي من شأنها أن ترفع الظلم، وتقيم العدل بين النَّاس، وتزيل عنهم الضرر والضرار، وأسباب النزاع والصراع، ليحل محله التعاون والإخاء.
ودليلنا على ذلك:
1 ـ أنَّ مسؤولية الدولة ـ الَّتي يمثِّلها الإمام في الإسلام ـ مسؤولية مطلقة غير مقيدة، كما في قوله : «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته، فالإمام راعٍ، وهو مسؤولٌ عن رعيته»(1) الحديث.
وهذا ما جعل عمر بن الخطاب يقول: لو ماتت شاة على شطِّ الفرات ضائعة، لظننتُ أنَّ الله تعالى سائلي عنها يوم القيامة(2). فهذا شعور بالمسؤولية عن الحيوان فكيف بالإنسان؟
2 ـ أنَّ إقامة العدل في حياة النَّاس هدف من أهداف الإسلام الكبرى، به قامت السماوات والأرض، وبه بعث الله الرسل، وأنزل الكتب:﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ[الحديد: 25].
والقسط هو العدل الَّذِي به يتحقَّق التعادل أو التوازن بين الأشياء دون ميل أو جور، أو طغيان من جانب على جانب، ولعلَّ في ذلك الميزان هنا وفي آيات أخرى: ما يشير إلى ضرورة التوازن في الحياة الإنسانيَّة، ولهذا عظَّم الله الميزان فقرنه بالكتاب في آيتين، وقرنه برفع السماء في سورة الرحمٰن حين قال:﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ ٧ أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ ٨ وَأَقِيمُوا۟ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا۟ ٱلْمِيزَانَ[الرحمٰن: 7 ـ 9].
ولا غرو أن يبارك الإسلام إقامة توازن عادل بين أرباب العمل والعاملين، وبين المُلَّاك والمستأجرين، وبين المنتجين والمستهلكين، وبين البائعين والمشترين، وذلك بمنع طغيان بعضهم على بعض، وإزالته إن وقع.
وقد أمر الله تعالى أولي الأمر بواجبين أساسيين: أداء الأمانات والحكم بالعدل:﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ[النساء: 58].
فكل ما يقتضيه إقامة العدل ورفع الظلم من تشريعات وإجراءات، فالشريعة ترحِّب به.
3 ـ أنَّ الشريعة الإسلاميَّة تحرص على منع الضرر والضرار قبل وقوعهما، وإزالتهما بعد الوقوع. وقد جاء في الحديث الشريف: «لا ضررَ ولا ضِرار»(3). وأصبح هذا من القواعد الكليَّة المقطوع بها في الفقه الإسلامي. وفي القرآن الكريم آيات شتى تؤكد هذا المعنى.
وقد رتب الفقهاء على هذه القاعدة فروعًا شتى منها: أنَّ الضرر يُزال، وأنَّ الضرر لا يزال بالضرر، وأنَّ الضرر الخاص يُتحمَّل لدفع الضرر العام، والأدنى يُتحمل لدفع الأعلى، إلخ.
فكل قانون أو تصرُّف يمنع إضرار النَّاس بعضهم لبعض؛ فإنَّ الشريعة تتسع له، وتعتبره مبنيًّا على أصولها وقواعدها، ولهذا لم يعترض أحد من علماء الشرع على قانون كقانون المرور الَّذِي ينظم السير، ويضع بعض القيود على أصحاب السيارات وأمثالهم، لمصلحتهم ومصلحة المجموع، وإيقاع الجزاء على من يخالف ذلك.
وإذا كُنَّا حريصين على منع تصادم السيارات حرصًا على سلامة الأفراد، فأولى أن نحرص على منع تصادم فئات المجتمع بعضها ببعض، حرصًا على سلامة الجماعة كلها.
4 ـ أنَّ السياسة الشرعيَّة في الفقه الإسلامي: باب واسع أمام الدولة المسلمة، تستطيع أن تلج منه لتحقيق ما تراه من إصلاحات مناسبة، أو سَنِّ ما تراه من قوانين صالحة، أو اتخاذ ما تراه من إجراءات وقائية أو علاجية لظاهرة معينة، ما دامت لا تعارض نصًّا محكمًا، ولا قاعدة ثابتة، فكل ما يرى ولي الأمر فعله أقرب إلى الصلاح للرعية، وأبعد عن الفساد؛ فله أن يفعله؛ بل قد يجب عليه، وإن لم يجئ بذلك نصٌّ خاصٌّ، ولهذا قام الصحابة والخلفاء الراشدون بأعمال عديدة، رأوا فيها خيرًا ومصلحة، ولم يفعلها الرسول قبلهم، ولا أذن لهم بفعلها بنصٍّ جزئيٍّ.
وهنا يحسن نقل الحوار الَّذِي سجَّله المحقق ابن القيم، وقد جرى بين العلامة ابن عقيل الحنبلي وبعض الشافعية، ليتبيَّن سعة آفاق السياسة الشرعيَّة الَّتي أشرنا إليها.
وقال ابن عقيل في الفنون: جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعيَّة أنَّه هو الحزم؛ ولا يخلو من القول به إمام.
فقال شافعي: لا سياسة إلَّا ما وافق الشرع.
فقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلًا يكون معه النَّاس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: «إلَّا ما وافق الشرع» أي: لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح.
وإن أردت: لا سياسة إلَّا ما نطق به الشرع فغلط، وتغليط للصحابة؛ فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن. ولو لم يكن إلَّا تحريق عثمان 3 المصاحف، فإنَّه كان رأيًا اعتمدوا فيه على مصلحة الأُمَّة، وتحريق عليٍّ 3 الزنادقة في الأخاديد، فقال:
لمَّا رأيتُ الأمرَ أمرًا منكرًا
أجَّجتُ ناري ودعوتُ قَنْبَرَا
ونفي عمر بن الخطاب 3 لنصر بن حجاج. اهـ.
قال ابن القيم: وهذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك، ومعترك صعب. فرَّط فيه طائفة، فعطَّلوا الحدود، وضيَّعوا الحقوق، وجرَّؤوا أهل الفجور على الفساد. وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها. وسدُّوا على نفوسهم طرقًا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطَّلوها مع علمهم وعلم غيرهم قطعًا: إنَّها حق مطابق للواقع؛ ظنًّا منهم منافاتها لقواعد الشرع.
ولعمر الله، إنَّها لم تنافِ ما جاء به الرسول، وإن نافت ما فهموه هم من شريعته باجتهادهم.
والذي أوجب لهم ذلك: نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر. فلمَّا رأى ولاة الأمور ذلك، وأنَّ النَّاس لا يستقيم لهم أمر، إلَّا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة: أحدثوا من أوضاع سياستهم شرًّا طويلًا، وفسادًا عريضًا. فتفاقم الأمر وتعذَّر استدراكه، وعزَّ على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك، واستنقاذها من تلك المهالك.
وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوَّغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله.
وكلا الطائفتين أُتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه. فإنَّ الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم النَّاس بالقسط، وهو العدل الَّذِي قامت به الأرض والسماوات. فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأيِّ طريقٍ كان فثمَّ شرع الله ودينه.
فلا يُقال: إنَّ السياسة العاطلة مخالفة لما نطق به الشرع؛ بل هي موافقة لما جاء به؛ بل هي جزء من أجزائه. ونحن نُسمِّيها سياسة تبعًا لمصطلحكم، وإنَّما هي عدل الله ورسوله، ظهر بهذه الأمارات والعلامات»(4).
ومن هنا نقول: إنَّ الشريعة الَّتي سبقت مذاهب العالم وأنظمته بوجوب إنصاف العامل وإيفائه حقَّه بمثل قوله : «أعطوا الأجير أجرَه، قبل أن يجفَّ عرقُه»(5). وقوله في الثلاثة الَّذين يخاصمهم الله يوم القيامة: «ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يُعطِه أجره»(6).
هذه الشريعة لا يضيق صدرها بسنِّ تشريعات تضمن للعمال أجورًا عادلة، وتقيم التعامل بينهم وبين أصحاب العمل على أساس مكين، حتَّى لا يبغي قويٌّ على ضعيف، ولا تُستغَلُّ فئة لصالح فئة أخرى، ولا تبقى هناك ثُغرة مفتوحة يتسلل منها أصحاب المذاهب الهدامة للتأثير على العمال، ومحاولة كسبهم إلى صفِّهم، وإيهامهم أنَّهم وحدهم المدافعون عن حقوقهم، الحريصون على مصالحهم.
وهذا الَّذِي نقوله اليوم قد قرَّره المحققون من فقهائنا منذ قرون، فأجازوا لولي الأمر عند الحاجة أن يتدخل بين العمال ومن يستخدمهم في عدَّة صور، ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته عن «الحسبة»، وبيَّن الهدف من هذا التدخل، وهو منع الظلم من فرد لآخر، أو من فريق لغيره، وإلزام الجميع بالعدل الَّذِي أمر الله به.
من ذلك: أن يحتاج النَّاس إلى صناعة طائفة؛ كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك، فلولي الأمر أن يلزمهم ذلك بأجرة مثلهم، فإنَّه لا تتم مصلحة النَّاس إلَّا بذلك(7).
ويعود لذلك شيخ الإسلام 5 بعد قليل فيقول: «والمقصود: أنَّ هذه الأعمال متى لم يقم بها إلَّا شخص واحد، صارت فرض عين عليه. فإذا كان النَّاس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم، صارت هذه الأعمال مستحقة عليهم، ويجبرهم ولي الأمر عليها بعوض المثل، ولا يمكِّنهم من مطالبة النَّاس بزيادة عن عوض المثل، ولا يمكِّن النَّاس من ظلمهم، بأن يعطوهم دون حقهم. ويُعَقِّب على ذلك ابن تيميَّة فيقول: «وهذا من التسعير الواجب، فهذا تسعير في الأعمال»(8).
وأجرة المثل أو عوض المثل، الَّذِي ذكره فقهاؤنا: يُقصد به الأجر العادل الَّذِي يستحقُّه مثله في مقابل عمله، مع مراعاة كل الظروف والعوامل، الَّتي لها علاقة بتحديد قيمة العمل، وتعيين مقدار الأجر المناسب، دون ظلم للعامل، ولا لمن يستعمله.
بل نقول أكثر من هذا: إنَّ فقهاء الإسلام منذ عهد التابعين أجازوا تدخل أولي الأمر لتسعير السلع والأشياء عند الحاجة، مع ما ورد عن النبيِّ من امتناعه عن التسعير في زمنه، وعدم استجابته عندما طلبوا منه ذلك؛ عند غلاء الأسعار.
فقد روى أنس: أنَّ السعر غلا على عهد النبي فقالوا: يا رسولَ الله، سعِّر لنا، فقال: «إنَّ الله هو المُسَعِّر القابض الباسط، وإنِّي لأرجو أن ألقى الله، وليس أحدٌ منكم يطلبُني بمظلمةٍ في دمٍ ولا مال»(9).
والحديث يدلُّ على أنَّ الأصل هو حرية السوق، وتركها للقوانين الطبيعية دون تدخل مفتعل، ولكن إذا تدخَّلت في السوق عوامل غير طبيعية، من جهة المتلاعبين أو المحتكرين أو المستغلِّين لحاجات النَّاس، وكانت مصلحة جمهور النَّاس تقتضي التدخل من السلطة الشرعيَّة بالتسعير أو التحديد أو الإلزام؛ فإنَّ التدخل حينئذٍ يكون من شرع الله.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأمَّا التسعير، فمنه ما هو ظلم محرَّم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمَّن ظلم النَّاس وإكراههم ـ بغير حق ـ على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم ممَّا أباح الله لهم، فهو حرام. وإذا تضمن العدل بين النَّاس، مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم ممَّا يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل، فهو جائز؛ بل واجب!
فأما القسم الأول، فمثل ما روى أنس. وذكر الحديث السابق.
فإذا كان النَّاس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر، إمَّا لقلة الشيء، وإمَّا لكثرة الخلق (إشارة إلى قانون العرض والطلب) فهذا إلى الله، فإلزام النَّاس أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق.
وأمَّا الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة النَّاس إليها؛ إلَّا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلَّا إلزامهم بقيمة المثل. والتسعير ههنا إلزام بالعدل الَّذِي ألزمهم الله به(10).
ثم يعود الشيخ ابن تيمية للموضوع؛ بعد أن ذكر ما مرَّ عن التسعير في الأعمال فيقول:
«وأمَّا التسعير في الأموال، فإذا احتاج النَّاس إلى سلاح للجهاد والآلات، فعلى أربابه أن يبيعوه بعِوَض المِثْل، ولا يُمَكَّنوا من حبسه إلَّا بما يريدونه من الثمن»(11).
قال: «وإنَّما لم يقع التسعير في زمن النبي بالمدينة؛ لأنَّهم لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء، ولا من يبيع طحينًا وخبزًا؛ بل كانوا يشترون الحبَّ ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم. وكان من قَدِم بالحبِّ لا يتلقاه أحد؛ بل يشتريه النَّاس من الجلابين. ولهذا جاء في الحديث: «الجالبُ مرزوق، والمحتكرُ ملعون»(12). وكذلك لم يكن في المدينة حائك (أي نسَّاج) بل كان يقدم عليهم بالثياب من الشام واليمن وغيرهما، فيشترونها ويلبسونها(13).
ويقول شيخ الإسلام:
ومن احتج على منع التسعير مطلقًا، بقول النبي : «إنَّ اللهَ هو المُسَعِّر...» إلخ الحديث. قيل له: هذه قضية معينة، وليست لفظًا عامًّا، وليس فيها أنَّ أحدًا امتنع من بيع ما النَّاس يحتاجون إليه.
ومعلوم أنَّ الشيء إذا قلَّ رغب النَّاس في المزايدة فيه، فإذا بذله صاحبه ـ كما جرت به العادة، ولكن النَّاس تزايدوا فيه ـ فهذا لا يسعَّر عليهم(14).
وفي ختام الحديث عن التسعير وما يتعلَّق به يقول:
«وجماع الأمر: أنَّ مصلحة النَّاس إذا لم تتم إلَّا بالتسعير، سعَّر عليهم تسعير عدْل، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وإذا اندفعت حاجتهم، وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل»(15).
فالمحور الَّذِي تدور حوله الأحكام المتعلقة بالتسعير أو عدمه، هو تحقيق المصلحة للناس، ودفع المفاسد عنهم.
وإذا كان هذا هو الرأي المعتبر في مشروعيَّة تسعير السلع، مع ما ورد فيها من امتناع النبي عن التسعير، وإشارته إلى أنَّ ذلك مظلمة يحبُّ أن يلقى الله بريئًا من تبعتها، فكيف لا يجوز «تحديد الأجور» أو «تسعير الأعمال» على حدِّ تعبير ابن تيمية، مع الحاجة إليه، وتعلُّق المصلحة به، ومع عدم ورود نصٍّ يمنع ذلك؟ والأصل في الأشياء الإباحة، كما أنَّ الأصل في كل ما جاءت به الشريعة هو إقامة مصالح العباد في المعاش والمعاد.
والخلاصة:
أنَّ الشريعة ترحِّب بتدخل الدولة المسلمة لتحديد أجور العمال، إذا اقتضت ذلك الحاجة والمصلحة، وإقامة العدل ورفع الظلم، ومنع أسباب النزاع والصراع، والضرر والضرار، بشرط أن تعتمد في ذلك على أهل الخبرة والديانة، الَّذين يستطيعون تقدير الأجور تقديرًا عادلًا، دون حيف على العمال أو أصحاب الأعمال، أو محاباة لأحد الفريقين، كما يدخل في ذلك جواز تدخل الدولة لتحديد ساعات العمل والإجازات الأسبوعية والسنوية والمرضية ونحوها.
ومثل ذلك ما يتعلق بالمكافآت والمعاشات، ممَّا تقتضيه أوضاع العصر، وتعقد الحياة فيه، وحاجة النَّاس فيه إلى قواعد مضبوطة للتعامل، حيث لم تعد ضمائر النَّاس ـ كما كانت من قبل ـ من الحيوية والنقاء، بحيث تكفي لأداء الأمانات، ورعاية الحقوق، دون تدخل السلطة، وهذا ما جعل فقهاءنا يقرُّون: أنَّ الفتوى تتغيَّر بتغيُّر الأزمان والأمكنة، والأحوال والعوائد، فهذا كله وأمثاله داخل في السياسة الشرعيَّة الرحبة المجال، الواسعة الأبواب كما ذكرنا من قبل، وبالله التوفيق.
← العودة لقسم 2- المعاملات المالية