المساهمة في الشركات العامَّة والخاصة وتطهير الأسهم

❓ المساهمة في الشركات العامَّة والخاصة وتطهير الأسهم

📅 2026-06-22 👁 127 مشاهدة

نص السؤال:

ما قول فضيلتكم في الاشتراك في شركة «كيوتل للاتصالات»، فقد علمتم أنَّها ستعرض أسهمها للبيع، وتصبح شركة خاصَّة، وقد اختلفنا هل يجوز الاشتراك في هذه المؤسسة أو لا يجوز؟ لأنَّها قد تتعامل بالربا، أخذًا أو إعطاءً.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
سُئلتُ هذا السؤال شفهيًّا من الكثيرين، قضية مؤسسة التليفونات (كيوتل)، الَّتي كانت مؤسسة عامة، وستصبح مؤسسة خاصَّة، ويساهم فيها النَّاس بقدر معين.
أنواع الشركات الَّتي يُراد المساهمة فيها:
أنا أقول: الشركات أنواع، هناك شركات يشرع الاشتراك فيها بالإجماع من العلماء في عصرنا، وهي الشركات الَّتي أصل نشاطها حلال، وهي لا تتعامل بالربا، لا أخذًا ولا إعطاءً، لا تودع بفائدة، ولا تستقرض بفائدة، وهذا مثل المصارف الإسلاميَّة، وشركة التأمين الإسلامي، وبعض الشركات الخاصة الَّتي يعلن أصحابها أنَّها تتعامل وفق أحكام الشريعة.
خطأ يقع فيه كثير من الناس:
فهذا النوع من الشركات أو المؤسسات يجوز شراء أسهمها وبيعها بدون شك، بشرط أن يكون ذلك بعد أن تباشر عملها، فهناك خطأ يقع فيه كثير من النَّاس، أنَّهم قبل أن تباشر المؤسسة أو الشركة عملها يبيعون الأسهم، مثلًا في مصرف أبو ظبي الإسلامي، قبل أن يباشر عمله، بدأ النَّاس يبيعون ويشترون في الأسهم، وتضاعف سعر السهم مرات ومرات، السهم الَّذِي بعشرة صار بثمانية وستين، وبعض الأحيان زاد على ذلك، هذا لا يجوز؛ لأنَّه قبل أن تتحوَّل أسهم الشركة إلى أعيان وموجودات ونقود ومنافع، ولا تزال كما هي نقودًا في البنك، فهذه لا يجوز أن تباع إلَّا بسعر الصرف، أي بقاعدة الصرف، أن نبيع السهم الَّذِي ثمنه عشرة بعشرة، والسهم الَّذِي ثمنه مائة بمائة، وهكذا، فهي نقود بنقود، إنَّما إذا صار للشركة موجودات ومنافع، تساوي واحدًا وخمسين في المائة فأكثر، هنا يجوز أن تُباع الأسهم وتُشترى.
المهم أنَّ الاشتراك في الشركات والمؤسسات الَّتي تلتزم بأحكام الشريعة: مباح ومشروع، بلا شك.
وهناك النوع الثاني وهو: المؤسسات الَّتي أصل نشاطها محرَّم، فهذه لا يجوز الاشتراك فيها، لا بالبيع ولا بالشراء ولا بالتداول، مثل: شركة تبيع الخمر أو لحم الخنزير، أو البنوك والمؤسسات الربويَّة، وكذلك شركات التأمين العادية، فمثل هذه الأشياء الَّتي من هذا النوع، نشاطها أصله غير حلال، فهذه لا يجوز شراء أسهمها، ولا الاشتراك فيها.
وهناك النوع الثالث وهو: الشركات الَّتي أصل نشاطها حلال، ولكنَّ الحرمة تأتيها من أنَّه إذا فاض عند هذه الشركة أموال، أودعتها في البنك الربوي وأخذت عليها فائدة، وكذلك لو احتاجت لتتوسع أو لعمل بعض المشروعات تستقرض من البنك الربوي بفوائد، فهي تتعامل بالربا إعطاءً أو أخذًا، وهذه اختلف علماء العصر وفقهاؤه في المساهمة فيها، وأكثر العلماء يمنع الاشتراك في هذا النوع من الشركات.
وعلى هذا كان اختلاف الإخوة الَّذين سألوا هذا السؤال؛ لأنَّ البعض قال: إنَّ شركة «كيوتل» إذا فاض عندها مال تضعه في البنك الربوي، وإذا أرادت أن تتوسَّع تستقرض من البنك الربوي، وأنا ما أظن أنَّ كيوتل تستقرض، لأنَّها والحمد لله تكسب كسبًا جيدًا، وعندها فوائض باستمرار، ولكنَّ مشكلتها الواضحة أنَّها تودع الأموال الفائضة عندها في البنوك، فمن أجل هذا كثيرون يقولون: لا يجوز الاشتراك فيها.
وبعض علماء العصر منهم الشيخ ابن عثيمين 5 ، ومنهم الشيخ ابن منيع، ومنهم الشيخ تقي العثماني، ومنهم الشيخ عبد الستار أبو غدة، ومنهم الشيخ علي القرداغي ـ وأنا منهم ـ يجيزون الاشتراك والمساهمة في الشركات إذا كان أصل نشاطها حلالًا، ويقولون: إذا جاءك ربح الأسهم، فطهِّر الربح بأن تخرج نسبة الحرام من الربح، مثلًا إذا أودعت الشركة مالًا بفائدة، أو استقرضت مالًا بفائدة، فينظر نسبة هذا الاستقراض أو الإيداع من الربح كم يساوي، وتخرج هذه النسبة من أرباحك، ويعرف ذلك من ميزانية الشركة، أو من محاسبيها، أو من أي محاسب يستطيع أن يطَّلع على ميزانية الشركة، ويحسب نسبة الربا إعطاءً أو أخذًا، وإذا لم تعرف النسبة بالضبط فأخرج بالتقريب.
فأنا أرى هذا الرأي، خصوصًا الشركات الَّتي تكون في بلاد المسلمين؛ لأنَّ البنوك الربويَّة هي السائدة للأسف في العالم الإسلامي، ولم نستطع أن نتخلص من الفائدة لظروف شتى، وما زالت البنوك الربويَّة هي البنوك الأكثر عددًا، والأشد قوَّة، والأكثر رأسمالًا، وهي الَّتي تسندها الحكومات، لذلك أصبحت الحاجة للمساهمة في هذه الشركات، الَّتي تتعامل مع البنوك الربويَّة أخذًا أو إعطاءً: أمرًا لا يُستغنى عنه، وإذا حرَّمنا المساهمة فيها، فإنَّنا نحرم جمهور المسلمين المتدينين من الاستفادة من هذه الشركات، الَّتي عندها معظم أموال الدولة.
وهناك اعتبار آخر وهو ألَّا نبعد المتدينين الملتزمين عن هذه الشركات، ونتركها لغير الملتزمين الَّذين لا يهمهم تعاملت بالربا أم لم تتعامل، أودعت بالربا أو لم تودع.
نريد أن ندخل المتدينين الملتزمين مساهمين في هذه الشركات، وإذا كثر هؤلاء فإنَّهم يستطيعون أن يؤثِّروا في سياسة الشركة؛ لأنَّ الَّذِي يرسم سياسة الشركة، مجلس إدارتها، والذي يختار مجلس الإدارة هم المساهمون، فإذا كثر المساهمون الملتزمون بالإسلام وبأحكام الشريعة، سيختارون المجلس الَّذِي يلتزم بأحكام الإسلام، ويستطيع المجلس أن يغيِّر سياسة الشركة ويقول: نضع الأموال في البنوك الإسلاميَّة بدل البنوك الربويَّة.
وهذا حدث في بعض مجالس إدارات الجمعيات التعاونية، اختاروا مجلس الإدارة في بعض الجمعيات من الملتزمين دينيًّا، فغيَّروا في سياسة الجمعية، لتتوافق مع أحكام الشريعة، ولذلك أفتت إحدى ندوات مجموعة شركات البركة ـ وكانت في الجزائر، وكنتُ مشاركًا فيها ـ بإجماع العلماء الَّذين شاركوا فيها: بأنَّ المشاركة في الشركات في الدول الإسلاميَّة، وإن كانت تتعامل بالربا، أمر مشروع، بل مطلوب لمحاولة التأثير فيها، ما دام أصل نشاطها مباحًا.
وقال الشيخ صالح كامل رئيس مجموعة شركات البركة: إنَّه دخل في عشرات من الشركات في البلاد الإسلاميَّة، وأغرى كثيرًا من إخوانه من الملتزمين دينيًّا، وممَّن يتحرون الحلال من أصحاب الأموال والثروات أن يساهموا فيها. يقول: فساهموا، واستطعنا بعد مدة غير طويلة أن نؤثر فيها، وأن نحوِّلها إلى الالتزام بأحكام الشريعة السمحة.
ومن أجل هذا أنا لا أرى مانعًا من الاشتراك في شركة كيوتل، والمساهمة فيها بهذه النية الصالحة الطيبة، والإنسان يؤجر على نيته، حتَّى ولو لم يستطع أن ينفِّذها، إنَّما الأجر على قدر النية، وكما جاء في الحديث الصحيح المُتَّفَق عليه: «إنَّما الأعمال بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى»(1).
شروط جواز المساهمة في الشركات الَّتي تتعامل مع البنوك الربويَّة:
على كل حال من أجل هذا قلنا: إنَّه إذا وجدت هذه الشركات المساهمة، الَّتي تتعامل في نشاط حلال، ولكنَّها تتعامل مع البنوك الربويَّة أخذًا أو إعطاءً: يجوز في هذه الحالة المساهمة فيها للاعتبارات الَّتي ذكرتها، لكن هناك شروط وضعناها لذلك، وهي:
ألَّا تزيد الفوائد الربويَّة فيها عن ثلاثين في المائة.
وأن يطهِّر الأرباح الَّتي يأخذها من الأرباح الربويَّة، حسب الميزانية.
← العودة لقسم 2- المعاملات المالية