الوفاء بعقد البيع

❓ الوفاء بعقد البيع

📅 2026-06-22 👁 107 مشاهدة

نص السؤال:

تاجر عقد صفقة مع تاجر آخر وتم توقيع العقود، ولكن بعد فترة بسيطة تبيَّن أنَّ الأرباح غير مناسبة، ووجد عقدًا آخر أكثر ربحًا، فهل يجوز له أن يلغي العقد الأول؟ لأنَّ المعلوم أنَّ المسلمين عند عقودهم أو عهودهم.
وبارك الله فيكم.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
توقيع العقد في أيِّ صفقة ملزم للطرفين شرعًا، ولا يجوز لأحدهما أن يرجع فيه بإرادته المنفردة، دون رضا الطرف الآخر، فهذا مخالف لما أمر به الله تعالى ورسوله ، وأكَّدته نصوص القرآن والسُّنَّة. قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ[المائدة: 1]، وقال 8 ﴿وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًۭا[الإسراء: 34]، وقال تعالى:﴿وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا۟ ٱلْأَيْمَٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا[النحل: 91].
وحمل القرآن بشدة على الَّذين يتهاونون بالعهود وينقضونها من بعد ميثاقها، في آيات كثيرة، منها:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَٰنِهِمْ ثَمَنًۭا قَلِيلًا أُو۟لَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ[آل عمران: 77].
واعتبر النبي نقض العهد من شعب النفاق وخصال المنافق الأساسية: «أربع من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كان فيه خَصْلة منهن كان فيه خَصْلة من النفاق حتَّى يدعها» وذكر منها: «إذا عاهَدَ غَدَرْ»(1).
وليس من الضروري أن يكون العقد مكتوبًا، فمجرَّد الإيجاب والقبول مشافهة يكفي في إيجاب العقد، ولكن له خيار المجلس على ما نرجِّحه، فلو تبيَّن له عقد آخر، وهما لا يزالان في مجلس العقد، فمن حقه أن يرجع، كما جاء في الحديث الصحيح: «البيِّعانِ بالخيارِ ما لم يتفرَّقا»(2). فقد جعل الحديث فرصة للتراجع لمن تسرَّع في التعاقد دون روية.
ومثل ذلك لو كان مغبونًا غبنًا فاحشًا (أي لا يتغابن النَّاس في مثله، وقد قدَّره بعض الفقهاء بالثلث) فله خيار الغبن كما هو مذهب المالكيَّة والحنابلة وغيرهم. يرفع أمره إلى جهة تحكيم تثبت له خيار الغبن؛ إذا تبيَّن لها ذلك، عملًا بمذهب الحنابلة وغيرهم.
كما أنَّ للمسلم أن يطلب الإقالة من البائع، بمعنى أن يفسخ البيع مختارًا بعد أن تمَّت الصفقة، ويستحب للبائع أن يستجيب له، ويقبل إقالته، لعلَّ الله يقيل عثرته يوم القيامة!
ويستطيع المسلم أن يخرج من ورطة التراجع في العقد بعد إتمامه إذا اشترط لنفسه الخيار أيامًا معدودة، يستطيع فيها أن يرجع في صفقته خلالها، وهذا ما نصح به النبي أحد الصحابة، حين شكا إليه أنَّه كثيرًا ما يُخْدَع في البيع، فقال له: «إذا بايعتَ فقل: لا خِلابة» أي لا خِداع، وهذا في الصحيحين(3)، وفي رواية خارج الصحيحين: «ولي الخيارُ ثلاثةَ أيام»(4)، والمسلمون عند شروطهم.
أمَّا فيما عدا ذلك، فالمسلم يحترم كلمته إذا قالها، وهذه إحدى القيم الَّتي دعا إليها الإسلام، حتَّى يستقر التعامل، وتستقيم حياة الناس. وقد قال الشاعر(5):
ولا أقولُ: (نعم) يومُا، وأُتْبِعُها
بـ(لا) ولو ذهبتْ بالمالِ والولدِ
بل يحرِّم الإسلام أن يبيع المسلم على بيع أخيه، أي يدخل عليه وقد أوشك أن يعقد الصفقة مع الآخر، فيزايد عليه؛ ليختطف الصفقة منه، وفي هذا جاء الحديث الصحيح: «لا يَبِيعُ بعضُكم على بيعِ أخيه»(6).
← العودة لقسم 2- المعاملات المالية