2026-06-22
123
تمويل الأفلام الوقفيَّة التراثيَّة والدينيَّة من فوائد الربا
فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فإنَّ «النجم للإنتاج الفني» شركة متخصصة في إنتاج برامج الأطفال؛ وبخاصة الرسوم المتحركة، وتعتزم الشركة إطلاق مشروع إنتاج أفلام وقفية تراثية ودينية. والسؤال الَّذِي نريد طرحه هو:
بما أنَّ إنتاج هذه الأفلام الوقفية بمستوى فني عالٍ ذو تكلفة عالية، ولا يمكن استرجاع هذه الأموال استثماريًّا «ولدينا تجارب عديدة في هذا المجال»، هل يجوز لنا شرعًا أن نموِّل هذه الأفلام الوقفية من أموال الفوائد الَّتي يريد بعض التجار التخلُّص منها؛ علمًا أنَّنا سنلتزم بالضوابط التالية:
1 ـ لن يُذكر اسم الجهة الَّتي أخذ منها المال في مقدمة الفيلم أو مؤخرته؛ حتَّى لا تنتفع منه.
2 ـ لن يُذكر اسم الشركة المنتجة؛ حتَّى لا تنتفع منه.
3 ـ ملكية الفيلم ستعود إلى مؤسسة وقفية؛ تؤسَّس خصيصًا لهذا الغرض.
4 ـ ستقوم شركتنا بإنتاج الفيلم بالتكلفة المباشرة؛ بدون ربح.
5 ـ سنسعى إلى نشر الفيلم في العالم العربي الإسلامي؛ وبلغات مختلفة في جميع الوسائل الممكنة، من التلفزيونات وأقراص الليزر؛ وذلك كي يتحقق النفع العام لأمة المسلمين من هذه الأفلام.
نرجو من حضرتكم إفادتنا بفتوى خطية ضابطة في هذا المجال؛ كي يتسنَّى لنا العمل بما يرضي الله ورسوله، ويحقِّق أهدافنا في دعم العمل الإعلامي الإسلامي بشتى السبل المتاحة شرعًا، لما للإعلام من أهمية خاصَّة في عالم اليوم.
شكر الله لكم جهودكم وحرصكم ومساعدتكم، ولكم كل الشكر والاحترام، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. تحسين مزيك
المدير التنفيذي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فقد قرأت رسالتكم، واطلعت على أهداف شركتكم النبيلة والمثمرة، وسرَّني ما تقومون به من أعمال فنية لتوجيه أطفالنا، عن طرق الأعمال الدرامية ذات التوجه الإسلامي الوسطي المستنير، الَّتي تغنيهم عن المنتجات المستوردة من الغرب والشرق، والَّتي تحمل في ثناياها سمومًا فكرية دينية، تتسلل إلى عقول أولادنا، وفلذات أكبادنا، فتربك عليهم رؤيتهم، وتشوِّش عليهم عقيدتهم، وتغرس في أنفسهم ضلالات شركية؛ من السحر والخرافة، وانحرافات سلوكية لممارسة العنف، وغير ذلك.
إنَّنا نرحب بقيام هذه المؤسسة، وندعو الله لها بالتوفيق والسداد في مهمتها، وأن يبارك في جهود إدارتها والعاملين بها.
وبالنسبة للسؤال أو الأسئلة الَّتي تفضَّلتم بها حول تمويل «الأفلام» الوقفية التوجيهية والتربويَّة والدينيَّة ذات المستوى الفني الرفيع والتكلفة العالية، إلخ، من أموال الفوائد البنكية، الَّتي يريد بعض التجار والصناعيين التخلص منها، هل يجوز لنا أخذها والانتفاع بها في الأغراض الَّتي سبق شرحها؟
والجواب: إنَّه لا حرج مطلقًا في أخذ هذه الأموال من فوائد البنوك المحرَّمة، والانتفاع بها في هذه الأعمال الخيرة النافعة للأمة.
فإنَّ من المقرر شرعًا: أنَّ المال الحرام لا يجوز إتلافه ولا إلقاؤه في البحر، كما فكَّر قديمًا بعض الصالحين(1)، كما لا يجوز لمن استثمره في الحرام أن ينتفع به لشخصه ولا لأحد من أهله؛ بل مصرفه هو للفقراء وجهات الخير، ومنفعة المسلمين.
ولا شك أنَّ هذه الأعمال الفنية الموجَّهة المدروسة والمخدومة، والَّتي تشرف عليها جهة موثقة مأمونة، تجمع من اللغات والخبرة من ناحية، والديانة والأمانة من ناحية أخرى. يعتبر عملها هذا في خدمة الإسلام، ومصالح المسلمين.
والمال الخبيث أو الحرام إنَّما هو حرام على كاسبيه، حلال لمصارف الخير. والمال لا يخبث لذاته؛ بل يخبث لسبب دخل عليه، من جهة تملُّكه أو تنميته.
وقد صدرت فتوى من مجلس المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمشروعيَّة الاستفادة من المال الحرام لجهات الخير والفقراء(2).
فعلى بركة الله سيروا، والله يسدِّد خطاكم، ويوفقنا وإيَّاكم لما يحب ويرضى.
(1) إحياء علوم الدين (2/131).
(2) جاء في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته التاسعة المنعقدة بمبنى رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في الفترة من يوم السبت 12 رجب عام 1406هـ إلى يوم السبت 29 رجب 1406هـ: كل مال جاء عن طريق الفوائد الربوية هو مال حرام شرعًا، لا يجوز أن ينتفع به المسلم (مودع المال) لنفسه أو لأحد ممَّن يعوله في أي شأن من شؤونه، ويجب أن يصرف في المصالح العامة للمسلمين من مدارس ومستشفيات وغيرها، وليس هذا من باب الصدقة، وإنَّما من باب التطهر من الحرام.