2026-06-22
121
العمل في الشركات الَّتي تودع وتقترض بالفوائد
خوفي من المعصية وحرصي على أن أعيش بالحلال يدفعاني للاستفتاء، فأفتوني، جزاكم الله خيرًا، أنا أعمل بإحدى الشركات الخاصة بوظيفة محاسب، وهذه الشركة تعمل في مجال استيراد السيارات وقطع غيارها، وبيعها وصيانتها أيضًا، وهذا الاستيراد يكون من خلال اعتمادات تفتح بواسطة البنوك، وطبعًا البنك له عمولة، أو ما يسمَّى بالمصروفات البنكية، وهذا لا غبار عليه، لكنَّ المشكلة أنَّ الشركة تقوم بالاقتراض من البنوك بفوائد بنكية، تحسب على صافي القرض، كذلك تقوم الشركة بالبيع بالتقسيط أيضًا، وهذا البيع عليه فائدة أيضًا، بناءً على مدة التقسيط، سنة أو سنتين أو أكثر، وهذا بعلم العميل وموافقته، وقد وصلت قروض الشركة من البنوك ما يوازي سبعين في المائة من قيمة أصولها، ولكنَّها تقوم بسداد أقساط القروض شهريًّا، ونسبة الفائدة على القروض بمعدل سبعة أو ثمانية ونصف في المائة.
والسؤال هو: ما حكم الراتب الَّذِي أتقاضاه من هذه الشركة؟ هل هو حلال أم حرام؟ أم أنَّ الحلال فيه بنسبة كما قال لي البعض؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
جزى الله الأخ خيرًا لتحرِّيه لدينه، وأحبُّ أن أقول للأخ: إنَّ بيع التقسيط لا حرج فيه، إذا باع السيارة نقدًا (كاش) كما يسمَّى باللغة العصرية بثمن معين، بمائة ألف مثلًا، وإذا باعها بالتقسيط يبيعها بمائة وعشرة أو بمائة وخمسة عشر أو كذا، على حسب مدة التقسيط، هذا لا حرج فيه شرعًا على رأي جمهور الفقهاء، وأنا ممَّن يقول بجواز البيع بالتقسيط، حتَّى ولو كانت الشركة تسمِّيه فائدة، والبيع بالتقسيط هو مقابل بيع السلم الَّذِي هو جائز بالإجماع، بيع السلم أن يكون رأس المال موجودًا والسلعة هي المؤجلة، هنا في البيع بالتقسيط العكس، السلعة موجودة والثمن هو المؤجل، كله أو بعضه، فبيع التقسيط لا حرج فيه.
ونشاط الشركة في أصله حلال، إن كان عمل الشركة حرامًا في حدٍّ ذاته لا يجوز العمل فيه، إلَّا في حالة الضرورة، كما لو كان يعمل في شركة تبيع الخمر أو الخنزير، أو تعمل في الملاهي المحرمة، أو في الفوائد البنكية، إنَّما العمل في هذه الشركة ما دام عملها الأصلي شراء السيارات وبيعها، والاستيراد والتصدير والصيانة؛ فالعمل في أساسه حلال.
لكنَّ المشكلة هي أنَّ الشركة تودع أموالها بالفوائد وتقترض بالفوائد، وعلماء العصر مختلفون في هذا، البعض يرى أنَّه لا يجوز العمل في هذه الشركة، ولا يجوز المساهمة فيها، والبعض ـ وأنا منهم ـ يرى أنَّه يجوز أن تساهم فيها وتخرج مقدار ما يصيب الربح من الفوائد، تحسب نسبة الفوائد بالنسبة لرأس المال، وتخرج هذه النسبة، فإذا كانت الأرباح مثلًا خمسة عشر في المائة أو عشرين في المئة، والفوائد الربويَّة تساوي نسبة أربعة في المائة، فتأخذ الستة عشر في المائة من العشرين، وهكذا، ومثل هذا ممكن يقال بالنسبة للأخ الَّذِي يعمل في هذه الشركة، إذا عرف أنَّ الفائدة تساوي كذا من الشركة يخرج من راتبه مبلغًا معيَّنًا، ليطهِّر راتبه من كل أثر للربا.
والأولى أن يبحث عن شركة عملها حلال مائة في المائة، لكنَّ الواقع الحالي ـ للأسف ـ هو كما جاء في الحديث: «يأتي على النَّاس زمانٌ يأكلون فيه الربا». قال: قيل له: النَّاس كلُّهم؟! قال: «من لم يأكله منهم ناله من غُباره»(1). هذا ما نراه في عصرنا، فقد انتشر الربا، وأصبح الإنسان لا يسلم منه، فالأخ إذا وجد شركةً حلالًا زلالًا كلها فبها ونعمت، وإن لم يجد ـ وهذا هو الغالب ـ فيخرج شيئًا من راتبه تطهيرًا لماله ونفسه، وأدعو الله أن يغفر له ويرحمه.
(1) سبق تخريجه صـ 816.