مقدار رواتب العاملين في المؤسسات الخيريَّة

❓ مقدار رواتب العاملين في المؤسسات الخيريَّة

📅 2026-06-22 👁 151 مشاهدة

نص السؤال:

شيخنا الكريم، نحن من العاملين في إحدى المؤسسات الخيريَّة بإمارة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، والَّتي تقوم على تبرُّعات أهل الخير، وتعلمون فضيلتكم ما حدث في دولة الإمارات من ارتفاع رهيب في أسعار السلع الأساسية، وارتفاع الإيجارات، ممَّا اضطرَّ الحكومة الإماراتية أن تزيد الرواتب بالقطاع الحكومي مرتين:
المرة الأولى: كانت الحكومة قد زادت الرواتب بنسبة 30 % في العام الماضي 2007م.
والمرة الثانية: تمت زيادة الرواتب إلى 70 % من أساسي الرواتب في هذا العام 2008م.
أي بما يعادل 100 % تمامًا.
ونحن القطاع الخاصَّ (العمل الخيري) قمنا بطلب زيادة رواتبنا أسوة بما حدث للعاملين بالقطاع الحكومي، ولكنَّ مجلس إدارة مؤسَّستنا رفض هذا الطلب وبرَّر هذا الرفض بأنَّ هذه الأموال خاصَّة بالفقراء والمساكين، ولا يجوز التصرُّف فيها حتَّى على العاملين عليها ـ وهذا كلام صحيح ـ مع العلم بأنَّ إجمالي ما يُصرَف على العاملين عليها لا يقارب نسبة الواحد ونصف في المائة (1.5 %) من جملة إيرادات التبرُّعات، وقد علمنا ـ سيدي الكريم ـ أنَّ بعض العلماء قد أقرُّوا نسبة خمسة في المائة (5 %) لرواتب العاملين عليها من جملة الرواتب.
سيدي الكريم: إنَّ نسبة الواحد ونصف في المائة (1.5 %)، والَّتي تُصرف لرواتب العاملين عليها جعلت متوسط الإجمالي الَّذِي يحصل عليه العاملون في المؤسَّسة يبدأ من الثلاثة آلاف درهم فقط لا غير، مع العلم بأنَّ إيجار السكن الشهري للشقة الصغيرة، والَّتي تتكوَّن من «غرفة واحدة وصالة صغيرة فقط» يتجاوز الثلاثة آلاف درهم، ممَّا اضطرَّ الكثير من العاملين في المؤسَّسة إلى البعد والافتراق عن أولادهم وذويهم، وتسبَّبت هذه الظروف الصعبة في افتراق كثير من الأسر (الأب في بلد، والأم والأولاد في بلد آخر).
وتعلمون فضيلتكم: ما يترتَّب على هذا البعد وهذا الفراق من آثار سيئة، من الناحية الأخلاقية والاجتماعيَّة والنفسية والتربويَّة، على العاملين وذويهم وأولادهم.
سيدي الكريم: التساؤل الَّذِي يطرح نفسه هنا:
هل يجوز لمجلس إدارة مؤسَّسة خيريَّة يفترض أن تكون سببًا في تخفيف الأعباء عن المحتاجين، وحلِّ المشاكل لأصحاب الحاجات: أن يكون في الوقت نفسه سببًا رئيسيًّا في جعل العاملين في المؤسَّسة من المحتاجين وأصحاب الحاجات. كيف يحدث ذلك؟
سيدي الكريم: نودُّ أن تتفضلوا علينا برأي فضيلتكم في هذا الأمر: بمعنى هل يحقُّ لنا شرعًا الآتي:
أولًا: زيادة رواتبنا وبدلات السكن وغيرها، ممَّا يحقِّق درجة الكفاف فقط لا درجة الكفاية للعاملين، طالما أنَّها لا تتعدَّى نسبة الخمسة بالمائة (5 %) من إجمالي ما يتمُّ جمعه من التبرُّعات كنصيب مفروض.
ثانيًا: إذا صحَّ أنَّ بعض العلماء قرَّروا أنَّ نسبة رواتب العاملين عليها من إجمالي ما تمَّ جمعه هي خمسة في المائة (5 %): فهل إذا قرَّر القائمون على اقتطاع نسبة ثلاثة في المائة (3 %) مثلًا لرواتب العاملين عليها، وادِّخار نسبة اثنين في المائة (2 %) المتبقية من الخمسة في المائة (5 %) مثلًا، فهل يجوز وقف هذه النسبة المتبقِّية بعد اقتطاع الرواتب على خدمة العاملين عليها في مسائل بدل السكن، وبدل العلاج، والحوادث والكوارث الإنسانيَّة، خصوصًا إذا كانوا في حاجة إليها، بمعنى أنَّ صافي الرواتب تكون (3 %)، ويتمُّ وقف (2 %) على بدلات السكن والعلاج والكوارث الإنسانيَّة للعاملين عليها؟
العاملون بالمؤسسة الخيريَّة بالشارقة
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فقد قرَّر الشارع الحكيم أجرة «العاملين عليها» من أموال الزكاة نفسها، حتَّى يظلَّ تحصيل الزكاة من أربابها، وتوزيعها على مستحقِّيها: مستمرًّا بانتظام لا يتوقَّف على أمرٍ خارجيٍّ، قد لا يتيسَّر دائمًا.
ولم يقرِّر الشرع ماذا يُعطَى للعاملين، كما لم يقرِّر ماذا يُعطى للأصناف الأخرى. ومذهب الإمام الشافعي: التسوية بين الأصناف بعضها وبعض، يعني: الأصناف الثمانية المذكورة في آية سورة التوبة، الَّتي حدَّدت مصارف الزكاة:﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ[التوبة: 60].
والمذاهب الأخرى لا ترى التسوية، بل يُعطَى كلُّ صنف ما يستحقُّه حسب العدد والحاجة، فقد يغلب صنف في بلد وفي زمن معيَّن، حتَّى قد يستغرق كلَّ حصيلة الزكاة، وقد يغزو بلد ما الأعداء، ويتطلَّب جهاد العدو ومقاومته معظم الحصيلة.
ولو طبَّقنا مذهب الشافعي في صنف «العاملين عليها»، فلهم الثمن من المصارف الثمانية المنصوص عليها أي (12.5 %)، تقسَّم ما بين المصاريف الإدارية كالأثاث، وإجارة المبنى، والآلات، والسيارات المستخدمة، ونحو ذلك، وبين أجرة العاملين.
والمفروض في «العامل على الزكاة»، ومثله العامل في مؤسَّسة خيرية: أن يأخذ من الأجرة ما يحقِّق له «الكفاية التامَّة» على ما يليق بحاله، وحسب مستوى المعيشة في البلد الَّذِي يعيش فيه.
ولا يجوز أن يكون عمله في جمع الزكاة أو تفريقها، أو في أيِّ عمل خيريٍّ: سببًا في حرمانه من حقِّه في العيش الملائم لمثله.
والمفروض في إعطاء الرواتب والأجور في المجتمع المسلم: رعاية أمرين:
الأول: كفاية العامل وخبرته ودُربته، فلا يسوَّى بين حامل البكالوريوس وحامل الثانويَّة، ولا يسوَّى بين النشيط والخامل، أو الذكيِّ والبليد، حسبما تشهد به تقارير الرقابة على العاملين.
فالتسوية بين المختلفين ظلم، كما أنَّ التفرقة بين المتساويين ظلم كذلك. ولذلك كان ، في توزيع الغنائم يعطي الفارس ما لا يعطي الراجل(1) (الماشي).
الثاني: أن تراعى الحاجات الَّتي تختلف ما بين شخص وآخر، فالمتزوِّج غير العزب، وذو الأولاد غير مَن يعيش هو وزوجته فقط.
ولهذا كان النبي يعطي العزب حظًّا، ويعطي الآهل (المتزوج) حظَّين(2)، رعايةً لحاجة كلٍّ منهما.
وعلى هذا نقول: أنَّ تحديد نسبة (1.5 %) من حصيلة الأموال المجموعة للعمل الخيري، ليس عليها دليل من الشرع، ولا من الواقع. ولا سيَّما للمتفرِّغ للعمل الَّذِي لا يمارس معه أيَّ عمل آخر.
وقد يكون ذلك مقبولًا في بلاد تجمع المليارات، كما في أمريكا ونحوها. ولا يوجد هذا عندنا.
والذي ينبغي هنا زيادة هذه النسبة بما يحقِّق كفاية الموظَّف (العامل)، وخصوصًا مع غلاء الأسعار غلاءً فاحشًا، وبشكل ملحوظ، وخصوصًا إيجارات المساكن، ممَّا اضطرَّ الدولة أن تزيد الرواتب مرتين، كما قال السائل.
وإذا كُنَّا حريصين على أن نوصل المال إلى الفقراء أقرب ما يكون إلى الكمال، فإنَّنا يجب أن نحرص على أن نوصل إلى العاملين في مؤسَّساتنا حقوقهم كاملة غير منقوصة، وقد نصَّ كتاب ربِّنا على حقِّ هؤلاء العاملين، فلا يجوز أن نظلمهم ونظلم أسرهم وذرياتهم معهم.
والمؤسَّسات الإسلاميَّة يجب أن تكون مُثُلًا يُحتذى في إقامة القسط، وإعطاء الحقوق إلى أهلها بالمعروف. وهذا هو الظنُّ بها. وبالله التوفيق.
← العودة لقسم 2- المعاملات المالية