2026-06-22
179
ما يجب فعله في مال الغائب
ما حكم مال الغائب؟ فأنا لدي مبلغ من المال لأحد الأصدقاء، جرَّاء تجارةٍ كانت بيننا، وعندما أردتُ أن أردَّ المبلغ إليه لم أستطع الوصول إليه، خصوصًا أنَّه يقيم في بلد آخر، وقد بحثتُ عنه كثيرًا، ولم أوفَّق في العثور عليه، ولا أعرف له أهلًا، ولم أدَعْ صديقًا له إلَّا وسألتُه عنه، ولكن دون جدوى، فقد اختفى، ولا أعرف إن كان على قيد الحياة أم لا، وهذا المبلغ صار له سنتان معي، وهو فوق نصاب الزكاة.
وسؤالي هو: هل يجوز لي أن أقترض من هذا المال؟ وهل يجب إخراج الزكاة عنه؟ وماذا عن الحولين الماضيين إن كان يجب عليَّ إخراج الزكاة؟ وهل يجوز لي تشغيل هذا المال وأعتبر نفسي مضاربًا بنصف الأرباح؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فهذا المال أمانة ودين في عنق السائل، يجب أن يردَّه لصاحبه، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا﴾[النساء: 58]، حتَّى وإن كان المبلغ قليلًا، فعليه أن يبحث عن عنوان هذا الأخ، ليبرئ ذمته بأداء هذا المال لصاحبه، ويؤدي الأمانة لأهلها، ويبذل جهده في ذلك.
وإذا كان عند الأخ السائل أمل في ظهور هذا الغائب إن كان حيًّا، أو معرفة طريق لورثته إن لم يكن على قيد الحياة، فليستثمر هذا المال، ويكون هو مضاربًا، وله حصة المضارب، على عادة المضارِبِين، النصف أو الربع، كما ورد في صحيح البخاري وغيره في قصَّة أصحاب الغار الثلاثة: «وقال الثالث: اللهمَّ إنِّي استأجرتُ أُجَراء، فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد، ترك الَّذِي له وذهب، فثمَّرتُ أجرَه حتَّى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله، أدِّ إليَّ أجري. فقلتُ له: كلُّ ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله، لا تستهزئْ بي. فقلتُ: إنِّي لا أستهزئُ بك. فأخذه كلَّه، فاستاقه، فلم يترك منه شيئًا، اللهمَّ إن كنت فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، فافرُج عنَّا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون»(1).
فيمكن للأخ أن يفعل هذا إذا كان يطمع ويأمل في ظهوره، أو العثور على ورثته؛ لأنَّ من الممكن أن يعطي المال للورثة.
وإذا لم يكن قادرًا على هذا بأي طريقة، بالنشر في الصحف، أو بالوصول إلى الجهات الرسمية في بلده، أو بغيرها من الطرق، ففي هذه الحالة يتصدَّق بهذا المال نيابةً عن صاحبه، وإذا كان فقيرًا يأخذه لنفسه، فإذا ظهر هذا الأخ في وقت من الأوقات، أو ظهر أحد ورثته، يعطيه له.
وليس مطلوبًا من الأخ أن يزكِّي هذا المبلغ؛ لأنَّه ليس ملكًا له، لكن يحفظه لصاحبه، إلى أن ييأس من الوصول إليه، ولا يجوز له أن يقترض منه؛ لأنَّ هذا مال لم يوافق صاحبه على الاقتراض منه، لكن يمكن أن يستثمره وينمِّيه ويكون هو مضاربًا فيه ـ كما قلتُ ـ فإذا وصل إلى درجة اليأس من حصول صاحبه، تصدَّق به عنه، وهذا هو الواجب في هذا المال نيابةً عن صاحبه، ويكون بذلك فعل ما في وسعه، ولا يكلِّف الله نفسًا إلَّا وسعها، والله تعالى يقول: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾[التغابن: 16]. والنبي ﷺ يقول: «وإذا أمرتكم بأمرٍ فأْتوا منه ما استطعتم»(2).
(1) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الإجارة (2272)، ومسلم في الرقاق (2743)، عن ابن عمر.
(2) مُتَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الاعتصام (7288)، ومسلم في الحج (1337)، عن أبي هريرة.