2026-06-22
135
الإسلام السياسي
كثرت في السنوات الأخيرة بعض العبارات الَّتي شاعت على ألسنة وأقلام بعض العلمانيين والمتغربين من اليساريين واليمينيين، أعني من الذين يتبعون الفكر الماركسي الشرقي أو الفكر الليبرالي الغربي.
ومن هذه التعبيرات: تعبير «الإسلام السياسي» ويعنون به الإسلام الَّذي يُعنى بشؤون الأمة الإسلاميَّة وعلاقاتها في الداخل والخارج، والعمل على تحريرها من كل سلطان أجنبي: يتحكَّم في رقابها، ويوجِّه أمورها الماديَّة والأدبية كما يريد، ثم العمل كذلك على تحريرها من رواسب الاستعمار الغربي الثقافية والاجتماعيَّة والتشريعية، لتعود من جديد إلى تحكيم شرع الله تعالى في مختلف جوانب حياتها.
وهم يطلقون هذه الكلمة «الإسلام السياسي» للتنفير من مضمونها، ومن الدعاة الصادقين، الذين يدعون إلى الإسلام الشامل، باعتباره عقيدةً وشريعة، ودينًا ودولة.
فهل هذه التسمية المحدثة «الإسلام السياسي» مقبولة من الناحية الشرعيَّة؟ وهل إدخال السياسة في الإسلام أمر مبتدع من لدن الدعاة المحدثين والمعاصرين؟ أو يعتبر هذا من الدين الثابت بالقرآن والسُّنَّة؟
نرجو أن توضِّحوا لنا هذا الأمر في ضوء الأدلة الشرعيَّة المحكمة، ليهلك من هلك عن بيِّنة، ويحيا من حيَّ عن بيِّنة، وفقكم الله ونفع بكم.
المسلم الغيور
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فجوابًا على سؤال الأخ «المسلم الغيور» حول ما أتحفنا به «عبيد الفكر الغربي» في الآونة الأخيرة، ممَّا أطلقوا عليه اسم «الإسلام السياسي» نقول:
أولًا: هذه التسمية مرفوضة:
وذلك لأنَّها تطبيق لخطة وضعها خصوم الإسلام، تقوم على تجزئة الإسلام وتفتيته بحسب تقسيمات مختلفة، فليس هو إسلامًا واحدًا كما أنزله الله، وكما ندين به نحن المسلمين.
بل هو «إسلامات» متعدِّدة مختلفة؛ كما يحبُّ هؤلاء.
فهو ينقسم أحيانًا بحسب الأقاليم: فهناك الإسلام الآسيوي، والإسلام الإفريقي.
وأحيانًا بحسب العصور: فهناك الإسلام النبوي، والإسلام الراشدي، والإسلام الأموي، والإسلام العباسي، والإسلام العثماني، والإسلام الحديث.
وأحيانًا بحسب الأجناس: فهناك الإسلام العربي، والإسلام الهندي، والإسلام التركي، والإسلام الماليزي، إلخ.
وأحيانًا بحسب المذهب: هناك الإسلام السني، والإسلام الشيعي، وقد يقسمون السني إلى أقسام، والشيعي إلى أقسام أيضًا.
وزادوا على ذلك تقسيمات جديدة: فهناك الإسلام الثوري، والإسلام الرجعي، أو الراديكالي، والكلاسيكي، والإسلام اليميني، والإسلام اليساري، والإسلام المتزمت، والإسلام المنفتح.
وأخيرًا الإسلام السياسي، والإسلام الروحي، والإسلام الزمني، والإسلام اللاهوتي!
ولا ندري ماذا يخترعون لنا من تقسيمات يخبئها ضمير الغد؟!
والحقُّ أنَّ هذه التقسيمات كلَّها مرفوضة في نظر المسلم، فليس هناك إلَّا إسلام واحد لا شريك له، ولا اعتراف بغيره، هو «الإسلام الأول» إسلام القرآن والسُّنَّة.
الإسلام كما فهمه أفضل أجيال الأمة، وخير قرونها، من الصحابة ومن تبعهم بإحسان، ممَّن أثنى الله عليهم ورسوله.
فهذا هو الإسلام الصحيح، قبل أن تشوبه الشوائب، وتلوِّث صفاءه ترَّهات الملل وتطرُّفات النحل، وشطحات الفلسفات، وابتداعات الفرق، وأهواء المجادلين، وانتحالات المبطلين، وتعقيدات المتنطِّعين، وتعسُّفات المتأوِّلين الجاهلين.
ثانيًا: الإسلام لا يكون إلَّا سياسيًّا:
يجب أن أعلنها صريحة مدوية: إنَّ الإسلام الحق ـ كما شرعه الله ـ لا يمكن أن يكون إلَّا سياسيًّا، وإذا جرَّدت الإسلام من السياسة، فقد جعلته دينًا آخر يمكن أن يكون بوذية أو نصرانية، أو غير ذلك، أمَّا أن يكون هو الإسلام فلا.
وذلك لسببين رئيسين:
الأول: إنَّ للإسلام موقفًا واضحًا، وحكمًا صريحًا في كثير من الأمور الَّتي تعتبر من صلب السياسة.
فالإسلام ليس عقيدة لاهوتية، أو شعائر تعبدية فحسب، أعني أنَّه ليس مجرد علاقة بين الإنسان وربه، ولا صلة له بتنظيم الحياة، وتوجيه المجتمع والدولة.
كلَّا، إنَّه عقيدة وعبادة وخلق، وشريعة متكاملة، وبعبارة أخرى: هو منهاج كامل للحياة، بما وضع من مبادئ، وما أصَّل من قواعد، وما سنَّ من تشريعات، وما بيَّن من توجيهات، تتصل بحياة الفرد، وشؤون الأسرة، وأوضاع المجتمع، وأسس الدولة وعلاقات العالم.
ومن قرأ القرآن الكريم والسُّنَّة المطهرة، وكتب الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه، وجد هذا واضحًا كل الوضوح.
حتى قسم العبادات من الفقه ليس بعيدًا عن السياسة، فالمسلمون مجمعون على أنَّ ترك الصلاة، ومنع الزكاة، والمجاهرة بالفطر في رمضان، وإهمال فريضة الحج؛ ممَّا يوجب العقوبة والتعزير، وقد يقتضي القتال إذا تظاهرت عليه فئة ذات شوكة، كما فعل أبو بكر 3 مع مانعي الزكاة(1).
بل قالوا: لو ترك أهل بلدة ما بعض السنن الَّتي هي من شعائر الإسلام؛ مثل الأذان أو ختان الذكور، أو صلاة العيدين، وجب أن يُدعوا إلى ذلك وتُقام عليهم الحجة، فإن أصرّوا وأبوا وجب أن يُقاتلوا، حتَّى يعودوا إلى الجماعة الَّتي شذوا عنها.
إنَّ الإسلام له قواعده وأحكامه وتوجيهاته: في سياسة التعليم، وسياسة الإعلام، وسياسة التشريع، وسياسة الحكم، وسياسة المال، وسياسة السلم، وسياسة الحرب، وكل ما يؤثر في الحياة.
ولا يقبل الإسلام أن يكون صفرًا على الشمال، أو يكون خادمًا لفلسفات أو أيديولوجيات أخرى، بل يأبى إلَّا أن يكون هو السيد والقائد والمتبوع والمخدوم.
بل هو لا يقبل أن تقسم الحياة بينه وبين سيد آخر، يقاسمه التوجيه أو التشريع، ولا يرضى المقولة الَّتي تنسب إلى المسيح 0 : : أعطِ ما لقيصر لقيصر، وما لله لله(2).
فإنَّ فلسفته تقوم على أنَّ قيصر وما لقيصر لله الواحد الأحد، الَّذي له من في السماوات ومن في الأرض، وما في السماوات وما في الأرض: مِلكًا، ومُلكًا.
وفكرة التوحيد في الإسلام تقوم على أنَّ المسلم لا يبغي غير الله ربًّا، ولا يتَّخذ غير الله وليًّا، ولا يبتغي غير الله حكمًا، كما بيَّنت ذلك سورة التوحيد الكبرى، المعروفة باسم «سورة الأنعام».
وعقيدة التوحيد في حقيقتها ما هي إلَّا ثورة لتحقيق الحرية والمساواة والأخوة للبشر، حتَّى لا يتخذ بعض النَّاس بعضًا أربابًا من دون الله، وتبطل عبودية الإنسان للإنسان، ولذا كان الرسول الكريم صلوات الله عليه يختم رسائله إلى ملوك أهل الكتاب؛ بهذه الآية الكريمة من سورة آل عمران: ﴿قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًۭٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 64].
وهذا سر وقوف المشركين وكبراء مكة في وجه الدعوة الإسلاميَّة، من أوَّل يوم، بمجرد رفع راية «لا إلٰه إلَّا الله» فقد كانوا يدركون ماذا وراءها، وماذا تحمل من معاني التغيير للحياة الاجتماعيَّة والسياسيَّة، بجانب التغيير الديني المعلوم بلا ريب.
شخصية المسلم شخصية سياسيَّة:
السبب الثاني: إنَّ شخصية المسلم ـ كما كوَّنها الإسلام، وصنعتها عقيدته وشريعته، وعبادته وتربيته ـ لا يمكن إلَّا أن تكون سياسيَّة، إلَّا إذا ساء فهمها للإسلام، أو ساء تطبيقها له.
فالإسلام يضع في عنق كل مسلم فريضة اسمها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ وقد يعبَّر عنها بعنوان: النصيحة لأئمَّة المسلمين وعامتهم، وهي الَّتي صحَّ في الحديث اعتبارها الدين كله(3)، وقد يعبَّر عنها بالتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وهما من الشروط الأساسية للنجاة من خسر الدُّنيا والآخرة، كما وضَّحت ذلك «سورة العصر».
مقاومة الفساد والظلم أفضل الجهاد:
ويحرِّض الرسول ﷺ المسلم على مقاومة الفساد في الداخل، ويعتبره أفضل من مقاومة الغزو من الخارج، فيقول حين سُئل عن أفضل الجهاد: «أفضلُ الجهاد كلمةُ عدلٍ عند سلطان جائر»(4) وذلك لأنَّ فساد الداخل هو الَّذي يمهِّد السبيل لعدوان الخارج.
ويعتبر الشهادة هنا من أعلى أنواع الشهادة في سبيل الله: «سيِّد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمامٍ جائر، فأمره ونهاه، فقتله»(5).
ويغرس في نفس المسلم رفض الظلم، والتمرد على الظالمين؛ حتَّى إنَّه ليقول في دعاء القنوت المروي عن ابن مسعود، وهو المعمول به في المذهب الحنفي وغيره: «نشكرُك اللهمَّ ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك»(6).
ويرغِّب في القتال لإنقاذ المضطهدين والمستضعفين في الأرض، بأبلغ عبارات الحثِّ والتحريض، فيقول:﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾[النساء: 75].
ويصبُّ جام غضبه، وشديد إنكاره على الذين يقبلون الضيم، ويرضون بالإقامة في أرض يهانون فيها ويظلمون، ولديهم القدرة على الهجرة منها والفرار إلى أرض سواها، فيقول:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ٩٧ إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًۭ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًۭا ٩٨ فَأُو۟لَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًۭا﴾[النساء: 97 ـ 99].
حتَّى هؤلاء العجزة والضعفاء قال القرآن في شأنهم: ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾. فجعل ذلك في مظنة الرجاء من الله تعالى، زجرًا عن الرضا بالذل والظلم؛ ما وجد المسلم إلى رفضه سبيلًا.
وحديث القرآن المتكرر عن المتجبرين في الأرض من أمثال فرعون، وهامان، وقارون وأعوانهم وجنودهم، حديث يملأ قلب المسلم بالنقمة عليهم، والإنكار لسيرتهم، والبغض لطغيانهم، والانتصار ـ فكريًّا وشعوريًّا ـ لضحاياهم من المظلومين والمستضعفين.
تغيير المنكر:
وحديث القرآن والسُّنَّة عن السكوت على المنكر، والوقوف موقف السلب من مقترفيه ـ حكامًا أو محكومين ـ حديث يزلزل كل من كان في قلبه مثقال حبَّة من خردل من إيمان.
يقول القرآن:﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ٧٨ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍۢ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾[المائدة: 78، 79].
ويقول الرسول ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطعْ فبلسانه، فإن لم يستطعْ فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان»(7).
ومن الخطأ الظنُّ بأنَّ المنكر ينحصر في الزنى وشرب الخمر، وما في معناهما.
إنَّ الاستهانة بكرامة الشعب منكر أي منكر، وتزوير الانتخابات منكر أي منكر، والقعود عن الإدلاء بالشهادة في الانتخابات منكر أي منكر؛ لأنَّه كتمان للشهادة، وتوسيد الأمر إلى غير أهله منكر أي منكر، وسرقة المال العام منكر أي منكر، واحتكار السلع الَّتي يحتاج إليها النَّاس لصالح فرد أو فئة منكر أي منكر، واعتقال النَّاس بغير جريمة حكم بها القضاء العادل منكر أي منكر، وتعذيب النَّاس داخل السجون والمعتقلات منكر أي منكر، ودفع الرشوة وقبولها والتوسط فيها منكر أي منكر، وتملق الحكام بالباطل وإحراق البخور بين أيديهم منكر أي منكر، وموالاة أعداء الله وأعداء الأمة من دون المؤمنين منكر أي منكر!
وهكذا نجد دائرة المنكرات تتسع وتتسع؛ لتشمل كثيرًا ممَّا يعده النَّاس في صلب السياسة.
فهل يسع المسلم الشحيح بدينه، الحريص على مرضاة ربه، أن يقف صامتًا؟ أو ينسحب من الميدان هاربًا، أمام هذه المنكرات وغيرها؛ خوفًا أو طمعًا، أو إيثارًا للسلامة؟
إنَّ مثل هذه الروح إن شاعت في الأمة فقد انتهت رسالتها، وحكم عليها بالفناء، لأنَّها غدت أمة أخرى، غير الأمة الَّتي وصفها الله بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ۗ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَٰبِ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110].
ولا عجب أن نسمع هذا النذير النبوي للأمة في هذا الموقف إذ يقول: «إذا رأيتَ أُمَّتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم؛ فقد تُوُدِّع منهم»(8). أي فقدوا أهلية الحياة، وفي بعض الروايات: «وبطن الأرض خيرٌ لهم من ظهرها»(9).
إنَّ المسلم مطالب ـ بمقتضى إيمانه ـ ألَّا يقف موقف المتفرج من المنكر، أيًّا كان نوعه: سياسيًّا كان أو اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا أو ثقافيًّا، بل عليه أن يقاومه ويعمل على تغييره باليد إن استطاع، وإلَّا فباللسان والبيان، فإنْ عجز عن التغيير باللسان انتقل إلى آخر المراحل وأدناها، وهي التغيير بالقلب، وهي الَّتي جعلها الحديث: «أضعف الإيمان»(10).
وإنَّما سمَّاه الرسول ﷺ تغييرًا بالقلب؛ لأنَّه تعبئة نفسيَّة وشعورية ضد المنكر وأهله وحماته، وهذه التعبئة ليست أمرًا سلبيًّا محضًا، كما يُتَوَهَّم، ولو كانت كذلك ما سمَّاها الحديث «تغييرًا».
وهذا التعبئة المستمرة للأنفس والمشاعر والضمائر؛ لا بدَّ لها أن تتنفس يومًا ما، في عملٍ إيجابيٍّ، قد يكون ثورة عارمة، أو انفجارًا لا يُبقي ولا يذر، فإنَّ توالي الضغط لا بدَّ أن يولِّد الانفجار، سنة الله في خلقه.
وإذا كان هذا الحديث سمَّى هذا الموقف «تغييرًا بالقلب»؛ فإنَّ حديثًا نبويًّا آخر سمَّاه «جهاد القلب» وهي آخر درجات الجهاد، كما أنَّها آخر درجات الإيمان وأضعفها، فقد روى مسلم عن ابن مسعود مرفوعًا: «ما من نبيٍّ بعثه الله في أُمَّة قبلي؛ إلَّا كان له من أُمَّته حواريُّون وأصحاب: يأخذون بسُنَّته، ويقتدون بأمره، ثم إنَّها تخلف من بعدهم خُلُوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبَّة خردل»(11).
وقد يعجز الفرد وحده عن مقاومة المنكر؛ وخصوصًا إذا انتشر شراره، واشتد أواره، وقوي فاعلوه، أو كان المنكر من قبل الأمراء الذين يفترض فيهم أن يكونوا هم أوَّل المحاربين له، لا أصحابه وحراسه، وهنا يكون الأمر كما قال المثل: «حاميها حراميها»، أو كما قال الشاعر:
وراعي الشاةِ يحمي الذئبَ عنها
فكيف إذا الرعاةُ لها ذئابُ(12)؟!
وهنا يكون التعاون على تغيير المنكر واجبًا لا ريب فيه؛ لأنَّه تعاون على البرِّ والتقوى، ويكون العمل الجماعي عن طريق الجمعيات أو الأحزاب، وغيرها من القنوات المتاحة، فريضة أوجبها الدين، كما أنَّه ضرورة يحتِّمها الواقع.
بين الحق والواجب:
إنَّ ما يُعتبر في الفلسفات والأنظمة المعاصرة «حقًّا» للإنسان في التعبير والنقد والمعارضة، يرقى به الإسلام ليجعله فريضة مقدسة يبوء بالإثم، ويستحق عقاب الله إذا فرَّط فيها.
وفرق كبير بين «الحق» الَّذي يدخل في دائرة «الإباحة»، أو «التخيير» الَّذي يكون الإنسان في حلٍّ من تركه إن شاء، وبين «الواجب» أو «الفرض» الَّذي لا خيار للمكلف في تركه أو إغفاله؛ بغير عذر يقبله الشرع.
وممَّا يجعل المسلم سياسيًّا دائمًا: أنَّه مطالب بمقتضى إيمانه ألَّا يعيش لنفسه وحدها، دون اهتمام بمشكلات الآخرين وهمومهم، وخصوصًا المؤمنين منهم، بحكم أخوة الإيمان:﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌۭ﴾[الحجرات: 10].
وفي الحديث: «من لم يهتمَّ بأمر المسلمين، فليس منهم، ومن لم يصبح ناصحًا لله ولرسوله ولأئمَّة المسلمين وعامَّتهم، فليس منهم»(13)، «وأيُّما أهلِ عَرْصَةٍ بات فيهم امرؤٌ جائع؛ فقد برئت منهم ذِمَّةُ الله وذمَّة رسوله»(14).
والقرآن كما يفرض على المسلم أن يطعم المسكين، يفرض عليه أن يحضَّ الآخرين على إطعامه.. ولا يكون كأهل الجاهليَّة الذين ذمَّهم القرآن بقوله: ﴿كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ ١٧ وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾[الفجر: 17، 18]. ويجعل القرآن التفريط في هذا الأمر من دلائل التكذيب بالدين:﴿أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ ١ فَذَٰلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ ٢ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾[الماعون: 1 ـ 3].
ويقرنه القرآن الكريم مع الكفر بالله تعالى في استحقاق العذاب الأليم في الآخرة:﴿إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ ٣٣ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾[الحاقة: 33، 34].
وهذا في المجتمعات الرأسماليَّة والإقطاعيَّة والمضيِّعة لحقوق المساكين والضعفاء: تحريض على الثورة، وحضٌّ على الوقوف مع الفقراء في مواجهة الأغنياء.
وكما أنَّ المسلم مطالب بمقاومة الظلم الاجتماعي، فهو مطالب أيضًا بمحاربة الظلم السياسي، وكل ظلم أيًّا كان اسمه ونوعه.
والسكوت عن الظلم والتهاون فيه، يوجب العذاب على الأمة كلها: الظالم والساكت عنه كما قال تعالى:﴿وَٱتَّقُواْ فِتْنَةًۭ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةًۭ﴾[الأنفال: 25].
وقد ذمَّ القرآن الأقوام الذين أطاعوا الجبابرة الطغاة وساروا في ركابهم كقوله عن قوم نوح:﴿وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارًۭا﴾[نوح: 21].
وعن قوم هود:﴿وَٱتَّبَعُوٓاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍۢ﴾[هود: 59].
وعن قوم فرعون:﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًۭا فَٰسِقِينَ﴾[الزخرف: 54].
بل جعل القرآن مجرَّد الركون والميل النفسي إلى الظالمين موجبًا لعذاب الله:﴿وَلَا تَرْكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾[هود: 113].
ويحمِّل الإسلام كلَّ مسلمٍ مسؤولية سياسيَّة: أن يعيش في دولة يقودها إمام مسلم، يحكم بكتاب الله، ويبايعه النَّاس على ذلك، وإلَّا التحق بأهل الجاهليَّة، ففي الحديث الصحيح: «ومن مات وليس في عنقه بيعةٌ لإمامٍ مات ميتة جاهليَّة»(15).
الصلاة والسياسة:
ثم إنَّ المسلم قد يكون في قلب الصلاة، ومع هذا يخوض في بحر السياسة؛ حين يتلو من كتاب الله الكريم آيات تتعلق بأمور تدخل في صُلب ما يسمِّيه النَّاس «سياسة»!
فمن يقرأ في سورة المائدة: الآيات الَّتي تأمر بالحكم بما أنزل الله، وتدمغ من لم يحكم بما أنزل الله سبحانه بالكفر والظلم والفسوق: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]. ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [المائدة: 45]. ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]. يكون قد دخل في السياسة، وربَّما اعتبر من المعارضة المتطرِّفة؛ لأنَّه بتلاوة هذه الآيات يوجِّه الاتهام إلى النظام الحاكم، ويحرِّض عليه؛ لأنَّه موصوف بالكفر أو الظلم أو الفسق أو بها كلها.
ومثل ذلك من يقرأ الآيات الَّتي تُحذِّر من موالاة غير المؤمنين:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًا﴾[النساء: 144].
﴿لَا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَىٰةًۭ ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾[آل عمران: 28].
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِٱلْمَوَدَّةِ﴾[الممتحنة: 1].
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةًۭ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًۭا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَٰهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾[آل عمران: 118].
وكذلك من قنت «قنوت النوازل» المقرَّر في الفقه، وهو الدعاء الَّذي يُدعَى به في الصلوات، بعد الرفع من الركعة الأخيرة، وخصوصًا في الصلاة الجهرية، وهو مشروع عندما تنزل بالمسلمين نازلة، كغزو عدو، أو وقوع زلزال، أو فيضان، أو مجاعة عامة، أو نحو ذلك.
ولا زلت أذكر كيف وظَّف الإمام الشهيد حسن البنا هذا الحكم الشرعي في تعبئة الشعب المصري ضد الإنجليز، حين كتب في صحيفة «الإخوان المسلمون» اليومية يُطالب المسلمين أن يقنتوا في صلواتهم ضدَّ الإنجليز المحتلِّين، واقترح لذلك صيغة يُدعى بمثلها، ولم يلزم أحدًا بها، ولكنَّا حفظناها، وكنَّا نقنت بها في صلاتنا.. ومن هذا القنوت: «اللهم رب العالمين، وأمان الخائفين، ومذل المتكبرين، وقاصم الجبارين.. اللهمَّ إنَّك تعلم أنَّ هؤلاء الغاصبين من الإنجليز قد احتلوا أرضنا، وغصبوا حقَّنا، وطغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، اللهمَّ رُدَّ عنَّا كيدهم، وفُلَّ حدَّهم، وأزل دولتهم، وأذهبْ عن أرضك سلطانهم، ولا تَدَع لهم سبيلًا على أحدٍ من عبادك المؤمنين، اللهمَّ خُذْهم ومن ناصرهم، أو عاونهم أو وادَّهم، أخذَ عزيزٍ مقتدِر».
وهكذا كُنَّا ندخل في معترك السياسة، ونخوض غماره، ونحن في محراب الصلاة متبتِّلون خاشعون.. فهذه هي طبيعة الإسلام، لا ينعزل فيه دِين عن دنيا، ولا تنفصل فيه دنيا عن دِين، ولا يعرف قرآنه ولا سُنَّته ولا تاريخه دينًا بلا دولة، ولا دولةً بلا دِين.
دعوى أنْ لا دين في السياسة ولا سياسة في الدِّين:
والذين زعموا أنَّ الدين لا علاقة له بالسياسة من قبل، والذين اخترعوا أكذوبة «لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين» من بعد، هم أوَّل من كذَّبوها بأقوالهم وأفعالهم.
فطالما لجأ هؤلاء إلى الدين؛ ليتخذوا منه أداةً في خدمة سياستهم، والتنكيل بخصومهم، وطالما استخدموا بعض الضعفاء والمهازيل من المنسوبين إلى علم الدين، ليستصدروا منهم فتاوى ضدَّ من يعارض سياستهم الباطلة دينًا، والعاطلة دنيا.
لا زلت أذكر كيف صدرت الفتاوى ونحن في معتقل الطور سنة 1948م، 1949م بأنَّنا ـ نحن الدعاة إلى تحكيم القرآن وتطبيق الإسلام ـ نحارب الله ورسوله، ونسعى في الأرض فسادًا؛ فحقنا أن نُقتل أو نُصلب، أو تُقطع أيدينا وأرجلنا من خلاف، أو نُنفى من الأرض!
وتكرَّر هذا في أكثر من عهد.. تتكرَّر المسرحية وإن تغيَّرت الوجوه!
ولا زلت أذكر ـ ويذكر النَّاس ـ كيف طُلب من أهل الفتوى: أن يصدروا فتواهم بمشروعية الصلح مع إسرائيل، تأييدًا لسياستهم الانهزامية، بعد أن أُصدرت الفتوى من قبل: بتحريم الصلح معها، واعتبار ذلك خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين!
ولا زال الحكام يلجؤون إلى علماء الدين، ليفرضوا عليهم فتاوى تخدم أغراضهم السياسيَّة، وآخرها محاولات تحليل فوائد البنوك وشهادات الاستثمار، فيستجيب لهم كل رخو العود ـ ممَّن قلَّ فقههم أو قلَّ دينهم ـ ويأبى عليهم العلماء الراسخون:
﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُۥ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَ﴾[الأحزاب: 39].
هل السياسة أمر منكر؟
السياسة من الناحية النظريَّة علم له أهمِّيته ومنزلته، وهي من الناحية العمليَّة مهنة لها شرفها ونفعها؛ لأنَّها تتعلَّق بتدبير أمر الخَلق على أحسن وجه ممكن.
نقل الإمام ابن القيم، عن الإمام أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي: أنَّ السياسة هي الفعل الَّذي يكون النَّاس معه أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد؛ ما دامت لا تُخالف الشرع.
وذكر ابن القيم: أنَّ السياسة العادلة لا تكون مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسمِّيها سياسة تبعًا لمصطلحكم، وإنَّما هي عدل الله ورسوله(16).
وقد نوَّه علماؤنا السابقون بقيمة السياسة وفضلها؛ حتَّى قال الإمام الغزالي: «إنَّ الدُّنيا مزرعة الآخرة، ولا يتم الدين إلَّا بالدنيا، والملك والدين توءمان، فالدين أصل، والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع»(17).
وقد عرَّفوا الإمامة أو الخلافة بأنَّها: نيابة عامَّة عن صاحب الشرع ـ وهو رسول الله ﷺ ـ في «حراسة» الدِّين، و«سياسة» الدُّنيا به(18)، فالخلافة: حراسة، وسياسة.
وقد كان النبي ﷺ سياسيًّا، بجوار كونه مبلِّغًا ومعلِّمًا وقاضيًا، وكان خلفاؤه الراشدون المهديون من بعده سياسيين على نهجه وطريقته؛ حيث ساسوا الأمة بالعدل والإحسان، وقادوها بالعلم والإيمان.
ولكنَّ النَّاس في عصرنا وفي أقطارنا خاصَّة من كثرة ما عانوا من السياسة وأهلها، سواء كانت سياسة الاستعمار، أم سياسة الحكام الخونة، أو الحكام الظلمة، كرهوا السياسة، وكل ما يتعلق بها، وخصوصًا بعدما أصبحت فلسفة ميكافيلي هي المسيطرة على السياسة والموجِّهة لها، حتَّى حكوا عن الشيخ محمد عبده أنَّه قال ـ بعدما ذاق من مكر السياسة وألاعيبها ما ذاق ـ قال كلمته الشهيرة: أعوذ بالله من السياسة، ومن ساس ويسوس، وسائس ومسوس!
ومن ثَمَّ استغل خصوم الفكر الإسلامي، والحركة الإسلاميَّة بُغض النَّاس للسياسة، وضيقهم بها، ونفورهم منها، ليصفوا الإسلام الشامل المتكامل الَّذي يدعو إليه الإسلاميون اليوم بأنَّه «الإسلام السياسي».
ولقد أصبح من المألوف الآن وصف كل ما يتميز به المسلم الملتزم عن المسلم المتسيِّب بأنَّه «سياسي»! ويكفي هذا ذمًّا له وتنفيرًا منه.
ذهب بعض الفتيات المسلمات المحجبات في بلد من بلاد المغرب العربي إلى شخصية لها منصب ديني وسياسي، يشكون إليه أنَّ بعض الكليات تشترط عليهن لكي يقبلن فيها: أن يخلعن الحجاب! وهن يستشفعن به في إعفائهن من هذا الشرط، الَّذي يفرض عليهن كشف الرأس ولبس القصير، وهو ما حرَّم الله ورسوله، وما كان أشد دهشة هؤلاء الطالبات الملتزمات؛ حين قال لهن هذا الرجل المشفَّع: إنَّ هذا الَّذي ترتدينه ليس مجرَّد حجاب، إنَّه زيٌّ سياسي!
وقبله قال العلماني الأكبر في تونس: إنَّه زيٌّ طائفي!
وقال آخر عن صلاة العيد في الخلاء: إنَّها ليست سنة، إنَّما هي صلاة سياسيَّة!
والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان اعتكاف سياسي!
ولا تستبعد أن يأتي وقت تكون فيه صلاة الجماعة في المسجد صلاة سياسيَّة!
وقراءة الغزوات في كتاب مثل «سيرة ابن هشام» أو «إمتاع الأسماع» أو المغازي من صحيح البخاري قراءة سياسيَّة.
وقد تصبح قراءة القرآن الكريم نفسه ـ وخصوصًا سورًا معينة منه ـ تلاوة سياسيَّة.
ولم ننسَ عهدًا كان من الأدلة الَّتي تقدَّم ضدَّ المتهمين فيه حفظ سورة الأنفال؛ لأنَّها سورة جهاد!
(1) وقال مقولته الشهيرة التي سار بها الركب حين قال: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه». متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة (7284)، ومسلم في الإيمان (20).
(2) إنجيل لوقا (20/25)، ومتَّى (22/21).
(3) رواه مسلم في الإيمان (55)، وأحمد (16940)، عن تميم الداري.
(4) رواه أبو داود في الملاحم (4344)، والترمذي في الفتن (2174)، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه. وابن ماجه في الفتن (4011)، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (491)، عن أبي سعيد الخدري.
(5) رواه الحاكم في معرفة الصحابة (3/195)، وصحَّح إسناده، وقال الذهبي: الصفار لا يدرى من هو. وصحَّحه الألباني في الصحيحة (374).
(6) رواه عبد الرزاق (4968)، وابن أبي شيبة (7100)، والبيهقي (2/210)، ثلاثتهم في الصلاة، وصحَّحه الألباني في الإرواء (425)، عن عمر موقوفًا.
(7) رواه مسلم في الإيمان (49)، وأحمد (11460)، عن أبي سعيد الخدري.
(8) رواه أحمد (6784)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف لانقطاعه. والحاكم في الأحكام (4/96) وصحَّح إسناده، ووافقه الذهبي. والبزار (2375)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (12110): رواه أحمد والبزار بإسنادين، ورجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح، وكذلك رجال أحمد. عن عبد الله بن عمرو.
(9) يشير إلى حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم فبطن الأرض خير لكم من ظهرها». رواه الترمذي في الفتن (2266) وقال: حديث غريب لا نعرفه إلَّا من حديث صالح المري، وصالح المري في حديثه غرائب ينفرد بها لا يتابع عليها، وهو رجل صالح. وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (393).
(10) سبق تخريجه قريبًا.
(11) رواه مسلم في الإيمان (50).
(12) ذكره الدميري ولم ينسبه في حياة الحيوان الكبرى (1/504)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 1424هـ.
(13) رواه الطبراني في الصغير (907)، والأوسط (7473)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (294): فيه عبد الله بن أبي جعفر الرازي، ضعفه محمد بن حميد، ووثقه أبو حاتم وأبو زرعة وابن حبان. عن حذيفة بن اليمان.
(14) رواه أحمد (4880)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. وأبو يعلى (5746)، والحاكم في البيوع (2/11) وذكره ضمن عدة أحاديث، وقال: هذه الأحاديث الستة طلبتها وخرجتها في موضعها من هذا الكتاب احتسابًا لما فيه الناس من الضيق والله يكشفها وإن لم يكن من شرط هذا الكتاب. وقال الذهبي: عمرو بن الحصين العقيلي تركوه، وأصبع بن زيد الجهني فيه لين. عن ابن عمر.
(15) رواه مسلم في الإمارة (1851)، عن عبد الله بن عمر.
(16) انظر: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم (1/31، 32)، تحقيق نايف بن أحمد الحمد، نشر دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ط 1، 1428هـ.
(17) انظر: إحياء علوم الدين (1/17).
(18) انظر: النظريات السياسية الإسلامية للدكتور ضياء الدين الريس صـ 125، نشر دار التراث، القاهرة، ط 6، 1976م.