2026-06-22
127
انتخاب الأصلح واجب شرعي
بحكم أنَّ لي كثيرًا من الصلات والعلاقات الجيِّدة مع كثيرين من قرابة أو جيرة، أو زمالة أو صداقة، أو مصالح مشتركة.. أو نحو ذلك، يتَّصل بي بعض النَّاس أحيانًا لكي أقوم بالتصويت لهم في انتخابات مجالس الإدارة، أو الجمعيات التعاونية، أو بعض الشركات، أو البنوك أو المؤسسات، حيث يحرجونني بحكم الصلة أو المصلحة أو الصداقة، فيلحُّ عليَّ بانتخابه، أو انتخاب من يرغب في فوزه، وأحيانًا يطلبون مني توكيلًا ليتولوا هم ذلك نيابة عنِّي، وكثيرًا ما نسمع عن تجاوزات واتفاقات تحدث نتيجة التحالفات وتبادل المصالح في مثل هذه الانتخابات، علمًا بأنَّنا في قرارة أنفسنا نرغب في اختيار الأصلح والأنفع، والأكثر خبرة أو تقوى لله عز وجل، بغضِّ النظر عن الصداقة أو القرابة أو الزمالة، ما العمل حيال هذا الوضع الَّذي أصبح يتكرر كثيرًا في حياتنا، ولا نستطيع أن نردَّ بعض من يطلب منَّا؛ حتَّى لا تتعرض علاقتنا بهم للضعف أو التأثر السلبي؟ وما مدى المسؤولية الملقاة على عاتقنا نتيجة اختيار غير الكفء أو غير الصالح؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
المسؤولية عليكم كبيرة من غير شك، فالمسلم مطالب بأن يختار الأصلح الأنفع، والقوي الأمين، كما قال الله تعالى على لسان ابنة شيخ مدين: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَـْٔجَرْتَ ٱلْقَوِىُّ ٱلْأَمِينُ﴾[القصص: 26]. ومعنى القوي أي: القادر على فعل ما وُكِّلَ به من أعمال، يتطلبها منصبه الَّذي اختير له، أو انتخب له، وأن تكون عنده كفاية وخبرة وممارسة، وعنده شهادات ومؤهلات تؤهله له، وأن تكون عنده القدرة العقلية والنفسيَّة والخُلُقية لأداء مثل هذا العمل، هذا معنى القوي.
ومعنى الأمين أن تكون عنده أمانة وأخلاق، يخشى الله 8 في عمله، لا يكون سارقًا، ولا مؤيدًا لمن يسرقون، ولا ساكتًا عنهم، فهذا هو القوي الأمين.
وأحيانًا يعبِّر القرآن عن ذلك بالحفيظ العليم، كما قال سيدنا يوسف: ﴿ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ ۖ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌۭ﴾[يوسف: 55]. حفيظ أي: أَحْفَظ الأشياء، مؤتمن عليها، لا أضيِّعها، ولا أفرِّط فيها، وعليم أي: قوي، خبير بها، مطَّلع عليها.
فالإنسان إذا أراد أن ينتخِب لا بدَّ أن يختار القوي الأمين، الحفيظ العليم، حتَّى يقوم بدوره في أداء واجبه ورعاية مسؤولياته.
والانتخاب شهادة، فالإنسان المنتخِب يشهد أنَّ من انتخبه هو أصلح المرشحين أو المتقدمين لشغل هذا المنصب، فلا يجوز له أن يشهد زورًا بانتخاب الأقل كفاءة، فهو إذا انتخب شخصًا وهو يرى أنَّه غير صالح، وأنَّ غيره أصلح منه، وأنفع منه، وأخبر منه، وأقوى منه؛ فقد شهد زورًا، وخان الأمانة، وأنت حينما تنتخب شخصًا فأنت توليه ولاية، فإن لم يكن أهلًا لتلك الولاية، فأنت خائن لله ولرسوله وللمؤمنين. والنبي ﷺ قال: «إذا ضُيِّعت الأمانةُ فانتظر الساعة». قيل: كيف إضاعتها يا رسولَ الله؟ قال: «إذا أُسند الأمرُ إلى غيرِ أهله فانتظرِ الساعة»(1).
فلا بدَّ أن يختار المسلم من هو أهل للمسؤولية، والانتخابات ـ كما قلت ـ شهادة، والله تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِ﴾[الطلاق: 2]. اجعلْ اختيارك لله، لا لأنَّ هذا جارك، أو لأنَّه قريبك، أو لأنَّه صاحبك، أو لأنَّه صديقك.
ولو أنَّ كل النَّاس فرَّطوا في هذا الواجب، وانتخبوا على أساس القبيلة أو القرابة، أو المصلحة أو الجيرة، فمعنى هذا أن يختار في المجالس النيابية غير الأصلح، وفي المجالس البلدية غير الأكفأ، وفي مجالس الإدارات في البنوك والوزارات والمؤسسات يُختار غير الأجدر، وفي مجالس الجمعيات التعاونية يُختار غير الأقدر، يختار الإنسان الضعيف الَّذي لا يستطيع أن يعمل شيئًا، أو الإنسان الَّذي لا دين له، فلعله يسرق أو يختلس أو يرتشي، وحينئذٍ ننتظر ساعة الأمة كما ورد في الحديث: «إذا وُسِّد الأمر إلى غيرِ أهله فانتظر الساعة». فهناك الساعة العامة، وهناك الساعة الخاصة، كل أمة لها ساعة.. لها ساعة تهلك فيها، وتضيع فيها؛ ويغلب شرارُها خيارَها، وينهار اقتصادها، وتتبدل سياستها، وتنهار الأخلاق فيها، فتضيع الأمة.
ولذلك فالانتخاب مسؤولية كبيرة، ويجب أن يتمسَّك النَّاس بحقِّهم فيه، من غير أن يطلب أحد منهم ذلك، اذهب أنت وانتخب من تراه صالحًا، اذهب أنت بنفسك، اتعب قليلًا، ولا توكِّل غيرك، وإذا وكَّلك بعض النَّاس فاختر الصالح، ولا تجامل، ولا تخشَ في الله لومة لائم، فالله تعالى يقول: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]. حتَّى على أبيك وعلى أخيك، وعلى نفسك. وقال تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُواْ ۚ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8]. لو وجدت واحدًا بينك وبينه خصومة أو كنت لا تحبه، ولكنَّه أصلح لهذا المنصب من غيره؛ انتخبه لله 8 ، ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِ﴾، هذا هو الواجب الَّذي يضيِّعه كثيرٌ من الناس.
(1) رواه البخاري في الرقاق (6496)، عن أبي هريرة.