2026-06-22
157
الإسلام يحافظ على حياة الأفراد
ندعو الله عز وجلأن تصلكم رسالتنا هذه وأنتم بأتم الصحة والعافية، أكتب لحضرتكم بخصوص الموقف الشرعي من موضوع الألغام المضادَّة للأفراد، حيث تجري حاليًّا حملات إعلامية على المستوى الدولي لإقناع الحكومات والدول المصنِّعة لهذه الأسلحة إيقاف تصنيعها وتخزينها وتبادلها، حيث إنَّ الغالبية العظمى من المتضرِّرين من هذه الألغام هم من المدنيين، وبالأخص بعد انتهاء فترة الحرب، ونظرًا للأضرار الَّتي تسبِّبها للأفراد والشيوخ والأطفال، والعمال والفلاحين، فأعتقد ـ والله أعلم ـ أنَّ هذا الموضوع ممَّا يعارضه الإسلام وشريعته السمحة، خصوصًا ـ كما تعلمون ـ أنَّ الإسلام دين رحمة لكل زمان ومكان، لذا نرجو أن تبيِّنوا الموقف الشرعي من هذه الأسلحة الَّتي تضر ولا تنفع، وهناك شك في جدواها العسكرية مع تقدم التكنولوجيا وأجهزة المراقبة، أرجو أن تفيدونا، وجزاكم الله خيرًا.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لا شك أنَّ الإسلام حريصٌ على أرواح البشر، والحرب في الإسلام لا ينبغي للمسلم أن يدخلها إلَّا لضرورة، وكان النبي ﷺ يقول: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ 8 عبدُ الله وعبدُ الرحمٰن، وأصدقُها حارث وهمَّام، وأقبحُها حرب ومُرَّةُ»(1). حتَّى مجرَّد اسم «حرب» كرهه الإسلام، وحينما صالح المسلمون المشركين في الحُدَيْبِيَة سمَّى القرآن هذا: فتحًا، بل فتحًا مبينًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًۭا مُّبِينًۭا﴾[الفتح: 1]. قال الصحابة: يا رسولَ الله، أفتحٌ هو؟ (يعجبون من كونه فتحًا من غير حرب) قال: «نعم والذِي نفْسُ محمَّدٍ بيده، إنَّه لفَتْح»(2).
وامتنَّ الله على المسلمين فقال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنۢ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾[الفتح: 24]. ومن المعقول أن يمتنَّ الله على المسلمين بكفِّ أيدي الكفار عنهم، أمَّا أن يمتنَّ عليهم بكفِّ أيديهم عن الكفار، فهذا معناه أنَّه يريد السلام للبشر جميعًا.
وحينما انتهت غزوة الخندق أو الأحزاب، عقّب القرآن عليها بقوله: ﴿وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرًۭا ۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًۭا﴾ [الأحزاب: 25]. وهذا يدل على أنَّ المسلمين ليسوا هواة قتال، ولا متعطشين للدماء، كما يزعم أعداء الإسلام، فالله يمتنُّ على المؤمنين أنَّ المعركة انتهت بغير دماء وبغير قتال، ﴿وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾.
ولذلك إذا حارب المسلمون فهم أرحم النَّاس في حربهم، فالنبي ﷺ نهاهم أن يقتلوا وليدًا، أو يقتلوا امرأةً، أو يقتلوا شيخًا، أو يقتلوا أجيرًا، ونهاهم كذلك أن يقتلوا الرهبان في الصوامع، أو يقتلوا الزُّرَّاع في الأرض، فكل من لا يشارك في الحرب لا يُقتل، إنَّما يُقتل من يقاتل، فعن أنس بن مالك، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «انطلقوا باسم الله وبالله، وعلى ملَّة رسول الله، ولا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا، ولا صغيرًا، ولا امرأةً، ولا تغلُّوا، وضُمُّوا غنائمكم، وأصلحوا،﴿وَأَحْسِنُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾[البقرة: 195](3)، وعن بُرَيْدة الأسلمي، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «اغزوا باسمِ الله، وفي سبيلِ الله، وقاتلوا من كفرَ بالله، اغزوا، ولا تغدروا، ولا تغلُّوا، ولا تُمَثِّلُوا، ولا تقتلوا وليدًا»(4).
ورأى النبيُّ ﷺ في بعض مغازيه النَّاس مجتمعين على شيء، فبعث رجلًا، فقال: «انظرْ علام اجتمع هؤلاء؟». فجاء فقال: على امرأةٍ قتيلٍ. فقال: «ما كانت هذه لتُقاتل». قال رباح بن ربيع راوي الحديث: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلًا، فقال: «قلْ لخالد: لا يقتلنَّ امرأةً ولا عسيفًا»(5).
الألغام المضادَّة للأفراد:
ولذا فالإسلام يضيِّق دائرة الحرب، ويرحِّب بأيِّ دعوة لمنع هذه الألغام الَّتي تقتل الَّذي يحارب والذي لا يحارب، وللأسف في الحروب الماضية كانت الدول تضع هذه الألغام بالملايين، قالوا مثلًا: إنَّ السوفييت وضعوا في أفغانستان حوالي ثلاثين مليون لَغْم مضاد للبشر، وانتهت الحرب بين الأفغان والسوفييت، لكنَّ حربهم مع الألغام مستمرة.
وفي مصر ملأ الإنجليز والألمان صحراء مصر الغربيَّة بالألغام، في أثناء الحرب العالمية الثانية، وما زالت هذه الألغام إلى الآن تصيب الناس، ولذلك يجب أن نرحِّب بالدعوة إلى منع هذه الألغام، وخصوصًا ـ كما أشار الأخ السائل ـ أنَّ الجيوش عندها من التقنيات الآن ما يكشفها، فالذي يقع ضحيةً لها ليسوا المحاربين بل المدنيين، خصوصًا بعد انتهاء الحرب.
فلذلك نحن نرحِّب بكل دعوة لمنع هذه الألغام، بل يجب أن نتبنَّى نحن هذه الدعوة، وأن نقود دعوات مشابهة تدعو إلى منع هذه الألغام: منع تصنيعها، ومنع الاتجار فيها، وليس فقط إزالتها؛ لأنَّها آفة خطرة على البشرية، ودماء البشر محترمة في ديننا، فالله تعالى يقرِّر في القرآن: ﴿أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا﴾[المائدة: 32]. فيجب أن نحرص على حياة الناس، بل على حياة الحيوان، فالنبيُّ ﷺ يقول: «عُذِّبت امرأةٌ في هرَّة حبستها حتَّى ماتت جوعًا، فدخلت فيها النَّار»(6). فما بالك بحياة الإنسان؟
من أجل ذلك نقول: إنَّ الموقف الشرعي أنَّه يجب منع هذه الألغام المدمِّرة القاتلة، الَّتي تقتل البرآء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في الحرب، وأكثر ما تصيب المدنيين العُزَّل، الذين لا سلاح معهم ولا سيف ولا رمح، ولا بندقية ولا مدفع، وتظل آثارها سنوات وسنوات، تظل إلى عشرات السنين، وقد تستمر قرونًا، فهي خطرة على البشر، فيجب منع هذه الألغام، وتأييد كل دعوة إلى منع ذلك.
(1) رواه أحمد (19032)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. وأبو داود في الأدب (4950)، والنَّسائي في الخيل (3565)، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (904، 1040)، عن أبي وهب الجشمي. وعلَّل الإمام الخطابي قبح اسم «حرب» لما في الحرب من المكاره.
(2) رواه أحمد (15470)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. وأبو داود في الجهاد (2736)، وابن أبي شيبة في المغازي (38002)، والحاكم في قسم الفيء (2/131)، وصحَّح إسناده ووافقه الذهبي، وضعَّفه الألباني في ضعيف أبي داود (587)، عن مجمع بن جارية.
(3) رواه أبو داود في الجهاد (2614)، وابن أبي شيبة في الفضائل (33790)، والبيهقي في السير (9/90)، وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (3/42 ـ 43): خالد بن الفزر ليس بقوي. وضعَّفه الألباني في ضعيف أبي داود (450)، وحسن عوَّامة إسناد أبي داود في تعليقه على مصنف ابن أبي شيبة، عن أنس.
(4) رواه مسلم في الجهاد والسير (1731)، وأحمد (23030).
(5) رواه أحمد (15992)، وقال مخرِّجوه: صحيح لغيره. وأبو داود (2669)، وابن ماجه (2842)، والحاكم (2/122)، وصحَّحه، ووافقه الذهبي، ثلاثتهم في الجهاد. عن رباح بن الربيع.
(6) متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في المساقاة (2365)، ومسلم في السلام (2242)، عن ابن عمر.