حكم الخونة المتعاونين مع الأعداء

❓ حكم الخونة المتعاونين مع الأعداء

📅 2026-06-22 👁 115 مشاهدة

نص السؤال:

ما قولكم في هؤلاء الفلسطينيِّين الذين شذُّوا عن جماعتهم، وخرجوا على صفِّهم، وخانوا قومهم، فتعاونوا مع اليهود الغزاة، يكشفون لهم العورات، ويدلُّونهم على أماكن رجال المقاومة، فيسهِّلون لهم اغتيالهم، إلى غير ذلك من الأعمال الَّتي لا يشكُّ أحدٌ في اتهامهم بالخيانة؟
نرجو من فضيلتكم بيان الحكم الشرعي فيما يستحقه هؤلاء المجرمون؟
نفع الله بكم، وجزاكم عن الإسلام وأهله خيرًا.
جماعة أبناء القدس
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
انتساب هؤلاء إلى الفلسطينيِّين عارٌ وشَنَارٌ، فهذا الشعب الَّذي سجَّل بسطور من نور هذه البطولات الأسطورية الَّتي لفتت أنظار العالم في جنين وغيرها، وأثبت رجاله ونساؤه، وشبانه وشيوخه، وكباره ورجاله: هذا الصمود الخارق الَّذي لا يكاد يعرف له نظير في دنيانا المعاصرة: هذا الشعب لا يجوز أن يُنسب إليه هؤلاء الذين لا يجوز أن ينسبوا إلى الفلسطينيين، ولا إلى العرب ولا إلى المسلمين. فالجميع يبرأ منهم، والجميع يلعنهم، ناهيك بلعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
ولكن جرت سنة الله في خلقه: أن يكون في كل شعب خونة يبيعون آخرتهم بدنياهم، ويبيعون أمتهم بأعدائهم، حتَّى في عهد الرسول كان هناك منافقون:﴿أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ[البقرة: 16].
ولقد اجتهد الكيان الصهيوني منذ زمن طويل لتجنيد عدد غير قليل من أبناء فلسطين، ليعملوا لحسابه، وتنفيذ خططه، واستخدم في ذلك كل وسائل الإغراء والترغيب، وغسيل المخ، وبذرهم في وسط أقوامهم، ليقوموا بدورهم الخائن، فيتجسَّسوا على أهليهم لحساب عدوِّهم، ويدلوهم على مواطن رجال المقاومة، من حماس والجهاد، وكتائب الأقصى، وغيرهم من رجال الفصائل المناضلة، وكل رجل اغتيل من هذه الفصائل المجاهدة؛ فإنَّما تمَّ ذلك بمساعدة هؤلاء الخونة، الذين يعاونون أعداء أمتهم على الإثم والعدوان.
هؤلاء حكمهم حكم اليهود المحتلين؛ لأنَّ ولاءهم لهم، وعونهم لهم، والله تعالى يقول:﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ[المائدة: 51].
بل الحق أنِّي أرى هؤلاء شرًّا من اليهود الغزاة المعتدين، فإنَّ اليهودي عدوٌّ واضح معروف، وهذا عدو من بني جلدتنا، ويتكلم بلساننا، فهو من المنافقين الذين قال الله عنهم:﴿إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا[النساء: 145].
فالمنافق شرٌّ من الكافر ولا شك، فعبد الله بن أبيٍّ شرٌّ من أبي جهل، لأنَّ أبا جهل صرَّح بكفره فيُحذر منه، أمَّا ابن أبيٍّ ومن سار في ركبه، فهم الذين ينخرون في عظام المجتمع، ويهدمونه من داخله.
وقد قرر الفقهاء: أنَّ عقوبة الجاسوس القتل، ولا سيَّما من يتجسَّس لعدوه على قومه.
وحينما أرسل حاطب بن أبي بلتعة في فتح مكة رسالة إلى أهل مكة يخبرهم فيها بمقدم الجيش المحمدي، واعتذر الرجل بكلام يدل على حسن نيته، وإنَّه لا يريد الضرر بالمسلمين، قال عمر: يا رسولَ الله، دعني أضرب عنقه فقد نافق! فقال : «وما يدريكم أنَّ الله تعالى اطَّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فإنِّي قد غفرتُ لكم»(1).
وقد استنبط العلماء من قصَّة حاطب ـ كما قال ابن القيِّم ـ جواز قتل الجاسوس، وإن كان مسلمًا، لأنَّ عمر طلب قتل حاطب، وأجابه الرسول بأنَّ ثمَّة مانعًا من قتله، وهو شهوده بدرًا، وفي هذا الجواب تنبيه على مشروعية قتل الجاسوس؛ إذا لم يكن عنده مثل هذا المانع. وهذا مذهب مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يقتل، ولكن يعزر.
وقال سحنون من المالكية: إذا كاتب المسلم أهل الحرب قُتل ولم يُستتب (أي لم تطلب منه التوبة كما تطلب من المرتد).
وقال ابن القاسم: يُقتل، ولا يعرف لهذا توبة، وهو كالزنديق.
وقال غيرهما من أصحاب مالك: يجلد جلدًا وجيعًا، ويطال حبسه، ويُنفى من موضع يقرب من الكفار.
وقال ابن القيم: والصحيح أنَّ قتله راجع إلى الإمام، إن رأى في قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان استبقاؤه أصلح استبقاه. والله أعلم(2).
ورأيي: أنَّ هذا أيضًا يرجع إلى مدى جريمة الجاسوس، ومقدار توغله في خدمة الأعداء ومساندتهم، وماذا ترتب على ذلك من مضار، كأن سهل قتل مسلم، أو دلَّهم على مواضع السلاح، أو نحو ذلك.
ويجب أن يردَّ ذلك إلى محكمة مسلمة تنظر في جرائمهم، وتقيم حكمها على أساس البيِّنات، لا مجرد الدعاوى أو الشبهات، فمن أعان الأعداء على أهله وقومه، ودلَّ على عوراتهم، حتَّى ترتب على ذلك سفك دم حرام: وجب أن يُقتل لا محالة؛ لأنَّه شرٌّ من قطاع الطريق الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادًا.
ومَن لم يبلغ هذه الدرجة عُوقب بما يناسبه إذا ثبت عليه. وينبغي التشديد في الإثبات حتَّى لا يعاقب أحد بغير حق.
كما ينبغي فتح باب التوبة لمن تورَّط منهم في هذا الجرم، ثم تبيَّن له خطؤه وخطيئته، وأن يشجَّع على ذلك، فإنَّ باب التوبة مفتوح، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. والله يحب التوابين ويحب المتطهرين. وقد قال تعالى:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُوا۟ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا۟ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ ٱلْحَرِيقِ[البروج: 10].
فرغم أنَّهم عذَّبوا المؤمنين والمؤمنات لم يحرمهم من التوبة، ولم يغلق بابها في وجوههم لو أرادوا.
فمن صحا ضميره، وأراد أن يكفر عن ماضيه؛ فباب الجهاد أمامه واسع، عسى الله أن يبدِّل سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورًا رحيمًا.
وقد تاب كثير من أهل الردَّة، الذين ارتدَّوا عن الإسلام بعد وفاة رسول الله ، وتبعوا الأنبياء الكذبة من قبائلهم، مثل مسيلمة، وسجاح، والأسود، وحاربوا المسلمين، ثم أعلنوا توبتهم، وعادوا إلى حظيرة الإسلام، وكانوا من أحسن النَّاس بلاءً في حرب فارس والروم، تكفيرًا عن سيئاتهم الماضية. وإنَّما الأعمال بالخواتيم.
← العودة لقسم 3- السياسة والحكم