2026-06-22
137
لجوء الدول الإسلاميَّة إلى محكمة العدل الدولية
العديد من الدول الإسلاميَّة لجأت إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي؛ لفض المنازعات والخلافات، سواء أكانت النزاعات بين الدول الإسلاميَّة بعضها مع بعض، أو بين دولة إسلاميَّة وأخرى غير إسلاميَّة، حتَّى إنَّ قطر والبحرين لجآ إليها في حل نزاع حدودي بينهما، فهل تعتبر قراراتها ملزمة وواجبة التنفيذ؟ وهل ينطبق مفهوم الطاغوت الَّذي ورد في الآية الكريمة:﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًۭا﴾[النساء: 60]، على هذه المحكمة؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
المسلمون أعضاء في هيئة الأمم المتحدة، ووافقوا على المجالس والمؤسسات والهيئات التابعة لها، ومن هذه المؤسسات محكمة العدل الدولية، الَّتي تفصل في المنازعات الَّتي تحدث بين الدول بعضها وبعض، إذا لم تستطع أطراف النزاع حلَّها وديًّا، أو بالتحكيم الإقليمي، وهذه المحكمة فيها قضاة المفترض أنَّهم محايدون، ومن دول شتى، وكان فيها في وقت من الأوقات قاضٍ مصري، هو الدكتور عبد الحميد بدوي 5 ، والآن فيها قضاة من بلاد عربية وإسلاميَّة، فلا مانع أنَّنا نحتكم إلى هذه المحكمة.
صحيح أنَّ الأولى بنا أن تكون لنا محاكمنا الخاصة، أولى بالعرب أن تكون لهم محكمة عدل عربية، تحكم في المنازعات بين البلاد العربية بعضها وبعض، وأن نرضى بحكمها، ونعيِّن نحن قضاتها، ونختارهم من أشرف النَّاس ونبهائهم، ومن المعروفين بالنزاهة وقوة الشخصية، ومن الذين لا يتأثرون بأحد، ولا يحابون أحدًا، ولا يعملون على إرضاء أحد، بل يعملون لإرضاء الله وحده.
وكذلك الدول الإسلاميَّة ينبغي أن تكون لهم محكمة عدل إسلاميَّة، تحكم في المنازعات بين البلاد الإسلاميَّة بعضها وبعض، ولا ينبغي أن نترك النزاعات بين دولنا العربية أو الإسلاميَّة تتفاقم، وكم من النزاعات على الحدود بين الدول العربية، لم تحل إلى الآن.
فالذي أرجِّحه وأفضِّله أن يكون للعرب محكمة عدل دولية عربية خاصَّة، تفصل في المنازعات بينهم، هذا هو اللائق بأمة العرب، وكذلك أمة الإسلام تكون لهم محكمتهم الإسلاميَّة، الَّتي تحكم بين المسلمين، وتحكِّم الشريعة الإسلاميَّة بينهم.
ولكن إذا لم توجد للعرب ولا للمسلمين هذه المحكمة الخاصة بهم، فهم مضطرون إلى اللجوء إلى المحكمة الدولية، الَّتي رضيناها باعتبارها من لوازم الأمم المتحدة ومؤسساتها، ولا يكون هذا من باب الاحتكام إلى الطاغوت؛ لأنَّ الطاغوت هو الَّذي يحكم بغير ما أنزل الله، ويرفض ما أنزل الله 8 ، وهذه المحكمة تحكِّم القوانين الدولية، ومعظم هذه القوانين متفقة مع الإسلام، بل إنَّ كثيرًا من أسس ما يُسَمَّى «القانون الدولي» مستقاة من تراثنا الفقهي، بل إنَّ الإمام محمد بن الحسن الشيباني، صاحب أبي حنيفة، يعتبرونه واضع أسس القانون الدولي، فالقوانين الدولية في معظمها تلتقي مع الشريعة الإسلاميَّة.
وعمل المحكمة الدولية هو التحكيم في النزاعات بين الدول، مثلًا: إذا حدث خلاف حدودي بين دولتين على منطقة متنازع عليها، تبحث المحكمة الدولية، وتنظر في مستندات كل دولة وأدلتها، الَّتي تثبت أنَّ هذه المنطقة ضمن سيادتها وفي نطاق حدودها، ويقارنون بين مستندات الطرفين، ويبحثون في الناحية التاريخية، وبعد النظر في هذه القضايا والملابسات، يصدرون الحكم.
هذا ليس احتكامًا إلى الطاغوت كما يظنُّ الأخ أو يتوهم، بل هو احتكام إلى العدالة الطبيعية، الَّتي يحتكم إليها الناس، الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ﴾[الحديد: 25]. النَّاس هم الذين يقومون بالقسط، يتعلَّمون من الكتاب الَّذي أنزله الله، ومن الميزان الَّذي أنزله الله، ميزان الفطرة والعدالة، فيقيمون العدل بأنفسهم، وهذه المحكمة أشبه بحلف الفضول ـ لكن في صورة أوسع نطاقًا ـ الَّذي أقرَّه الرسول ﷺ وأثنى عليه حين قال: «لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جُدعان حِلْفًا، ما أحبُّ أنَّ لي به حُمْر النَّعَم، ولو أُدعَى به في الإسلام لأجبتُ»(1).
فلا أرى حرجًا في الاحتكام إلى محكمة العدل الدولية، في المنازعات بين البلاد العربية بعضها مع بعض، وإن كُنَّا نتمنَّى أن توجد محكمة عربية تحكم في النزاعات بين الدول العربية، كالخلاف الَّذي كان بين قطر والبحرين، والذي ذكره الأخ السائل، وهذان بلدان شقيقان، بينهما من الروابط ما بينهما، روابط القربى والجوار والمصاهرة، حتَّى إنَّ بعض القبائل نصفها هنا ونصفها هناك، وكذلك بين الجزائر والمغرب، وبين مصر والسودان، نتمنَّى أن تكون هناك محكمة تحكم بين العرب وبين المسلمين بعضهم وبعض، فإذا لم يكن هذا فنحن مضطرون إلى أن نُحكِّم محكمة العدل الدولية.
(1) رواه البيهقي في قسم الفيء والغنيمة (6/367)، عن طلحة بن عبد الله بن عوف. وقال ابن حجر في نتائج الأفكار (5/9): وهذا مرسل، وقد وصله الواقدي من وجه آخر فقال: عن طلحة، عن عبد الرحمٰن بن أزهر، عن جبير بن مطعم. ووصله الزبير بن بكار من حديث عائشة. وسند كل منهما ضعيف، لكن يتقوى بهما المرسل.