2026-06-22
163
شرعيَّة العمليات الاستشهاديَّة في فلسطين المحتلَّة
تساءل الكثيرون بعد التفجيرات الأخيرة الَّتي تمَّت في القدس وتل أبيب وعسقلان، وقُتل فيها من قُتل من الصهاينة، نتيجة العمليات الاستشهاديَّة الَّتي قام بها شباب من حركة المقاومة الإسلاميَّة «حماس»، تساءلوا عن حكم هذه العمليات الَّتي يسمُّونها «انتحاريَّة» هل تعدُّ جهادًا في سبيل الله أو إرهابًا؟ وهل هؤلاء الشباب الذين يضحون بأنفسهم في هذه العمليات يعتبرون شهداء أو يعتبرون منتحرين؛ لأنَّهم قتلوا أنفسهم بأيديهم؟ وهل يعتبر عمل هؤلاء من باب الإلقاء باليد في التهلكة الَّذي نهى عنه القرآن في قوله تعالى:﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾[البقرة: 195]؟!
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أودُّ أن أقول هنا: إنَّ هذه العمليات تعدُّ من أعظم أنواع الجهاد في سبيل الله، وهي من الإرهاب المشروع، الَّذي أشار إليه القرآن في قوله تعالى:﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾[الأنفال: 60].
وتسمية هذه العمليات «انتحارية» تسمية خاطئة ومضلِّلة، فهي عمليات فدائية بطولية استشهاديَّة، وهي أبعد ما تكون عن الانتحار، ونفسيَّة من يقوم بها أبعد ما يكون عن نفسيَّة المنتحر!
إنَّ المنتحر يقتل نفسه من أجل نفسه، وهذا يقدِّم نفسه ضحيةً من أجل دينه وأمته.. والمنتحر إنسان يائس من نفسه ومن روح الله، وهذا المجاهد إنسان كله أمل في روح الله تعالى ورحمته.. المنتحر يتخلَّص من نفسه ومن همومه بقتل نفسه، والمجاهد يقاتل عدو الله وعدوه بهذا السلاح الجديد، الَّذي وضعه القدر في يد المستضعفين ليقاوموا به جبروت الأقوياء المستكبرين: أن يصبح المجاهد «قنبلة بشريَّة» تنفجر في مكان معيَّن وزمان معيَّن، في أعداء الله والوطن، الذين يقفون عاجزين أمام هذا البطل الشهيد، الَّذي باع نفسه لله، ووضع رأسه على كفِّه مبتغيًا الشهادة في سبيل الله.
فهؤلاء الشباب الذين يدافعون عن أرضه ـ وهي أرض الإسلام ـ وعن دينهم وعرضهم وأمتهم: ليسوا بمنتحرين، بل أبعد ما يكونون عن الانتحار، وإنَّما هم شهداء حقًّا، بذلوا أرواحه ـ وهم راضون ـ في سبيل الله، ما دامت نيَّاتهم لله، وما داموا مضطرِّين لهذا الطريق لإرعاب أعداء الله، المصرين على عدوانهم، المغرورين بقوتهم، وبمساندة القوى الكبرى لهم. والأمر كما قال الشاعر العربي قديمًا:
إذا لم يكُنْ إلَّا الأَسِنَّةُ مَرْكَبٌ
فما حيلةُ المضْطَرِّ إلَّا رُكُوبُها(1)
وليسوا بمنتحرين، وليسوا بإرهابيين، فهم يقاومون ـ مقاومة شرعيَّة ـ من احتل أرضهم، وشرَّدهم وشرَّد أهلهم، واغتصب حقهم، وصادر مستقبلهم، ولا زال يمارس عدوانه عليهم؛ ودينهم يفرض عليهم الدفاع عن أنفسهم، ولا يجيز لهم التنازل باختيارهم عن ديارهم، الَّتي هي جزء من دار الإسلام.
ولا يعد عمل هؤلاء الأبطال من الإلقاء باليد إلى التهلكة، كما يتصوَّر بعض البسطاء من الناس، بل هو عمل من أعمال المخاطرة المشروعة والمحمودة في الجهاد؛ يقصد به النكاية في العدو، وقتل بعض أفراده، وقذف الرعب في قلوب الآخرين، وتجريء المسلمين عليهم.
والمجتمع الإسرائيلي مجتمع عسكري، رجاله ونساؤه جنود في الجيش، يمكن استدعاؤهم في أي لحظة؛ وإذا قُتل طفل أو شيخ في هذه العمليات، فهو لم يُقصد بالقتل، بل عن طريق الخطأ، وبحكم الضرورات الحربية، والضرورات تبيح المحظورات.
ولا بأس أن أسوق هنا ما ذكره الفقهاء في هذا الجانب، وما ذكره المفسِّرون في آية:﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾[البقرة: 195].
ما قاله الجصَّاص الحنفي:
قال الإمام الجصَّاص الحنفي في كتابه «أحكام القرآن» في تفسير هذه الآية: قد قيل فيه وجوه:
أحدها: ما حدثنا محمد بن أبي بكر، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، قال: حدثنا ابن وهب، عن حيوة بن شريح وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران، قال: غزونا بالقسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمٰن بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه، مه! لا إلٰه إلَّا الله! يلقي بيديه إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: إنَّما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار؛ لمَّا نصر الله نبيَّه وأظهر دينه الإسلام، فقلنا: هلمَّ نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ۛ﴾ [البقرة: 195]. فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة، أن نقيم في أموالنا فنصلحها وندع الجهاد.
قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتَّى دُفن بالقسطنطينية، فأخبر أبو أيوب أنَّ الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله، وأنَّ الآية في ذلك نزلت(2). ورُوي مثله عن ابن عبَّاس وحذيفة، والحسن وقتادة، ومجاهد والضحاك.
وروي عن البراء بن عازب وعَبِيدة السَّلْماني: الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو اليأس من المغفرة بارتكاب المعاصي(3).
وقيل: هو الإسراف في الإنفاق؛ حتَّى لا يجد ما يأكل ويشرب فيتلف.
وقيل: هو أن يقتحم الحرب من غير نكاية في العدو، وهو الَّذي تأوَّله القوم الذين أنكر عليهم أبو أيوب، وأخبر فيه بالسبب، وليس يمتنع أن يكون جميع هذه المعاني مرادة بالآية؛ لاحتمال اللفظ لها، وجواز اجتماعها من غير تضادٍّ ولا تنافٍ.
فأمَّا حمله على الرجل الواحد يحمل على حلبة العدو، فإنَّ محمد بن الحسن ذكر في السير الكبير: أنَّ رجلًا لو حمل على ألف رجل، وهو وحده لم يكن بذلك بأس، إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية!
فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية؛ فإنِّي أكره له ذلك؛ لأنَّه عرض نفسه للتلف من غير منفعة للمسلمين.
فإن كان لا يطمع في أيِّ نجاة ولا نكاية ولكنَّه يجرِّئ المسلمين بذلك، حتَّى يفعلوا مثل ما فعل، فيقتلون وينكون العدو فلا بأس بذلك إن شاء الله؛ لأنَّه لو كان طمع من النكاية في العدو ولا يطمع في النجاة، لم أَرَ بأسًا أن يحمل عليهم، فكذلك إذا طمع أن ينكي غيره فيهم بحملته عليهم؛ فلا بأس بذلك، وأرجو أن يكون فيه مأجورًا، وإنَّما يكره له ذلك: إذا كان لا منفعة فيه على وجه من الوجوه، وإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية، ولكنَّه ممَّا يرهب العدو، فلا بأس بذلك لأنَّ هذا أفضل النكاية، وفيه منفعة للمسلمين(4).
قال الجصَّاص: والذي قال محمد من هذه الوجوه صحيح، لا يجوز غيره، وعلى هذه المعاني يحمل تأويل من تأوَّل في حديث أبي أيوب أنَّه ألقى بيده إلى التهلكة بحمله على العدو، إذ لم يكن عندهم في ذلك منفعة.
وإذا كان كذلك؛ فلا ينبغي أن يتلف نفسه من غير منفعة على الدين ولا على المسلمين، فأما إذا كان في تلف نفسه منفعة عائدة على الدين، فهذا مقام شريف مدح الله به أصحاب النبي ﷺ في قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ۚ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: 111]، وقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَٰتًۢا ۚ بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]، ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 207]، في نظائر ذلك من الآيات الَّتي مدح الله فيها من بذل نفسه لله.
قال: وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أنَّه متى رجا نفعًا في الدين، فبذل نفسه فيه حتَّى قتل كان في أعلى درجات الشهداء. قال الله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱنْهَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾[لقمان: 17]، وقد رُوي عن جابر عنِ النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «سيِّدُ الشهداء حمزةُ بن عبد المطلب، ثم رجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاه فقتله»(5).
وروى أبو سعيد الخُدْري عنِ النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «أفضلُ الجهاد كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائر»(6)، وذكر الجصَّاص هنا حديث أبي هريرة مرفوعًا: «شرُّ ما في الرجل: شحٌّ هالع، وجبنٌ خالع»(7). قال: وذم الجبن يوجب مدح الإقدام والشجاعة، فيما يعود نفعه على الدِّين، وإن أيقن فيه بالتلف، والله تعالى أعلم بالصواب(8).
ما قاله القرطبي المالكي:
وقال الإمام القرطبي المالكي في تفسيره: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال القاسم بن مُخَيْمِرَة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، فإن لم تكن فيه قوَّة فذلك من التهلكة.
وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فيحمل؛ لأنَّ مقصوده واحد منهم، وذلك بيِّن في قوله تعالى:﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ﴾[البقرة: 207].
وقال ابن خويز منداد: فأمَّا أن يحمل الرجل على مائة، أو على جملة العسكر، أو جماعة اللصوص المحاربين والخوارج؛ فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنِّه أنَّه سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم أو غلب على ظنِّه أن يُقتل، ولكن سينكي نكاية، أو سيُبلي، أو يؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا.
وقد بلغني أنَّ عسكر المسلمين لمَّا لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة، فعمد رجل منهم، فصنع فيلًا من طين وأنس به فرسه حتَّى ألفه، فلمَّا أصبح لم ينفر فرسه من الفيل، فحمل على الفيل الَّذي كان يقدمها، قيل له: إنَّه قاتِلُك. فقال: لا ضيرَ أن أُقْتَل، ويُفتح للمسلمين!
وكذلك يوم اليمامة لمَّا تحصنت بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل من المسلمين: ضعوني في الحَجَفة ـ ترس من الجلود ـ وألقوني إليهم، ففعلوا وقاتلهم وحده حتَّى فتح الباب(9).
قال القرطبي: ومن هذا ما رُوي أنَّ رجلًا قال للنبي ﷺ : أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا؟ قال: «فلك الجنَّة» فانغمس في العدو حتَّى قُتل(10).
وفي صحيح مسلمٍ، عن أنس بن مالك: أنَّ رسولَ الله ﷺ أُفرد يوم أُحُدٍ في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه ـ قربوا منه ـ قال: «من يردُّهم عنَّا وله الجنَّة؟». فتقدَّم رجل من الأنصار، فقاتل حتَّى قُتل، فلم يزل كذلك حتَّى قَتَل السبعة، فقال النبيُّ ﷺ : «ما أنْصَفْنا أصحابَنا»(11). هكذا الرواية «أنصفْنا» بسكون الفاء «أصحابَنا» بفتح الباء، أي لم ندلَّهم للقتال حتَّى قتلوا، ورُوِيَ بفتح الفاء ورفع الباء، ووجهها أنَّها ترجع لمن فرَّ عنه من أصحابه والله أعلم.
ثم ذكر القرطبي كلمة محمد بن الحسن: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده، لم يكن بذلك بأس؛ إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه؛ لأنَّه عرض نفسه للتلف في غير منفعة المسلمين(12).
ما قاله الرازي الشافعي:
وقال الإمام الرازي الشافعي في تفسيره: المراد من قوله: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ۛ﴾، أي لا تقتحموا في الحرب بحيث لا ترجون النفع، ولا يكون لكم فيه إلَّا قتل أنفسكم، فإنَّ ذلك لا يحل، وإنَّما يجب أن يقتحم إذا طمع في النكاية، وإن خاف القتل، فأما إذا كان آيسًا من النكاية، وكان الأغلب أنَّه مقتول، فليس له أن يقدم عليه، وهذا الوجه منقول عن البراء بن عازب، ونقل عن أبي هريرة 3 أنَّه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقل بين الصفين.
قال الرازي: ومن النَّاس من طعن في هذا التأويل وقال: هذا القتل غير محرَّم، واحتج عليه بوجوه:
الأول: روي أنَّ رجلًا من المهاجرين حمل على صف العدو فصاح به الناس: ألقى بيده إلى التهلكة! فقال أبو أيوب الأنصاري: نحن أعلم بهذه الآية؛ وإنَّما نزلت فينا.. وذكر خلاصة ما حكاه الجصَّاص في سبب نزول الآية.
والثاني: روى الشافعي 3 : أنَّ رسولَ الله ﷺ ذكر الجنَّة، فقال له رجل من الأنصار، أرأيت يا رسولَ الله إن قُتلت صابرًا محتسبًا؟ قال ﷺ : لك الجنة. فانغمس في جماعة العدو فقتلوه بين يدي رسول الله، وإنَّ رجلًا من الأنصار ألقى درعًا كانت عليه حين ذكر النبي ﷺ الجنَّة ثم انغمس في العدو فقتلوه(13).
والثالث: روي أنَّ رجلًا من الأنصار تخلَّف عن بئر معونة، فرأى الطير عكوفًا على من قُتل من أصحابه، فقال بعض من معه: سأتقدم إلى العدو فيقتلونني، ولا أتخلَّف عن مشهد قُتل فيه أصحابي، ففعل ذلك فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال فيه قولًا حسنًا.
والرابع: روي أنَّ قومًا حاصروا حصنًا، فقاتل رجل حتَّى قتل، فقيل: ألقى بيده إلى التهلكة، فبلغ عمر بن الخطاب 3 فقال: كذبوا أليس يقول الله تعالى:﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ﴾[البقرة: 207].
ولمن نصر ذلك التأويل أن يجيب عن هذه الوجوه فيقول: إنَّا إنَّما حرَّمنا إلقاء النفس في صف العدو إذا لم يتوقع إيقاع نكاية فيهم، فأما إذا توقع فنحن نجوِّز ذلك(14).
ما رواه ابن كثير والطبري:
روى الحافظ ابن كثير أنَّ رجلًا قال للبراء بن عازب الأنصاري: إن حملت على العدو وحدي فقتلوني: أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا. قال الله لرسوله:﴿فَقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾[النساء: 84]. وإنَّما هذه في النفقة، أي في ترك النفقة في الجهاد(15).
وروى الإمام الطبري بسنده في تفسيره، عن أبي إسحاق السَّبِيعي قال: قلت للبراء بن عازب (الصحابي): يا أبا عمارة، الرجل يلقى ألفًا من العدو، فيحمل عليهم، وإنَّما هو وحده (يعني: أنَّه مقتول في العادة لا محالة) أيكون ممَّن قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾؟ فقال: لا، ليقاتل حتَّى يُقتل، قال الله لنبيِّه ﷺ :﴿فَقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾[النساء: 84](16).
ما قاله ابن تيمية:
وذكر نحو ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في فتواه المشهورة في قتال التتار، مستدلًّا بما روى مسلم في صحيحه عنِ النبيِّ ﷺ من قصَّة أصحاب الأخدود، وفيها أنَّ الغلام أمر بقتل نفسه، لأجل مصلحة ظهور الدين (حين طلب إليهم أن يرموه بالسهم ويقولوا: باسم الله ربِّ الغلام)(17). قال: ولهذا جوَّز الأئمَّة الأربعة أن ينغمس المسلم في صفِّ الكفار، وإن غلب على ظنِّه أنَّهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين. وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر(18).
ما قاله الشوكاني:
وقال الإمام الشوكاني في تفسيره «فتح القدير»: «والحقُّ أنَّ الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنَّه تهلكة في الدين أو في الدنيا، فهو داخل في هذا. ومن جملة ما يدخل تحت الآية: أن يقتحم الرجل في الحرب فيحمل على الجيش، مع عدم قدرته على التخلص، وعدم تأثيره لأثرٍ ينفع المجاهدين»(19).
ومعنى هذا: أنَّه إذا كان لاقتحامه أثر ينفع المجاهدين كإرهاب العدو وإفزاعه لم يعد هذا في التهلكة.
ما قاله صاحب تفسير المنار:
وفي عصرنا قال العلامة رشيد رضا في تفسير المنار: ويدخل في النهي: التطوع في الحرب بغير علم بالطرق الحربية، الَّتي يعرفها العدو، كما يدخل فيه كل مخاطرة غير مشروعة، بأن تكون لاتباع الهوى؛ لا لنصر الحق وتأييد حزبه(20).
ومفهوم هذا أنَّ المخاطرة المشروعة المحسوبة الَّتي يُرجى بها إرهاب عدو الله وعدونا، ويُبتغى فيها نصر الحق لا اتباع الهوى، لا تكون من الإلقاء باليد إلى التهلكة.
أعتقد أنَّ الحق قد تبيَّن، وتبيَّن الصبح لذي عينين، وأنَّ هذه الأقوال كلها ترد على أولئك المتطاولين، الذين اتهموا الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى، والذين باعوا أنفسهم لله، وقُتلوا في سبيله بأنَّهم قد انتحروا، وألقوا بأيديهم إلى التهلكة. فهم ـ إن شاء الله ـ في طليعة الشهداء عند الله، وهم العنصر الحي المعبر عن حيوية الأمة، وإصرارها على المقاومة، وأنَّها حية لا تموت، باقية لا تزول.
كل ما نطلبه هنا: أن تكون هذه العمليات الاستشهاديَّة بعد دراسة وموازنة لإيجابياتها وسلبياتها، وينبغي أن يتم ذلك عن طريق تفكير جماعي من مسلمين ثقات. فإذا وجدوا الخير في الإقدام أقدموا، وتوكَّلوا على الله:﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ﴾[الأنفال: 49].
تنبيهان مهمان في هذه القضية:
التنبيه الأول: أنَّنا أجزنا هذه العمليات للإخوة في فلسطين لظروفهم الخاصَّة في الدفاع عن أنفسهم وأهليهم وأولادهم وحُرماتهم، وهي الَّتي اضْطرَّتهم إلى اللجوء إلى هذه العمليات، إذ لم يجدوا بديلًا عنها، ولم نُجِز استخدام هذه العمليات في غير فلسطين لانتفاء الضرورة الموجبة أو المبيحة، وقياس البلاد الأخرى على فلسطين، كالذين يستخدمون هذه العمليات ضدَّ المسلمين بعضهم وبعض، كما في الجزائر ومصر واليمن والسعودية والعراق وباكستان وغيرها؛ هو قياس في غير موضعه، وهو قياس مع الفارق، فهو باطل شرعًا.
ومثل هؤلاء: الذين اتَّخذوها ضدَّ أمريكا في عُقر دارها، مثل أحداث 11 سبتمبر 2001م، فلا تدخل في هذا الاستثناء.
والتنبيه الثاني: أنَّ الإخوة في فلسطين قد أغناهم الله عن هذه العمليات، بما مكَّنهم من الحصول على صواريخ تضرب في عُمق إسرائيل نفسها، وإن لم تبلغ مبلغ الصواريخ الإسرائيليَّة، ولكنَّها أصبحت تؤذيهم وتقلقهم وتزعجهم، فلم يعد إذن المعوَّل على العمليات الاستشهاديَّة، كما كان الأمر من قبل، فلكلِّ حالة حكمها، ولكلِّ مقام مقال. والفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال.
(1) البيت لكميت بن يزيد، جمهرة أشعار العرب صـ 790، تحقيق علي محمد البجادي، نشر دار نهضة مصر، القاهرة.
(2) رواه أبو داود في الجهاد (2512)، والترمذي في التفسير (2972)، وقال: حسن صحيح غريب. والحاكم في الجهاد (2/275) وصحَّحه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصحَّحه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1388). والموقعة كانت بين المسلمين والروم، والقصة كاملة ذكرها الإمام الواحدي في أسباب النزول صـ 58، تحقيق عصام بن عبد المحسن الحميدان، نشر دار الإصلاح، الدمام، ط 2، 1412هـ ـ 1992.
(3) رواه الطبري في تفسيره (3/588)، تحقيق محمود وأحمد شاكر، نشر دار التربية والتراث، مكة المكرمة.
(4) انظر: شرح السير الكبير صـ 1512، 1513.
(5) سبق تخريجه صـ 139.
(6) سبق تخريجه صـ 130.
(7) رواه أحمد (8010)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح. وأبو داود في الجهاد (2511)، وابن حبان في الزكاة (3250)، عن أبي هريرة.
(8) أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص (1/319)، تحقيق عبد السلام محمد علي شاهين، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1415هـ ـ 1994م.
(9) قائل هذا هو البراء بن مالك. انظر: تفسير القرطبي (2/364).
(10) لم أقف عليه بهذا اللفظ. وهو متَّفَقٌ عليه: رواه البخاري في المغازي (4046)، ومسلم في الإمارة (1899)، ولفظ البخاري: قال رجل للنبي ﷺ يوم أحد أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: «في الجنة» فألقى تمرات في يده، ثم قاتل حتى قتل.
(11) رواه مسلم في الجهاد (1789).
(12) تفسير القرطبي (2/363 ـ 364)، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، نشر دار الكتب المصرية، القاهرة، ط 2، 1384هـ ـ 1964م.
(13) ذكرهما الإمام الشافعي في الأم (4/256)، نشر دار المعرفة، بيروت، 1410هـ ـ 1990م.
(14) تفسير الفخر الرازي (5/295)، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 3، 1420هـ.
(15) تفسير ابن كثير (1/529).
(16) تفسير الطبري (3/588، 589).
(17) رواه مسلم في الزهد والرقائق (3005)، عن صهيب.
(18) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (28/540).
(19) فتح القدير للشوكاني (1/222)، نشر دار ابن كثير، ودار الكلم الطيب، دمشق، ط 1، 1414هـ.
(20) تفسير المنار (2/172)، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990م.