2026-06-22
135
الهجرة طلبًا للأمن
هل يجوز للمسلمين المضطهدين في بلادهم، والذين يعانون من البطش والاضطهاد والأذى والسجن والتعذيب ونحو ذلك: أن يتركوا أوطانهم ويهاجروا إلى بلاد أخرى؟
(ج. ل. خ)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذا أمر جائز بغير شك، إذا خاف الإنسان على نفسه من الإيذاء والتعذيب، ومن السجن بغير حق: يجوز له أن يهاجر، بل إذا لم يجد القدرة على إقامة شعائر الدين، وإذا كان لا يستطيع أن يصلِّي في بلده، أو كان يُجبر على أن يشرب الخمر، أو يرتكب ما لا يجوز: يجب عليه أن يهاجر، فأرض الله واسعة،﴿يَٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌۭ فَإِيَّٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾[العنكبوت: 56]، ﴿قُلْ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةٌۭ ۗ وَأَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍۢ﴾[الزمر: 10].
وفي سورة النساء نقرأ قول الله تعالى:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾[النساء: 97]، ﴿ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ﴾، معنى ذلك أنَّهم ببقائهم حيث لا يستطيعون إقامة شعائر دينهم، ارتكبوا ما لا يحل لهم، ولا يقبل منهم ولا يجوز، فظلموا أنفسهم بذلك، فالملائكة تسألهم عن سبب ذلك:﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾؟ قالوا:﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا ٩٧ إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًۭ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًۭا ٩٨ فَأُو۟لَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًۭا﴾[النساء: 97 ـ 99].
فهؤلاء المستضعفون يجب عليهم أن يهاجروا إلى أرض الله الواسعة، متى أتيح لهم ذلك، في عصرنا قد لا تتاح الهجرة؛ لأنَّ البلاد لم تعد مفتوحة، كان الإنسان في الزمن الماضي يستطيع أن يحمل متاعه على ظهره أو على دابته، ويذهب في الآفاق، إلى أرض الله الواسعة، وينتقل من بلد إلى بلد، ولم يعد ذلك ممكنًا الآن، سيُوقف عند الحدود ويُسأل: هل عنده تأشيرة الدخول أم لا؟ ولو تحصَّل على تأشيرة دخول يدخل مدة معينة، وبعد ذلك لا يُباح له البقاء، إلَّا إذا أخذ إقامة، أو يطلب اللجوء السياسي، إذا كان فارًّا من ظلم واضطهاد، وهذا قد يُجاب طلبه، وقد لا يُجاب.
لكنَّ الإنسان عليه أن يسعى، كما قال الشاعر(1):
وَإِذَا البِلَادُ تنكَّرت لك حالُها
فدعِ البلادَ وأَسْرِعِ التحويلَا
ليس المُقامُ عليك فرضًا واجبًا
في موطنٍ يدع العزيزَ ذليلَا
لماذا تُذل نفسك في هذا الموطن؟ والنبيُّ ﷺ يقول: «لا ينبغي لمسلمٍ أن يُذِلَّ نفسه». قيل: وكيف يُذِلُّ نفسه؟ قال: «يتعرَّض من البلاء لما لا يُطيق»(2). فلا يجوز للإنسان أن يبقى في مكان يُحَمِّل نفسه فيه من البلاء ما لا يطيق، إذا وجد الفرصة للهجرة والفرار بنفسه وأهله: يفر بنفسه وأهله، وأحيانًا لا يجد الفرصة للفرار إلَّا بنفسه، فيفر بنفسه. ومتى استطاع ذلك فليفعل، إذا لم تكن وراءه مسؤولية، والله تعالى يقول:﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًۭا كَثِيرًۭا وَسَعَةًۭ ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا﴾[النساء: 100].
فعلى الإنسان أن يسعى سعيه، ويبذل جهده، عندما يُظلم أو يضطهد، أو يحال بينه وبين إقامة دينه، عليه أن يهاجر في بلاد الله الواسعة ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، إلَّا من عجز، كما قال الله:﴿إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًۭ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًۭا ٩٨ فَأُو۟لَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًۭا﴾[النساء: 98 ـ 99].
(1) ذكره من غير نسبة: الخالديان في حماستهما صـ 68، تحقيق د. محمد علي دقة، نشر وزارة الثقافة، الجمهورية العربية السورية، 1995م.
(2) رواه أحمد (23444)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. والترمذي (2254)، وقال: حسن غريب. وابن ماجه (4016)، كلاهما في الفتن، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع (7797)، عن حذيفة.