2026-06-22
115
فرض قوانين الدولة الإسلاميَّة على الأقليَّات وحرمانهم من الوظائف
من الأمور الَّتي يذكرها الحداثيون والعلمانيون: أنَّ الدولة الإسلاميَّة حين تقوم، يترتب على قيامها الجَور على حقوق الأقليَّات الدِّينية (المسيحيَّة خاصَّة) بسبب طبيعتها الإسلاميَّة؛ وذلك من خلال فرض أحكام وقوانين دينيَّة عليهم، ممَّا توجبه الشريعة الإسلاميَّة الَّتي لا يؤمنون بها، وحرمانهم من وظائف معيَّنة، مباحة للمسلمين.
أرجو من فضيلتكم التكرم ببيان حكم الإسلام في هذه القضايا، وبارك الله فيكم وفي جهودكم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
1 ـ فرض القوانين الدِّينية:
أمَّا ما يقال عن فرض الأحكام والقوانين الدِّينية على غير المسلمين في المجتمعات الإسلاميَّة، فهذا يحتاج إلى بيان.
إنَّ الأحكام والقوانين الدِّينية لا تفرض أبدًا على غير المسلمين، فلا تفرض عليهم الأحكام المتعلِّقة بالعبادات والفرائض الدِّينية، من الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها.
حتى الزكاة لم يفرضها الإسلام عليهم؛ لأنَّ فيها معنى العبادة، ومعنى الحق المالي، فراعى جانب العبادة فيها، ولم يفرضها عليهم، احتياطًا في رعاية شعورهم.
وإن كان لي رأي في الموضوع: أنَّه لا مانع من أن تفرض عليهم ضريبة مساوية للزكاة، تُسمَّى «ضريبة التكافل» توحيدًا للمعاملة المالية بين أبناء الوطن الواحد. وقد وضَّحت ذلك بأدلته في كتابي فقه الزكاة(1).
وممَّا يلحق بالقوانين الدِّينية: القوانين الخاصة بالأحوال الشخصية من الزواج والطلاق والمواريث وغيرها، فهذه تعامل معاملة الأمور الدِّينية الخالصة، ونترك لهم حرية تنظيمها وتقنينها بما يتناسب وعقائدهم. وقد أمرنا أن نتركهم وما يدينون.
وممَّا سجَّله التاريخ الإسلامي: أنَّ المسيحيين كانت لهم محاكمهم الخاصة، وفيها قضاة منهم، تفصل بينهم وفقًا لأحكام ملَّتهم.
أمَّا القوانين المدنيَّة والجنائية وغيرها، فيجري عليهم فيها ما يجري على المسلمين، تسوية بين أهل البلد الواحد.. والحكم هنا يدور مع الأكثرية، كما تقضي بذلك مبادئ الديمقراطيَّة، بشرط ألَّا تجور الأكثريَّة على حقوق الأقليَّة.
وأعتقد أنَّ رجوع المسيحيين إلى قوانين الأكثريَّة المسلمة: لا يتعارض مع أي معتقد عندهم، وخصوصًا أنَّ المسيحيَّة لا تحتوي على تشريعات ملزمة لهم، ويستوي عندهم أن يكون القانون الَّذي يحكمهم: قانون نابليون أو قانون محمد ﷺ .
بل أرى أنَّ قانون محمد في الواقع: أقرب إليهم من قانون نابليون لأمرين:
الأول: أنَّ قانون محمد قانون يراعي القيم الأخلاقيَّة، والمثل العليا، الَّتي جاء بها رسل الله جميعًا، وحرصت عليها كل رسالات السماء، ومنها رسالة المسيح؛ بخلاف قانون نابليون، الَّذي تغلب عليه النزعة النفعية والماديَّة والدنيوية.
والثاني: أنَّ قانون محمد أو قانون المسلمين قانون نابع من المنطقة نفسها، معبِّر عنها وعن حاجاتها ومطالبها، معالج لمشكلاتها، فهو منها وإليها؛ بخلاف قانون نابليون المستورد من خارج المنطقة، ولا صلة له بثقافتها ولا بحضارتها، ولا بمفاهيمها ولا بتقاليدها.
وأخيرًا أقول: إنَّ مصلحة غير المسلمين: أن يحتكم المسلمون إلى شريعتهم الَّتي تتجلَّى فيها طاعتهم لربهم، وإذعانهم لحكمه؛ فهذا أدعى أن يرعوا فيها حقوق النَّاس وحدود الله تعالى.
وبهذا يأخذ غير المسلمين أحكام الشريعة على أنَّها قانون عادي، ويأخذها المسلمون على أنَّها تنفيذ لشرع الله، وامتثال لأمر الله، وفي هذا من الخير ما فيه.
هذا مع ملاحظة: أنَّ بعض القوانين الجنائية المفروضة على المسلمين، لا تفرض على غيرهم، مثل عقوبة شرب الخمر؛ لأنَّها غير محرَّمة في دينهم. وهناك خلاف في تطبيق بعض الحدود على غير المسلمين. وأنا أرى هنا: الأخذ بالأيسر والأوسع في هذا المجال.
2 ـ الحرمان من الوظائف:
وأمَّا حرمان الأقليَّة الدِّينية من وظائف الدولة، فنودُّ أن نبيِّن هنا: أنَّ وظائف الدولة أنواع ومستويات.
فمنها: وظائف لها طابع ديني، لا يفكر المسيحي ولا اليهودي أن يكون له حظ فيها، مثل وظائف الإمامة والخطابة والأذان وخدمة المسجد، ونحو ذلك.
ومثل ذلك: الوظائف المتعلِّقة بأركان الإسلام الأخرى، مثل: الزكاة والحج وغيرها. وإن كان هناك من الفقهاء من أجاز للذمي أن يكون من «العاملين» على الزكاة، ويأخذ أجرته منها، وهذا قمة في التسامح(2).
وهناك وظائف تحتاج إلى تخصُّص في الشريعة وفقهها، مثل «القضاء» فلهذا اشترط الفقهاء فيما مضى: أن يكون القاضي مسلمًا، إذْ لا بدَّ له أن يكون عالمًا بالقرآن والسُّنَّة، عالمًا بالفقه وأصوله. وهذا ممَّا يتعسَّر ـ إن لم يتعذر ـ على غير المسلم.
وقد يتغيَّر الاجتهاد في عصرنا الَّذي أصبح فيه القضاء جماعيًّا، وغدت فيه المحكمة تتكون من عدة قضاة، وهنا يمكن أن يُقال: لا مانع من أن يكون بعض القضاة من غير المسلمين، إذا مَلَك من المؤهلات ما يمكِّنه من هذا.
على أن يترك القضاء في الأحوال الشخصية للقضاة المسلمين، لما ذكرنا: أنَّ هذه الأحوال لصيقة بالجانب الدِّيني، ولهذا قلنا: يجب أن تكون لغير المسلمين فيها محاكمهم الخاصة.
وقد تثار هنا قضية رئاسة الدولة، وهل تحرم منها الأقليَّة؟
والواقع أنَّ الدولة في الإسلام: دولة عقائدية، دولة فكرة ورسالة، وهي موصولة بالدِّين، غير منفصلة عنه.. ومن أوَّل مسؤولياتها: التمكين لدين الله، والذود عنه، ورئاسة الدولة في الإسلام لها اختصاصات ذات علاقة بالشأن الدِّيني، وبعضها لا يجوز أن يقوم به إلَّا مسلم، مثل إمامة النَّاس في الصلاة، فالإمام أو الحاكم المسلم هو إمام النَّاس في الصلاة، وقائدهم في المواجهة، وقاضيهم في الخصومات، والنائب عن رسول الله في حراسة الدِّين وسياسة الدُّنيا به، كما قال العلماء؛ فهو المسؤول الأول عن حمل الإسلام: عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة، دعوة ودولة، قرآنًا وسلطانًا، دينًا ودنيًا. كما قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾[الحج: 41]، فجعل أوَّل أعمال الممكَّنين في الأرض: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وهذا شأن المسلمين.
ولا مانع من أن يكون أحد نائبي الرئيس أو نوابه من غير المسلمين، وخصوصًا إذا كانت الأقليَّة غير المسلمة كبيرة، كما هو حاصل في السودان اليوم.
وما عدا هذا المنصب الحسَّاس، فالمجال مفتوح لغير المسلمين في كل ما يحصِّلون شروطه، ويمتلكون مؤهلاته. ومن ذلك منصب «الوزارة» كما ذكر الإمامان: أبو الحسن الماوردي، وأبو يعلى الفرَّاء في «الأحكام السلطانيَّة» من تولِّي أهل الذمَّة «وزارة التنفيذ»(3). وهناك بعض الوزارات لها حساسيات واعتبارات معيَّنة، مثل: وزارة الدفاع، ووزارة الداخلية.
المهم هنا هو توافر الثقة بين الجميع، فإذا توافرت، وشاع جو الأخوة والتسامح بين أبناء الشعب الواحد: انحلت كل المشكلات.
وقد رأيت الأستاذ فارس الخوري المسيحي السوري، يرأس مجلس وزراء سوريا فترة من الزمن، وكان من أفضل رؤساء الوزارات، وكان الوزراء المسلمون على تعاون كامل معه، وكان جمهور المسلمين راضيًا عنه. وكان من أكثر النَّاس إيمانًا بوجوب تطبيق الشريعة الإسلاميَّة، وأنَّها وحدها القادرة على حلِّ مشكلات العصر، وقطع دابر الجرائم، وقد نقلت بعض أقواله في كتابي: «بيِّنات الحل الإسلامي وشبهات العلمانيِّين والمتغرِّبين»(4).
(1) انظر كتابنا: فقه الزكاة (1/116 ـ 121)، نشر مكتبة وهبة، القاهرة، ط 25، 1427هـ ـ 2006م.
(2) انظر: المغني (2/488)، وانظر: فقه الزكاة (2/597).
(3) الأحكام السلطانية للماوردي صـ 58، نشر دار الحديث، القاهرة، والأحكام السلطانية لأبي يعلى صـ 32، تحقيق محمد حامد الفقي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، 1421هـ ـ 2000م.
(4) بينات الحل الإسلامي صـ 238 ـ 239، نشر مكتبة وهبة، القاهرة، ط 5، 1434هـ ـ 2013م.