2026-06-22
43
مواطنون أم أهل ذمة؟
هل يمكن اعتبار الأقليَّات في الدولة الإسلاميَّة من «أهل الذمَّة»؟ وهذا يعني تهميشهم في المجتمع، والنظر إليهم نظرة دونية. وهل تفرض الجزية عليهم كما أمر القرآن:﴿حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَٰغِرُونَ﴾[التوبة: 29].
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
من الضروري هنا: أن نناقش بإيجاز هذه الدعاوى، ونرد عليها واحدة واحدة، بالأدلة الشرعيَّة المستقاة من المنابع الصافية، المؤيدة بالمنطق العلمي السليم.
1 ـ مسألة أهل الذمة:
أمَّا مسألة «أهل الذمَّة» فالذمَّة معناها: الضمان والعهد، أي أنَّهم في ضمان الله ورسوله وجماعة المسلمين وعهدهم، لا يجوز دينًا إخفار ذمتهم، أو نقض عهدهم المؤبَّد، الَّذي يصون حرماتهم، ويحفظ دينهم وأنفسهم، وأعراضهم ونسلهم، وعقولهم وأموالهم. والأصل في ذلك هو القاعدة الَّتي يتناقلها المسلمون خاصتهم وعامتهم: لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، أي في الجملة. وقد فصَّلنا حقوق أهل الذمة وواجباتهم في كتابنا: «غير المسلمين في المجتمع الإسلامي» فليراجعْ(1).
ومع هذا، إن كان هذا المصطلح «أهل الذمَّة» يعطي انطباعًا غير حسن عند إخواننا المسيحيين ويستاؤون منه، فإنَّ الله لم يتعبَّدْنا به، ويمكننا أن نستبدل به مصطلح «المواطنة» و«المواطنين».
وممَّا يؤيد ذلك: أنَّ فقهاء الشريعة في جميع المذاهب، اعتبروا أهل الذمَّة من «أهل دار الإسلام» ومعنى «أهل الدار»: أي أهل الوطن، بمعنى أنَّهم مواطنون مشتركون مع المسلمين في المواطنة.
2 ـ مسألة الجزية(2):
وأمَّا مسألة «الجزية» فقد كانت غايةً للقتال:﴿حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَٰغِرُونَ﴾[التوبة: 29]، ومعنى الصغار هنا: خضوعهم لدولة الإسلام، والتزامهم بأحكامه المدنيَّة، ودلالة ذلك: دفع هذا المبلغ الزهيد الَّذي يعبِّر عن إذعانهم لسلطان الدولة. وفي مقابله تقوم الدولة بحمايتهم والدفاع عنهم، والكفالة المعيشية للعاجزين منهم، كما فعل سيدنا عمر حين فرض ليهودي محتاج، ما يكفيه وعياله من بيت مال المسلمين(3).
وقد كانت هذه الجزية بدلًا من فريضة الجهاد، وهي فريضة دينيَّة تعبدية، فلم يُرِد الإسلام ـ لفرط حساسيته ـ أن يفرض على غير المسلمين ما يعتبره المسلمون عبادة وقربة دينيَّة، بل أعظم القربات عند الله.
ولقد طلبت قبيلة «تَغْلِب» العربية الكبيرة ـ وهي تدين بالنصرانية ـ من أمير المؤمنين عمر: أن يسقط عنهم «الجزية»؛ لأنَّهم قوم عرب يأنفون من قبول كلمة «جزية» وليأخذ منهم ما يشاء باسم الزكاة أو الصدقة(4) (قبلوا دفع الضِّعْف)، وقد تردَّد في أوَّل الأمر، ثم قَبِل ذلك؛ لأنَّ المقصود أن يدفعوا للدولة ما يثبت ولاءهم ومشاركتهم لها في الأعباء. ومن هنا رأى أنَّ العبرة بالمسمَّيات والمضامين، لا بالأسماء والعناوين.
وهو اجتهاد عُمَري يجب اعتماده في هذه القضية وفي أمثالها. وهو ما جعله 3 يغضُّ الطرف عن هذا المصطلح الَّذي جاء في القرآن، ما دام قد حقق المقصود منه، فكيف بمصطلحات لم تجئ في قرآن ولا سنة؟!
وقد قرَّر الفقهاء أنَّ الذمي إذا شارك في الدفاع ومحاربة الأعداء؛ سقطت عنه الجزية.
واليوم بعد أن أصبح التجنيد الإجباري مفروضًا على كل المواطنين ـ مسلمين وغير مسلمين ـ لم يعد هناك مجال لدفع أيِّ مال، لا باسم جزية، ولا غيرها.
(1) غير المسلمين في المجتمع الإسلامي صـ 17 ـ 50، نشر مكتبة وهبة، القاهرة، ط 7، 1434هـ ـ 2013م.
(2) للمزيد راجع ما ذكرناه في كتابنا: نحن والغرب أسئلة شائكة وأجوبة حاسمة صـ 26 ـ 33، نشر دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، ط 1، 2006م.
(3) انظر كتابنا: غير المسلمين في المجتمع الإسلامي صـ 24، والأثر سبق تخريجه صـ 129.
(4) رواه أبو عبيد في الأموال صـ 650، وابن زنجويه في الأموال (3/1211)، تحقيق شاكر ذيب فياض، نشر مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، السعودية، ط 1، 1406هـ ـ 1986م.