2026-06-22
145
أسئلة من اليابان
نحن مجموعة من المسلمين المهاجرين إلى «اليابان» نعمل في مؤسسات أو شركات يابانية مختلفة، ويدعونا زملاؤنا أو رؤساؤنا في العمل، أو جيراننا في السكن إلى حفلاتهم الَّتي يقيمونها بمناسبات شتى، ونجد من المناسب أن نقبل دعوتهم، توثيقًا لعُرى المودة بيننا وبينهم، وتمهيدًا لدعوتهم إلى الإسلام، وتحبيبه إليهم عن طريق المعاشرة بالحسنى.
ولكنَّ المشكلة تكمن في أنَّهم يقدِّمون الخمر للمدعوين، ويعتبرون هذا من التكريم لهم، وهم يعلمون أنَّنا لا نشرب الخمر، فلا يقدِّمونها لنا، احترامًا لقيمنا ومشاعرنا.. فهل مشاركتنا في هذا الاحتفال، بما قد يترتب عليها من جلوس على مائدة يدار فيها الخمر: أمر جائز شرعًا لما وراءه من مصالح، أو هو حرام وممنوع لحضور مجالس الخمر، المنهي عنه بالحديث الشريف: «من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر، فلا يجلسْ على مائدة يدارُ عليها الخمر»(1)؟
أفتونا في هذه القضية، وأضيئوا لنا الطريق بما فتح الله عليكم.
وجزاكم الله عنَّا خيرًا.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فأحيِّي في الإخوة السائلين نيَّاتهم الطيبة، وبواعثهم الخيرة، وأجيب عن سؤالهم، وبالله التوفيق.
المحرمات في الإسلام أنواع:
مُحَرَّم لا يباح بحال:
1 ـ نوع لا يحل في أي حالة من الحالات، لا في ضرورة ولا غير ضرورة، مثل ما جاء في قوله تعالى:﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَٰلَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ﴾، إلى آخر الآية الكريمة[النساء: 23].
فهذه المحرمات دائمة مؤبدة، لا يجوز يومًا ولا في أي حالة أن يتزوج المرء أمه أو بنته أو أخته أو غيرها من محارمه؛ وهذا أمر مقرر بالإجماع، ومعلوم من الدين بالضرورة.
مُحَرَّم لا يباح إلَّا في ضرورة:
2 ـ ونوعٌ ثانٍ يحرم في حال الاختيار، ولا يحل إلَّا في حالة الضرورة وهو ما حرِّم لذاته. مثل ما ذكر في قوله تعالى:﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ﴾[البقرة: 173]، فهذه الأطعمة الأربعة محرَّمة لذاتها.
وقد تكرَّر هذا المعنى في أربع سور من القرآن: سورتان مكيتان: الأنعام والنحل، وسورتان مدنيتان: البقرة والمائدة. أجازت كلها تناول هذه الأطعمة المحرَّمة للضرورة.
والضرورة: ما لا يعيش الإنسان إلَّا به، وإذا تركه تعرَّض للهلاك.
محرَّم يباح عند الحاجة:
3 ـ والنوع الثالث والأخير من المحرَّمات، هو: ما لم يحرَّم لذاته، وإنَّما حرِّم لسدِّ الذريعة إلى غيره من المحرمات، مثل تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبيَّة والنظر إليها بشهوة، واللباس المتبرج، ونحوها، سدًّا لذريعة الوقوع في فاحشة الزنى، وتحريم ربا الفضل سدًّا لذريعة الوقوع في ربا النسيئة، وتحريم كتابة عقد الربا والشهادة عليه، سدًّا لذريعة فعل الربا نفسه، وتحريم حمل الخمر وسقيها وبيعها والجلوس على موائدها، سدًّا لذريعة الوقوع في شربها.
وهذه المحرَّمات لسدِّ الذريعة تباح للحاجة، وهي أخف من الضرورة؛ فالضرورة لا يعيش الإنسان بغيرها، والحاجة يمكنه أن يعيش بدونها، ولكن مع حرج ومشقة.
ونظرًا لخفَّة هذا النوع من التحريم فقد أجيز للحاجة ودفع المشقة أو رفعها.
وعلى هذا الأساس نقول للإخوة السائلين: إنَّ حضور مجالس الخمر، أو الجلوس على مائدة يُدار عليها الخمر في تلك الأحفال الَّتي يدعى إليها المسلم، هي من نوع المحرَّم لسدِّ الذريعة وليس لذاته كشرب الخمر.. ومن ثم يجوز لحاجة التآلف مع القوم، وتوثيق الروابط بينهم وبين المسلمين، وإخراج المسلمين من سجن العزلة، حتَّى يكون لهم حضور وتأثير في المجتمع.
ولا يُقال هنا: إنَّ درء المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة؛ لأنَّ هذا يقال في المفسدة الواقعة، لا في المفسدة المتوقعة، وهي الَّتي وقع التحريم سدًّا للذريعة إليها.
والمسلم الملتزم يبعد أن يقع في مفسدة شرب الخمر إذا حضر مجالسها، وخصوصًا إذا حضرها بروح الداعية، وبنية تأليف القلوب، وتحبيب الإسلام إلى الناس؛ فالمصلحة وراء حضوره محققة، والمفسدة مستبعدة على مثله.
وهذه قاعدة مهمة تفيد في حل إشكالات كثيرة، مثل الإقامة في بلاد الكفر، وما ورد فيها من أحاديث قد يفيد ظاهرها التحريم؛ فهذا التحريم لسدِّ الذريعة؛ فهو يجوز للحاجة.
وأعتقد أنَّ الحاجة ماسَّة إلى «وجود إسلامي» مؤثر في اليابان كما في أوربا وأمريكا، وغيرها، وهذه الحاجة تبيح للمسلم البقاء في تلك الديار، إذا استطاع أن يحافظ على شخصيته الإسلاميَّة، في نفسه وأهله وذريته، بالتعاون مع إخوانه المسلمين.
(1) سبق تخريجه صـ 14.