انخراط الأقليَّات الإسلاميَّة في الحياة السياسيَّة الغربيَّة

❓ انخراط الأقليَّات الإسلاميَّة في الحياة السياسيَّة الغربيَّة

📅 2026-06-22 👁 115 مشاهدة

نص السؤال:

هل تكتفي الأقليَّات في حياتها بالدِّين وتنعزل عن السياسة؟ أو تتمسك بالدِّين وتنخرط في السياسة؟ وإذا دخلت في السياسة فهل تدخل فيها مشاركة لغيرها من الأحزاب، أو مستقلة بذاتها؟
وجزاكم الله خيرًا، ودمتم للإسلام والمسلمين.
إخوتكم وأبناؤكم في الجالية الإسلاميَّة بأوربا
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
إنَّ مزية الشريعة الإسلاميَّة: أنَّها شريعة واقعية، تراعي حاجات الإنسان ومطالبه، روحية كانت أو ماديَّة، دينيَّة كانت أو سياسيَّة، ثقافية كانت أو اقتصادية، سواء كان يعيش في المجتمع المسلم أم خارج المجتمع المسلم، وأنَّها في كل ما شرعته من أحكام: تيسِّر ولا تعسِّر، وترفع الحرج، وتمنع الضرر والضرار، ولا سيَّما من يعيش خارج المجتمع المسلم، فهو أولى بالتخفيف ورعاية الحاجات.
ومن حاجة الأقليَّة المسلمة: أن تعيش متمسكة بدينها وعقيدتها، وشعائرها وقيمها وآدابها، ما دامت لا تؤذي غيرها، وأن تندمج في المجتمع الَّذي تحيا فيه، تُنتج وتُبدع، وتبني وترقّي، وتُشارك في كل أنشطته: تفعل الخير، وتُشيع الهداية، وتدعو إلى الفضيلة، وتقاوم الرذيلة، وتؤثِّر في المجتمع بالأسوة والدعوة ما استطاعت، ولا تذوب فيه، بحيث تفرِّط في مقوماتها وخصائصها العقائدية والدِّينية.
وليست كل الأقليَّات الإسلاميَّة مهاجرة، فبعضها من أهل البلاد الأصليين، كلهم أو بعضهم؛ حتَّى يقول بعض الناس: يجب أن يعودوا إلى ديارهم.
ولهذا تحتاج الأقليَّة في أي بلد إلى أصوات تعبِّر عنها في المجالس التشريعية والبلدية، وتدافع عن حقوقها، حتَّى لا تصدر تشريعات تجور عليها، وتحرِّم عليها ما أحلَّ الله، أو تعوقها عن أداء ما فرض الله، أو تلزمها بأمور ينكرها الشرع.
ومن الخير وجود مسلمين منتخبين في هذه المجالس ـ مستقلين أو منضمين إلى حزب معيَّن ـ يعملون للذود عن حرماتهم، والمحاماة عن حقوقهم، باعتبارهم أقليَّة، لهم الحق في ممارسة حياتهم الدِّينية، وشعائرهم التعبُّدية، بما لا يضرُّ الآخرين، وهم سيستميلون معهم وإلى صفهم الأحرار والمنصفين، الذين يناصرون العدل والحرية في كل زمان ومكان.
قواعد شرعيَّة مرشدة:
وعندنا هنا جملة قواعد شرعيَّة ترشدنا في هذه المسيرة:
1 ـ قاعدة «ما لا يتمُّ الواجب إلَّا به فهو واجب» فإذا كان حصول المسلمين على حقوقهم الدِّينية والثقافية وغيرها، لا يتم إلَّا بالمشاركة في السياسة، ودخول الانتخابات، فإنَّ هذا يصبح واجبًا عليهم.
2 ـ قاعدة «الأمور بمقاصدها» وهي قاعدة متفق عليها، مأخوذة من الحديث المشهور: «إنَّما الأعمال بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى»(1). ومن نصوص أخرى كثيرة، فمن قصد بالمشاركة السياسيَّة: الدفاع عن حقوق المسلمين، وحريتهم الدِّينية، وهويتهم الثقافية، ومصالحهم الجماعية، وكذلك المساهمة في الخير العام للجماعة كلها، فهو مأجور على ذلك عند الله، ومحمودٌ عند المسلمين.
3 ـ قاعدة «سدِّ الذرائع» فإذا كان اعتزال الأقليَّة للسياسة، وعدم مشاركتها فيها، يشكِّل خطرًا على وجودهم الدِّيني والجماعي، ويجعلهم مهمَّشين، ويحرمهم من مزايا كثيرة، ويوقعهم في مآزق ومفاسد؛ قد يعرف أولها ولا يعرف آخرها، فإنَّ من المطلوب منهم: أن يسدُّوا الذرائع إلى هذه الأخطار، ويتوقَّوْا هذه المفاسد والآفات، وفي الحديث: «مَن يتَّقِ الشرَّ يُوقَه»(2).
4 ـ قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات، والحاجة تُنَزَّل منزلة الضرورة، خاصَّة كانت أو عامَّة» فإذا كان بالجماعة المسلمة في غير المجتمعات الإسلاميَّة ضرورة أو حاجة، إلى من يدافع عن حقوقها في بلاد الديمقراطيات، وكان من وراء ذلك بعض ما يُخشى من المحظورات؛ مثل القسم على احترام الدستور ـ الَّذي قد يتضمن ما يخالف الشرع ـ ونحو ذلك، ممَّا يتحرَّج منه بعض المتدينين، فإنَّ هذا الحظر يُرفع بحكم الضرورة أو الحاجة: ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 173].
5 ـ قاعدة «المصالح المرسلة» وهي المصالح الَّتي لم ينص الشرع على اعتبارها ولا إلغائها، ولكنَّها إذا عرضت على العقول تلقَّتها بالقَبول، وتحقِّق فائدة، ماديَّة أو معنويَّة للجماعة المسلمة. وقد اعتبرها الصحابة في كثير من الأمور، المهم ألَّا تصادم نصًّا قطعيًّا، ولا قاعدة شرعيَّة قطعية، وأن يكون فيها للجماعة المسلمة نفع حقيقي لا متوهم!
وفي ضوء هذه القواعد: نرى أنَّ الأولى بالمسلمين أن يشاركوا في السياسة، تحقيقًا لمصلحتهم الدِّينية والجماعية، ودرءًا للأخطار والمفاسد عنهم، ولا سيَّما أنَّهم إذا تركوا السياسة فإنَّ السياسة لا تتركهم.
يستطيع المسلمون أن ينشئوا حزبًا يطالب بحقوقهم وحقوق غيرهم إذا كان لهم عدد وقوة وقدرات تكفي لقيام حزب مستقل، وكان الدستور والقانون يسمحان لهم بذلك.
ويمكن للمسلمين أن يُقدِّموا برنامجًا للإصلاح والترشيد، مقتبسًا من أصول فكرتهم الإسلاميَّة، ومطعَّمًا بالنظرة والتجربة الغربيَّة وما فيها من آفاق جديدة، تتفق مع مقاصد الشريعة وروح الإسلام.
ولا مانع أن ينضم إلى هذا الحزب أعضاء من غير المسلمين، فهو مقدَّم للمسلمين خاصَّة، وللمواطنين عامة.. والمفترض في النظام الإسلامي: أنَّه يقدِّم الخير والمصلحة الحقيقية للناس كافة، مسلمين وغير مسلمين.
ويمكن للمسلمين أيضًا: أن ينضمُّوا إلى أحد الأحزاب الموجودة والمؤثرة، مرجحين أي الأحزاب أقرب إلى مبادئهم وقيمهم، فيؤثرونه على غيره، أو أنَّه أقرب إلى مصالحهم والحفاظ على كيانهم وهويتهم، وفي ذلك يجب أن تقدَّم دراسات، وتقوم مناقشات حرة، لتختار المجموعة المسلمة ما هو الأصلح لها على نور وبيِّنة.
وقد ترى أنَّ مصلحتها أن تتوزع بين الأحزاب، ولا تنخرط المجموعة كلها في حزب واحد، فإذا سقط هدَّت مصلحتها كلها.
وبالله التوفيق.
← العودة لقسم 3- السياسة والحكم