2026-06-22
29
حكم قتل الوزيرة الباكستانيَّة
ورد إلينا سؤال من الصحفية (Barbara Bibbo) من جريدة (Gulf News) في باكستان حول مقتل الوزيرة الباكستانية «بناظير بوتو» يوم الخميس 17 من ذي الحجة 1428هـ الموافق 27 ديسمبر 2007م. وأنَّ من قتلها قال: إنَّه فعل ذلك باسم الدين! فكان الجواب كالتالي:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أولًا: من حق المرأة أن تشتغل بالسياسة، وأن تعمل لخدمة وطنها، وأن تبدي رأيها في القضايا العامة، شأنها شأن الرجل في ذلك، فإنَّ هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما قرره القرآن الكريم بوضوح حين قال:﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾[التوبة: 71]. وفي الحديث: «إنَّما النساءُ شقائقُ الرجال»(1).
وليست السياسة في ذاتها أمرًا منكرًا، ولا شرًّا أخلاقيًّا، إنَّما ينكر من السياسة: إغفالها للجانب الأخلاقي، واعتمادها الكذب والمراوغة، وهذا ينكر على الرجال والنساء جميعًا.
وقد أفتينا منذ سنين(2) بأنَّ من حق المرأة أن تصوِّت في الانتخابات، وأن ترشِّح نفسها في مجالس النواب والشورى، ولا يوجد في الشرع ما يمنع من ذلك، كما لا يوجد ما يمنع من توليها المناصب الإدارية والسياسيَّة، أعني: لا توجد نصوص صحيحة صريحة، وإن كانت توجد أقوال لمجتهدين يُؤخذ منها ويُترك. كل ما يعتمد عليه خصوم المرأة، هو: حديث: «لن يفلح قومٌ ولَّوْا أمرَهم امرأة»(3) وهذا له مناسبته.
وقد ذكر القرآن الكريم امرأةً حكمت قومها، وقادتهم بالحكمة وحسن السياسة، إلى خيْرَي الدُّنيا والآخرة، وهي ملكة سبأ الَّتي ذكر القرآن قصتها في سورة النمل.
والمحظور بالنسبة للمرأة هو الخلافة العُظْمى؛ كما ذكر أبو محمد بن حزم، وما عدا ذلك من المناصب ففيه مجال للاختلاف والترجيح. وقد أجاز الإمام أبو حنيفة للمرأة أن تتولى منصب القضاء في غير الحدود والجنايات، وأجاز لها الطبري والظاهرية تولي القضاء في كل المجالات.
ثانيًا: إنَّ هذا الرجل الَّذي أعطى نفسه حق الفتوى والقضاء والتنفيذ، قد جهل الشرع، وجهل الحكم في هذه القضايا، فلو أنَّ عمل المرأة في السياسة أمر يُنكر، فإنَّه لا يجيز القتل، والأصل في الدماء هو: العصمة والتحريم، والله تعالى يقول:﴿وَلَا تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾[الأنعام: 151].
وقد حدَّد الحق في أحاديث صحاح ليس فيها اشتغال المرأة بالسياسة.
ثالثًا: إنَّ من أشد الأشياء خطرًا على الأُمَّة أن يشيع فيها هذا النوع من الفكر المتطرف، الَّذي يعطي لأصحابه الحقَّ في أن يقابلوا الحكمة بالرصاصة، والرأي بالرشاش، وهذا ما ينكره الدين، كما تنكره القوانين، وتنكره الأخلاق والأعراف.
ونحذِّر أبناء أمتنا من الوقوع في هذه المهاوي، الَّتي ليس وراءها إلَّا الهلاك: هلاك الأفراد، وهلاك المجتمعات، وضياع الدين والدنيا معًا.
رابعًا: إنَّ الإسلام الحقيقي الَّذي ندعو إليه، ويدعو إليه معنا الدعاة الأصلاء، والحركات الإسلاميَّة العريقة، والمتمسكة بالمنهج الوسطي للأمة الوسط: براء من مثل هذا العمل الإجرامي، ولا ينبغي أن يُتَّهم الإسلام أو رجاله وحركاته بمثل هذه الأعمال؛ الَّتي يعلن الجميع إنكارها، وبراءتهم من فاعليها، ويجرِّمون كل من تجرَّأ على سفك دم معصوم بغير حقه. وقد قرَّر القرآن مع كتب السماء:﴿أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا﴾[المائدة: 32].
والله أعلم.
(1) رواه أحمد (26195)، وقال مخرِّجوه: حديث حسن لغيره. وأبو داود في الطهارة (236)، والترمذي (113)، وقال: وإنَّما روى هذا الحديث عبد الله بن عمر، عن عبيد الله بن عمر، وعبد الله ضعَّفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه. كلاهما في الطهارة، وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود (235)، عن عائشة.
(2) انظر كتابنا: من فقه الدولة في الإسلام صـ 161 ـ 176، فتوى ترشيح المرأة للمجالس النيابية، نشر دار الشروق، القاهرة، ط 6، 2009م.
(3) رواه البخاري في المغازي (4425)، عن أبي بكرة.