2026-06-03
779
موقف القرآن من الشعر والشعراء
يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ ٢٢٤ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍۢ يَهِيمُونَ ٢٢٥ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ٢٢٦ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾[الشعراء: 224 ـ 227]ـ ماذا قصد الله بالشعراء؟ وهل مصيرهم إلى النار؟ ولماذا يتبعهم الغاوون؟ وماذا قصدت الآية بـ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍۢ يَهِيمُونَ﴾؟
(ع. ع)
من الدوحة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذه الآيات جاءت في ختام سورة الشعراء، وجاءت للرد على من يتهمون النَّبيَّ ﷺ بأنَّه شاعر، فكما نعرف: القرآن الكريم حينما دمغ المشركين بحججه البينة، وآياته الدالَّة، ولم يستطيعوا أمام منطق الوحي، وأمام منطق القرآن أن يصنعوا شيئًا، أو يقولوا شيئًا، ظلُّوا يتَّهِمون النَّبيَّ ﷺ باتهامات شتَّى، كما قال القرآن: ﴿بَلْ قَالُوٓاْ أَضْغَٰثُ أَحْلَٰمٍۭ بَلِ ٱفْتَرَىٰهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌۭ فَلْيَأْتِنَا بِـَٔايَةٍۢ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: 5].
وكل هذا دليل على التخبُّط، وأنَّهم عاجزون أمام المنطق القويِّ، وأمام حُجج القرآن، فكان ممَّا قالوه أنه شاعر، وأنَّه كاهن، فالسورة نفت الأمرين معًا، نفت أنه كاهن، وقالت: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠ وَمَا يَنۢبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ٢١١ إِنَّهُمْ عَنِ ٱلسَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: 210 ـ 212]، وقالت: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢٢١ تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍۢ ٢٢٢ يُلْقُونَ ٱلسَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَٰذِبُونَ﴾ [الشعراء: 221 ـ 223]. فردت عليهم قولهم: إنَّ محمدًا كاهن من الكهَّان الَّذين تتنزَّل عليهم الجنُّ أو يتَّصلون بالجنِّ! ثم نفت تهمة أخرى، وهي أنَّ محمدًا شاعر، وأنَّ ما جاء به شعر، فقال لهم: انظروا إلى شخصية محمدٍ وإلى شخصية الشُّعَراء، الشُّعَراء يعيشون في أحلامٍ وأوهامٍ وخيالات، عوالم خيالية يصنعونها هم لأنفسهم، ﴿وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُۥنَ ٢٢٤ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍۢ يَهِيمُونَ ٢٢٥ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 224 ـ 226]. بينما محمَّد جاء بالحقائق الواضحة الصارمة، جاء بمنهج واقعي يواجه الحياة كما هي، فليس مهوِّمًا ولا محلِّقًا في الأحلام، انظروا إلى هذا وانظروا إلى ذاك، كما جاء في سورة يس: ﴿وَمَا عَلَّمْنَٰهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنۢبَغِى لَهُۥٓ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ وَقُرْءَانٌۭ مُّبِينٌۭ ٦٩ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّۭا وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ﴾ [يس: 69 ـ 70]. فالآية بيَّنت أن الشُّعراء يتَّبعهم الغاوون، وذلك أنَّ الشِّعْر هو عبارة عن تصوير لانفعالات معينة، ولحظات معيَّنة يعيش فيها الإنسان، لحظات وقتيَّة يعيش فيها الإنسان، فهو يصوِّر هذه الانفعالات وهذه اللحظات النفسية والعاطفية، ويستدل القرآن على ذلك فيقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ❁ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾، الشعراء عادة يهيمون في كلِّ وادٍ من أودية القول، أو أودية التصور، أو أودية الشعور، لا يحجزهم شيء، ولذلك أيضًا يقولون ما لا يفعلون، لا يلتزم أحدهم بأن يقول ما يفعله، حتَّى صار مشهورًا أنَّ أعذبَ الشِّعرِ أكذبُه.
من شعراء الرسول الله ﷺ :
وليس معنى هذا أنَّ الشِّعْر كلَّه هكذا، إنَّما هذه هي الصورة المعروفة، ولذلك استثنى القرآن من ذلك الشعراء الصالحين، فقال: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾، فهؤلاء يلتزمون الصدق، ويلتزمون الواقع، ولا يعيشون وراء الأحلام، ولا وراء الكذب، هؤلاء مستثنَوْن قطعًا.
وكان لرسول الله ﷺ شعراء، منهم كعب بن مالك، ولما أنزل الله تبارك وتعالى في الشعر ما أنزل، أتى كعبٌ النبيَّ ﷺ فقال: إن الله تبارك وتعالى قد أنزل في الشِّعْرِ ما قد علمتَ، وكيف ترى فيه؟ فقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ المؤمنَ يجاهدُ بسيفِه ولسانِه، والَّذي نفسي بيَدِه، لكأنَّ ما ترمونهم به نَضْحُ النَّبْل»(1).
ومنهم عبد الله بن رَوَاحة، فعن أنس قال: دخل النَّبيُّ ﷺ مكَّة في عمْرة القضاء، وابن رَواحة بين يديه يقول:
خلُّوا بني الكفَّارِ عن سبيلهِ
اليومَ نضربُكم على تأويلهِ
ضربًا يُزيل الهامَ عن مقيلِهِ
ويُذهلُ الخليلَ عن خليلِهِ
قال عمر: يا ابنَ رَوَاحة، في حرم الله، وبين يدَيْ رسول الله ﷺ تقول هذا الشِّعْرَ! فقال النَّبيُّ ﷺ : «خلِّ عنه، فوالَّذي نفسي بيده، لكلامُه أشدُّ عليهم من وقْعِ النَّبْلِ»(2).
ومنهم حسَّانُ بن ثابت، وهو أشهر شعراء الرسول، الَّذي قال له رسول الله: «اهجُهم ـ أو هاجِهم ـ وجبريلُ معك»(3).
فلا مانع أبدًا من قول الشعر في الإسلام، إنَّما الَّذي يعيبه الإسلام على الشعر، هو بعده عن الواقعية.
والإسلام يحرِّم الشعر الَّذي يهيج الشهوات ويثير الغرائز، كما رأينا في عصور شتَّى، وكما نرى في عصرنا الشعر الَّذي يصور المرأة وكأنها عارية.
مجالات الشعر المباحة:
ولكنَّه يبيح مجالات كثيرة للشِّعْر من غير شك، ويدعو إلى مجالات أخرى للشعر، فهناك المجال الروحي، والنواحي الدينية، والدفاع عن الإسلام، والترحيب بمعاني البطولة، وحتَّى في النواحي العاطفية، هناك عاطفة الأمومة، والعلاقات الإنسانية، وعلاقة الزوج بزوجته، والأب بابنه وبنته، والأخ بأخيه وأخته، المجالات كثيرة للشِّعْر، فليس الشِّعْر المباح ما يكون في المجال الدِّيني فقط.
المهمُّ أن ينطلق الشِّعر من رؤية إسلامية واضحة، حتَّى يكون كلُّ الشِّعْر وكل الأدب إسلاميًّا، إذا نشأ عن تصوُّر إسلامي للكون وللحياة وللإنسان.
فليس مصير الشعراء كلِّهم إلى النَّار كما يقول الأخ، لا أبدًا، وإلا كان حسَّان وابن رواحة وكعب وغيرهم مصيرهم إلى النَّار، وقد رأينا في العصر الحديث من الشعراء من كان شعره دفاعًا عن الإسلام ودعوة إلى مبادئه وأفكاره، مثل محمَّد إقبال، الملقَّب بشاعر الإسلام، وله أشعار في منتهى القوَّة، أشعار ينقض فيها الحضارة الماديَّة، وأشعار يذكر فيها توحيد الله، وأشعار يمدح فيها رسول الله ﷺ ، وأشعار يتحدَّث فيها عن الإيمان.
ورأينا كذلك أحمد شوقي، وله أشعار جيدة، بعضها مدائح للنَّبيِّ ﷺ ، وبعضها تمجيد لمآثر الإسلام والمسلمين والمفاخر الإسلامية، وبعضها في مدح الأخلاق، وكذلك حافظ إبراهيم من أعظم قصائده العمرية، وهي قصيدة طويلة في مدائح عمر ومواقفه. وكثير من الشعراء في عصرنا نرى لهم أشياء جيدة جدًّا، فلا نستطيع أن نقول: إنَّ الشعراء مصيرهم إلى النار. فالأمر كما قال الإمام الشافعي 5 حينما سئل عن الشعر فقال: الشِّعرُ كلامٌ، فحسنُه حسنٌ، وقبيحُه قبيح(4). ففي الشِّعْر ما هو حسن، وفيه ما هو قبيح، وأحيانًا كثيرة يغلب القبيح الحسن، ولغلبة القبيح جاء القرآن وقال في الشِّعْر ما قال، وقد جاء في الحديث الصحيح: «إنَّ من البيان سِحْرًا، وإنَّ من الشِّعْرِ حُكْمًا»(5): أي حكمة. وجاء في الحديث الصحيح أيضًا: «أصدقُ كلمة قالها شاعرٌ، كلمةُ لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ. وكاد أُميَّة بن أبي الصَّلْتِ أن يُسْلِم»(6). فالشِّعْر أحيانًا قد يكون حكمة، وقد يقول الشاعر الحقَّ، وهناك من الشعراء من مجَّد هذا، فقد رأينا طَرَفَة بن العبد يقول:
وإنَّ أحْسَنَ بيتٍ أنت قائلُه
بيتٌ يقال إذا ما قُلْتَه صَدَقَا(7)
هذا لم يأتِ بناءَ على أنَّ أعذب الشِّعر أكذبُه، لا، بل على أنَّ الصدق مطلوب، لذلك الشِّعْر يشتمل على كثير من الحِكَم، فليس كلُّ الشعراء مصيرهم إلى النَّار.
والنبيُّ ﷺ استمع إلى شعر الخنساء، وقالوا: إنَّه استزادها، وقال لها: «هِيهِ يا خُنَيْس»(8). فلا مانع أبدًا من قول الشعر، ومن سماع الشِّعْر، ومن نشر الشِّعر إذا كان يلتزم المنهج الإسلامي، وهو منهج الصِّدْق والواقعية، والبعد عن الإسفاف، وهذا منهج الإسلام في الأدب بصفة عامَّة.
والله الموفق.
1. رواه أحمد (27174)، وقال مخرجوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وابن حبان في السير (4707)، والطبراني (19/75)، عن كعب بن مالك.
2. رواه النسائي (2893)، وابن خزيمة (2680)، كلاهما في المناسك، وابن حبان في الشعر (5788)، وقال الأرناؤوط: حديث صحيح. وصحَّحه الألباني في مختصر الشمائل (210)، عن أنس.
3. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في بدء الخلق (3213)، ومسلم في فضائل الصحابة (2486)، عن البراء بن عازب.
4. الأم للشافعي (6/224)، نشر دار المعرفة، بيروت، 1410هـ ـ 1990م.
5. رواه أحمد (2761)، وقال مخرِّجوه: صحيح لغيره. وأبو داود (5011)، والترمذي (2845)، وحسنه، وابن ماجه (3756)، ثلاثتهم في الأدب. والترمذي وابن ماجه الشطر الثاني منه، وحسنه الألباني في الصحيحة (1731)، عن ابن عباس.
6. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في المناقب (3841)، ومسلم في الشعر (2256)، عن أبي هريرة.
7. انظر: ديوان طرفة بن العبد صـ 57، تحقيق مهدي محمد ناصر الدين، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 3، 1423هـ ـ 2002م.
8. ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (4/1827) ترجمة (3317)، تحقيق علي محمد البجاوي، نشر دار الجيل، بيروت، ط 1، 1412هـ ـ 1992م.