المقالات

❓ سورة الكافرون براءة من الشرك

📅 2026-06-02 👁 567 مشاهدة

نص السؤال:

في سورة الكافرون تكرَّر قول الله 8 ﴿وَلَآ أَنتُمْ عَٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ[الكافرون: 3]، فما الحكمة من تكرار هذه الآية الكريمة؟

الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
هذه السُّورة الكريمة من قصار المفصل، من السُّور المكية، ونعني بالسور المكية: السُّور الَّتي نزلت قبل هجرة النَّبيِّ إلى المدينة، فهناك مرحلتان متميزتان في عهد البعثة المحمدية: مرحلة ما قبل الهجرة، ومرحلة ما بعد الهجرة، مرحلة تربية الفرد في مكة، ومرحلة إقامة المجتمع في المدينة.
وسورة «الكافرون» سورة مكية، والسور المكية تُعْنَى بإرساء العقائد والأسس الأخلاقية. والسور المدنية تعنى بالتشريع والتنظيم للحياة الجديدة، فهذه السّورة من السّور المكية الَّتي تعنى بالعقيدة، وأساس العقائد الإسلامية كلها: التوحيد، والبراءة من الشرك والكفر، بكلِّ ألوانه ومظاهره. وهذه السُّورة هي سورة البراءة من الشرك، كما سمَّاها النَّبيُّ  ، فقد روى أبو داود، عن نوفلٍ الأشجعيِّ، أنَّ النَّبيَّ قال له: «اقرأْ: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾، ثم نمْ على خاتمتها؛ فإنَّها براءةٌ من الشِّرْك»(1).
فسورة الكافرون الَّتي ختمت بقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾، فيها البراءة من الشرك والكفر بكلِّ أنواعه، وبكل ألوانه ومظاهره، وفي كلِّ أحواله وزمانه، ولا نستطيع أن نفهم هذه السّورة جيدًا، إلَّا إذا عرفنا الجو والملابسة الَّتي نزلت فيها هذه السّورة، فالسورة نزلت في العهد المكي، وفي إبان الصراع بين النَّبيّ ، وزعماء مكَّة ومشركي قريش.
حينما قام النَّبيُّ بدعوته، يدعو النَّاس إلى التوحيد، وإلى ترك الأصنام والآلهة المزعومة والمعبودة من دون الله، أو مع الله، وأن لا يعبدوا إلَّا الله وحده، وأن لا يعفِّروا جباههم ساجدين لغير الله، ولا يحنوا ظهورهم راكعين إلَّا لله. كانت «لا إله إلَّا الله» هي عنوان الدعوة، وكانت إيذانا بحياة جديدة، ومجتمع جديد، ومنهج جديد للبشرية، هنالك جُنَّ جنون القوم الَّذين عاشوا للأصنام، وعاشوا غارقين في بحار الوثنية، حتَّى إن كلَّ بيت من البيوت كان فيه أكثر من صنم، وكان الرجل منهم إذا ذهب في سفر أخذ معه إلهًا أو أكثر، وأحيانًا يكون إلهًا من العجوة، فإذا جاع أكله، وكان الرجل منهم إذا سافر، فنزل منزلًا، أخذ أربعة أحجارٍ، فنظر إلى أحسنها، فاتخذه ربًّا، وجعل الثلاثة أثافيَّ لقِدْره (الأحجار الَّتي يوضع عليها القدر حتَّى لا يميل)، وإذا ارتحل تركه. فإذا نزل منزلا آخر فعل مثل ذلك، وأحيانًا يأتي بحثيات من تراب، ويحلُب عليها شاته، ويصنع شيئًا ويجعله إلهًا ويعبده.
حتى الكعبة نفسها ـ وهي بيت التوحيد الَّذي بناه إبراهيم لعبادة الله وحده في الأرض ـ كان حولها وفيها ثلاثمائة وستون صنمًا، فالوثنية كانت على أشدها.
ولذلك حينما دعا النَّبيّ إلى التوحيد: وقف القوم في وجهه، وحاولوا الضغط عليه بكلِّ ما يستطيعون، أحيانًا بالإيذاء في نفسه وفي أصحابه، وأحيانًا بالمقاطعة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، فقد حاصروا النَّبيّ والمؤمنين به ومعهم بنو هاشم ثلاث سنين في شِعْب أبي طالب، لا يبايعون أحدًا من بني هاشم، ولا يناكحونهم، ولا يعاملونهم، حتّى يدفعوا إليهم محمَّدًا فيقتلوه. حتَّى اضطر النَّبيُّ وأصحابه إلى أن يأكلوا ورق الشجر، حتَّى دميت أشداقهم وأفواههم. وأحيانًا بالضغط العائلي، حينما ذهبوا إلى أبي طالب مرَّة بعد مرَّة، ليضغط على النَّبيِّ ، وفي بعض المرَّات قال أبو طالب للنَّبيِّ : يا ابنَ أخي، لا تُحمِّلني من الأمر ما لا أطيق. فقال له النَّبيُّ كلمته المشهورة: «يا عمّ، واللهِ لو وضعوا الشمسَ في يميني، والقمرَ في يساري، على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتَّى يُظهره اللهُ، أو أهلِكَ دونَه»(2).
سبب نزول سورة «الكافرون»:
وكان سبب نزول سورة «الكافرون»، مساومة من تلك المساومات، فعن ابن عبَّاس ^ : أن قريشًا وَعَدُوا رسولَ الله أن يعطوه مالًا، فيكون أغنى رجلٍ بمكَّة، ويزوِّجوه ما أراد من النساء، ويطؤوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكُفَّ عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك خصلةً واحدة فهي لك، ولنا فيها صلاح. قال: «ما هي؟» قالوا: تعبد آلهتنا سنة، اللات والعزى، ونعبد إلهك سنة. قال: «حتى أنْظُرَ ما يأتي من عِنْدِ ربِّي». فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ السّورة، وأنزل الله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُوٓنِّىٓ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَـٰهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٦٥ بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ [الزمر: 64 ـ 66](3).
نوعٌ جديد من المساومة، أن يدخل في شيء من دينهم، ويدخلون في شيءٍ من دينه، أن يلتقوا في وسط الطريق، باعتبار ذلك حلًّا وسطًا. لا نقول لك: اتركْ دينك بالكليَّة، ولا تطلب منَّا أن نترك ديننا بالكليَّة، تعبد آلهتنا عامًا، ونحن نعبد إلهك عامًا، تتنازل عن شيءٍ ممَّا عندك، ونحن نتنازل عن شيء ممَّا عندنا، لا تقف هذا الموقف الشديد من آلهتنا، ولا تطالبنا أن نخلع الأصنام والآلهة ونلقيها وراءنا، ونطرحها خلفنا ظِهريًّا، ونجعلها نسيًا منسيًّا، ونحن وآباؤنا وأجدادنا عشنا على عبادتها.
جاؤوا يقولون له هذا القول، ويعرضون عليه هذا العرض، فكان أن نزلت هذه السُّورة، حسمًا لهذا الأمر، وقطعًا لأطماعهم في أن يغير شيئًا من دينه أو يداهن فيه أو يهادن، نزلت لتخبرهم أن مساومتهم تلك مرفوضة رفضًا قاطعًا، لا مراء فيه، ولا رجعة عنه.
العقيدة غير قابلة للمساومة، هناك أشياء أخرى ممكن أن يكون فيها نوع من المرونة، وهي ما يتعلق بالوسائل والكيفيات، في صلح الحديبية قال النَّبيُّ لعليٍّ 3 : «اكتب، بسم الله الرحمن الرحيم». قال سُهَيْل بن عمرو: أَمَّا «باسم الله»، فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم. فقال: «اكتب من محمَّد رسول الله». قالوا: لو علمنا أنَّك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال النَّبيّ  : «اكتبْ: من محمَّد بن عبد الله»(4).
فالمرونة في مثل هذا جائزة، أمَّا المرونة بالتنازل عن عقيدة التوحيد، الَّتي هي جوهر الإسلام، وأساس بنيانه كله، فهذا لا يمكن، من هنا جاءت السُّورة حاسمة جازمة قاطعة مانعة، سدت الطريق بالكلية، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ ١ لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾.
أكبر دليل على أن القرآن ليس من عند محمَّد:
و﴿قُلْ﴾، أمر للنَّبيِّ ، وهذا يدلُّ على أن محمدًا بالنسبة لهذا القرآن لم يكن أكثر من متلقٍّ يتلقى، هناك من يأمره، هناك سلطة أعلى منه، تأمره أحيانًا، وتنهاه أحيانًا، وتحذِّره أحيانًا، وتلومه أحيانًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ﴾[الأحزاب: 37]. وقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ ١ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ﴾[عبس: 1 ـ 2]. وقوله: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَٰذِبِينَ﴾[التوبة: 43].
ولذلك نقول: إنَّ القرآن هو أكبر دليل على أنَّ محمدًا ليس صاحب هذا القرآن، ولا صانعه، ولذلك هنا أُمِر: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾، خاطب الكافرين أيًّا كانوا، وأيًّا كان كفرهم، سواء كان كفر وثنية، أو كفر إلحاد، أو كفر يهودية، أو كفر نصرانية، كلُّ أنواع الكفر تدخل في هذا، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السَّبب، كما يقول علماء الأصول، فهي تشمل كلّ كافر في أيام النَّبيِّ  ، وفي أيامنا هذه، وإلى أن تقوم السَّاعة، لأننا نحن المسلمين نقرؤها، ونقول هذا لمن يساومنا على عقيدتنا، أو يريد منَّا أن نتنازل عن ديننا، أو أي جزء فيه، نقول له: لا نقبل أبدًا مساومة، ولا أنصاف حلول.
وليس في القرآن نداء للكافرين بوصف الكفر إلَّا هذه الآية، وآية أخرى في سورة التحريم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَعْتَذِرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[التحريم: 7]. وهو نداء لهم يوم القيامة؛ لأنَّهم يوم القيامة يحاولون أن ينتحلوا الأعذار، ويتخذوا تَعِلَّات، فيقول الله لهم: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أما نداء سورة «الكافرون» فهو لهم في الدنيا.
﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ ١ لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾: لا تطمعوا أن أعبد ما تعبدون من دون الله، من أصنام وآلهة، لأنِّي أخلصتُ وجهي لله 8 ، كما أمرني ربي،﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾[الأنعام: 162 ـ 163].
﴿لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ٢ وَلَآ أَنتُمْ عَٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾[الكافرون: 2 ـ 3]. أمر الله نبيه أن يخاطبهم بذلك، ما دمتم كفارًا فأنا﴿لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ٢ وَلَآ أَنتُمْ عَٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾.
وهنا لفتة، الفعل المضارع يدلُّ على الحال أو الاستقبال، إذا لم يدخل عليه شيء يرجح أنه للحالية، أو للمستقبلية، كأن يدخل عليه «لن»، أو «السين» أو «سوف»، فيدل على الاستقبال، فهنا الفعل المنفيُّ (أعبد) صالحٌ للحال وللاستقبال، فهو يقول: ﴿لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي لا في الحال، ولا في المستقبل.
﴿وَلَآ أَنتُمْ عَٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾، وما دمتم كفَّارًا، وما دمتم مشركين، وما دمتم مُصِرِّين على موقفكم، فلا يمكن أن تعبدوا ما أعبد.
ربما يقولون: نحن نعبد الله أيضًا مع ما نعبد من آلهة أخرى؛ لأنَّهم لم يكونوا ينكرون وجود الله، كما قال القرآن الكريم عنهم: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [العنكبوت: 61]، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [العنكبوت: 63]، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [الزخرف: 87]، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ﴾ [الزمر: 3]، ويقولون: ﴿هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ﴾ [يونس: 18].
ولكن حتَّى عبادتهم هذه ليست هي عبادة النَّبيّ ؛ لأنَّها عبادة محفوفة بالشرك، وعبادة النَّبيِّ غير هذه العبادة، فهم يعبدون إلهًا له شريك، أمَّا النَّبيُّ فيعبد إلهًا لا شريك له، فعبادتهم غير عبادته، ووجهتهم غير وجهة النَّبيِّ .
ثم غيَّر القرآن الصيغة، فقال: ﴿وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌۭ مَّا عَبَدتُّمْ﴾[الكافرون: 4]. الصيغة الأولى: ﴿لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، وهنا: ﴿وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌۭ مَّا عَبَدتُّمْ﴾، وهذه تدلُّ على المستقبل، لأن الأولى تحتمل الحال، وتحتمل الاستقبال، أما هنا ﴿وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌۭ مَّا عَبَدتُّمْ﴾، لنفي المستقبل، من ناحية، ومن ناحية أخرى فيها مبالغة في تأكيد النفي، ﴿وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌۭ مَّا عَبَدتُّمْ﴾، كما تقول لمن يقول لك ـ متهما إياك بشيء ـ : هل تفعل كذا؟ فتقول: ما أفعله، وما أنا بفاعله. أي لا يليق بمثلي أن يفعل هذا. والنفي بالجملة الاسمية يدلُّ على نفي الفعل، ونفي تصوُّر حدوثه من مثله، هذا معنى: ﴿وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌۭ مَّا عَبَدتُّمْ﴾.
فجملة:﴿وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌۭ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ليست تأكيدًا فقط لجملة: ﴿لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، بل تأكيد وتدل على معنى جديد أيضًا، هو نفي تصور إمكان أن يحدث هذا من النَّبيِّ ، فهو تيئيس وحسم للأطماع، كأنَّه يقول لهم: لا تحاولوا، ولا تطمعوا في هذا.
ثم إنَّه هنا أضاف شيئًا جديدًا قال:﴿وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾. فلربما تصوروا أنه لا يعبد ما عبدوا في وقت ما بقوله: ﴿لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، فدلت هذه الآية على قطع كلّ رجاء في أن يعبد كلّ ما عبدوه في ماضي الزمن وحاضره ومستقبله.
لأن الكفَّار لهم في كلِّ وقت معبود، يعبدون في وقت كوكبًا من الكواكب، وفي وقت آخر الشمس، أو كوكبا آخر، وممكن أن يصنع للشمس أو للكوكب وثنًا في الأرض، وممكن أن يغير الوثن بوثن مثله، وهكذا، فهو يقول لهم: إن ما عبدتموه في زمن من الأزمان أيها الكفَّار أيًّا كنتم، وأيًّا كان كفركم، أنا ﴿لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾الآن،﴿وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾، في وقت من الأوقات.
ثم قال مرَّة أخرى: ﴿وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾[الكافرون: 5]، هذا تأكيد من ناحية، ومن ناحية أخرى ليفيد معنى جديدًا، من ناحية الزمن، إذا كانت الجملة الأولى تفيد النفي حاليًّا، فهذه أيضًا تفيده مستقبليًّا، ﴿وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ في أي وقت من الأوقات، لا يمكن، لا يتصور اللقاء، لا في الحال، ولا في الاستقبال، ما دام كلٌّ منَّا على موقفه، يجب أن نلحظ هذا المعنى.
إن السُّورة تخاطب الكفَّار بوصفهم كفارًا، لا تخاطب فلانًا من النَّاس، لأن فلانًا الكافر يمكن أن يُسلم، إنَّما هي تتكلم عن الكافر بوصفه كافرًا، فبوصف الكفَّار كفارًا، لا يمكن اللقاء، لأن كلًّا منهم له طريق غير طريق الآخر، خطان متوازيان لا يلتقيان أبدًا، ولهذا قال الله تعالى في ختام السُّورة: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾[الكافرون: 6]، كلُّ واحد له دين غير دين الآخر، ومهما تغيرتم فلن نلتقي أبدًا.
فهذه السُّورة رفض قاطع للمساومات، ورفض للمفاوضات الَّتي من هذا النوع، وبراءة من الشرك.
لا بدَّ مع الإيمان البراءة من الشرك:
وأحب هنا أن أنبه إلى أن الإسلام لا يكتفي من الإنسان أن يؤمن بالله وحده فقط، ولكن يضم إلى هذا الإيمان البراءة من الكفر والشرك، ومن هنا جاء قول الله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا[البقرة: 256]. والبراءة من الشرك أمر أكد عليه القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُوٓنِّىٓ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَٰهِلُونَ ٦٤ وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ٦٥ بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ[الزمر: 64 ـ 66]. والتقديم في قوله: ﴿بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ يفيد الحصر والقصر: أي لا تعبد إلَّا الله، فلا عبادة إلَّا لله.
والبراءة من الشرك والمشركين ملَّة إبراهيم 0 : ، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌۭ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ٢٦ إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ ٢٧ وَجَعَلَهَا كَلِمَةًۢ بَاقِيَةًۭ فِى عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[الزخرف: 26 ـ 28]، أي جعل توحيد الله والبراءة من عبادة غيره باقية في عقبه.
وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذْ قَالُوا۟ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُا۟ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥٓ﴾ [الممتحنة: 4]. وحينما عرف إبراهيم ربه، وعرف تزييف الآلهة المعبودة، من الكواكب والقمر والشمس قال: ﴿يَٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 78 ـ 79]. فهذه هي البراءة الَّتي يريدها الإسلام، براءة من كلِّ أنواع الشرك والكفر، ولا يتم الإيمان إلَّا بها، يعبد الله وحده لا شريك له، ويبرأ من كلّ الآلهة المزعومة من دون الله؛ كُفر بالطاغوت، وإيمان بالله وحده.
قراءة سورة «الكافرون» قبل النوم:
ومن هنا جاء الأمر من النَّبيِّ بقراءة سورة «الكافرون» قبل أن ينام الإنسان، وأن تكون آخر ما يقرأ؛ لكي ينام الإنسان على التوحيد، فينام المسلم على التوحيد، ويستيقظ على التوحيد، كما يولد على التوحيد، ويموت على التوحيد، لأن من السُّنَّة أن يقول المسلم إذا أمسى: «أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله، لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له». وإذا أصبح قال: «أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله، لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له»(5). وجاء أن الجنين حينما يُولد يستحب أن يؤذن في أذنه اليمنى(6)، لنُسمعه كلمة التوحيد: أشهد أن لا إله إلَّا الله. وعندما يحتضر ويودع الحياة يلقن كلمة التوحيد، لا إله إلَّا الله، كما قال رسول الله : «لقِّنوا موتاكم لا إله إلَّا الله»(7). فيستقبل الحياة بالتوحيد، ويودعها بالتوحيد، فتكون «لا إله إلَّا الله» أوَّل ما يسمع، وتكون آخر ما يسمع.
← العودة لقسم تفسير القرآن