2026-06-02
325
هل يجوز كتابة القرآن للأجانب بالحروف اللاتينية؟
ظهرت بدعة لدى بعض الأوربيين الداخلين في الإسلام حديثًا، وبفتوى من بعض مشايخ المسلمين: أن يكتبوا القرآن بالحروف اللاتينية حتَّى يستطيعوا أن ينطقوها، وقال الَّذين أفتوهم بذلك: إنَّها الضرورة الَّتي أوجبت ذلك، والضرورة لها حكمها. وقد أجاز الإمام أبو حنيفة قراءة القرآن بالفارسية لمَن عجز عن العربية، فلماذا لا يجوز كتابته بحروف غير عربية، ما دام يقرؤه بالعربية؟
وقد أقدم بعض الأخوة في الغرب على طباعة مصحف كامل بالحرف اللاتيني، وظهرت طبعات مختلفة، نرى بينهما تباينا ظاهرا في طريقة الكتابة.
وقد اختلفنا هنا في الغرب حول هذا الموضوع، فمنا مَن يحرمه مطلقًا، ولا يجيزه بحال، ولا لأيِّ ضرورة، ومنا مَن يجيزه لمَن يتعلَّم الفاتحة وبعض قصار السّور للصلاة، ومنا مَن توسَّع فطبع المصحف كلَّه.
نرجو من سماحتكم القول الفصل في هذا الأمر، الَّذي يتعلَّق بكتاب الله، حتَّى لا يصبح عرضة للمتلاعبين، وتضيع الحقيقة بين الغلاة والمفَرّطين.
وفقكم الله ورزقكم البصيرة، ونفع بكم الإسلام.
د. سيد أمين
من ألمانيا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
شكر الله للأخ السَّائل غيرته على كتاب الله 8 ، الَّذي هو مرجع الملَّة، ودستور الأمة، ومصدر العقيدة والتربية، ونور السَّماء لهداية الأرض، وقانون الخالق لإصلاح الخلق:﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾[الإسراء: 9]،﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ تِبْيَٰنًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾[النحل: 89].
وقد أنزل اللهُ هذا القرآنَ بلسانٍ عربيٍّ مُبِين، كما استفاضت بذلك آيات القرآن العظيم.
كما قال تعالى:﴿إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[يوسف: 2]، ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ ١٩٣ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ ١٩٤ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّۢ مُّبِينٍ﴾[الشعراء: 193 ـ 195]، ﴿كِتَٰبٌۭ فُصِّلَتْ ءَايَٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا لِّقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ﴾[فصلت: 3].
ولذا أجمع العلماء على أنَّ القرآن هو «اللفظ العربي» وأي ترجمة لمعانيه إلى اللغات الأخرى، لا تكون هي القرآن المُنزل على محمَّد ﷺ ، بل هي مجرَّد ترجمة لمعانيه أو لتفسيره.
ومقتضى هذا: أن يكتب بالحروف العربية الَّتي تعين على صحَّة النطق به، فلكل لغة حروفها المعبرة عنها، وكل لغة فيها حروف لا توجد في لغة أخرى، ولا توجد في تلك اللغات حروف تعبر عنها كما في الحروف: الحاء والعين والصاد والضاد، والطاء والظاء، ثم طريقة النطق تختلف في اللفظ الواحد من حالة إلى أخرى، مثل لفظ الجلالة (الله) أحيانا تنطق اللام مفخمة إذا لم يكن ما قبلها مكسورا مثل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ﴾ [التوبة: 28]، وأحيانًا ينطق مرقَّق مثل: ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ﴾، ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
وكيف تكتب الفاتحة في حالة الوصل وفي حالة الوقف. مثل: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾[الفاتحة: 2]، فسكون النون في حالة الوقف، وفتحها في حالة الوصل: ﴿رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ٢ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣ مَٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾[الفاتحة: 2 ـ 4]، لهذا كانت الكتابة بأي لغة أعجمية مجازفة، تعرض لفظ القرآن للتغير والتحريف المذموم.
ولقد رأينا المسلمين منذ عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان 3 قد التزموا كتابة المصحف بالرسم العثماني، بالرغم من تطوّر علم الرسم والإملاء، وضبطه بقواعد معروفة، ومغايرة ذلك لما هو مكتوب في المصحف مثل: «الصلاة» تكتب «الصلوة» ومثل «الربا» تكتب «الربوا».
نقل الإمام أبو عمرو الدَّاني علَّامة القراءات المعروف، عن أشهب: أن الإمام مالك بن أنس سُئل: هل يُكتب المصحف على ما أحدث النَّاس الهجاء (أي من طرق الرسم والإملاء) فقال: لا، إلَّا على الكتبة الأولى(1).
وقال الإمام أحمد: تحرم مخالفة خط عثمان في واو أو ألف أو ياء، أو غير ذلك(2).
والمسلمون في أنحاء العالم ملتزمون بكتابة المصاحف بالرسم العثماني، ولكنَّهم رخصوا في كتابة الآيات الَّتي يستشهد بها في البحوث العلمية أن تكتب بطريقة الرسم الحديثة، وكذلك في الكتب العلمية والتعليمية.
وإنَّما شدد علماء الأمة في ذلك؛ حفاظا على القرآن ومبالغة في العناية به، ليظل على ما كان عليه لفظًا وكتابة، فهو يُقرأ كما أُنزل في عهد الرسول، بغنه ومده، وحركاته وسكناته، وهو يُكتب كما رُسم في عهد الصحابة @ .
وهذا في كتابته بالحروف العربية، ولكن برسم غير الرسم الَّذي كتبه به الصحابة، فكيف يكتب بحرف غير عربي، تتعذر معه القراءة العربية السّليمة؟
وقد نصَّ العلماء من قديم على منع ذلك وتحريمه، حرصًا على كتاب الله.
قال الإمام المرغيناني صاحب كتاب «الهداية» من كتب الحنفية: يمنع من كتابة المصحف بالفارسية بالإجماع.
وفي كتاب «معراج الدراية» من كتب الحنفية: يمنع من كتابة المصحف بالفارسية أشد المنع، وأنَّه سيكون معتمده زنديقًا(3).
وجاء في فتاوى ابن حجر الهيتمي الشافعي شارح «المنهاج» أنه سُئل: هل تحرم كتابة القرآن بالعجمية لقراءته؟ فقال: الإجماع على التحريم(4).
وقال العلامة ابن الحاج العبدري: ينبغي له «أي الناسخ» بل يتعيَّن عليه ألَّا ينسخ الختمة «أي المصحف» بلسان العجم؛ لأنَّ الله تعالى أنزله بلسان العرب، ولم ينزله بلسان العجم(5).
وهذا ما نعتمده ونفتي به مطمئنين، حتَّى يبقى القرآن عربيًّا قراءة وكتابة، وعلينا أن نُعَلّم غير العرب من المسلمين أن يبذلوا جهدهم في تحسين النطق بالقرآن، أي علينا أن نعرّبهم لا أن نعجّم القرآن من أجلهم.
ولهذا يحرم بصورة قطعيَّة كتابة مصحف كامل وطباعته بهذه الحروف، ونشره على الناس.
وكل من شارك في ذلك فهو آثم، لأنَّه عاون في معصية الله، وقد قال تعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾[المائدة: 2].
كل ما تجيزه الضرورة في هذه الحالة: أن يسمح للمسلم الجديد من غير العرب إذا عجز عن التعلم بالعربية أن تكتب له سورة الفاتحة بالحرف الأعجمي، ومثلها قصار السُّور الَّتي يحتاج إليها في الصلاة، مع الاستعانة بقارئٍ عربيٍّ، يُعينه على حُسن النطق بها كما ينبغي، فيتعاون اللفظ والخط، ثم يُمحى المكتوب بعد ذلك، وهذه رخصة أملتها الضرورة.
إنَّ فتح الباب لكتابة القرآن بالحرف غير العربي، يفتح باب فتنة خطيرة، وإنَّ الحُكم في هذه الكتابة التحريم، وإنَّ طباعة هذه المصاحف حرام، وحرام كذلك بيعها والاتجار فيها، وطلبها وتوزيعها، والمطلوب إحراق ما طُبع منها وإتلافه، وإزالتها من الأسواق تماما. ويستثنى من التحريم، ما تقتضيه الضرورة التعليمية، لجزء يسير من القرآن، على أن يكون ذلك مصحوبًا وجوبًا، بنفس النصّ القرآني منطوقًا بالعربية، وقد يسّرت الوسائل التقنية الشائعة هذا، وجعلته في متناول عموم الناس.
هذا وقد عرض المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في دورته الَّتي عقدها في باريس (فرنسا) في أوَّل شهر يوليو 2008م لهذا الموضوع، بناء على بحث قدمه الشيخ صالح العود، وقد قدم نقدًا شديدًا لما أصبح يشيع بين المسلمين في الغرب من العدول عن التزام كتابة نصِّ القرآن بالحروف العربية، إلى الاستعاضة عنه بما يُسمَّى «الفُونَتِك» وهو كتابة النَّصّ العربي بحروف لاتينية، وقامت بعض الجهات بطبع مصاحف كاملة، وقام بعضهم بطباعة جزء تبارك وجزء عمّ، وبيَّن الباحث ما في ذلك من خلل وفساد، وتحريف للنص القرآني، وانتهى إلى تحريم ذلك، وطلب من المجلس أن يصدر فتوى بمنع ذلك منعًا باتًّا، ولا تجيزه في أي صورة من الصور، ولا لأي ضرورة من الضرورات.
ولكنَّ المجلس بعد أن ناقش الموضوع مناقشة مستفيضة، أصدر الفتوى التالية:
«لا تحلُّ كتابة نصِّ القرآن العظيم بغير الحروف العربية، سواء كانت كتابة لمصحف كامل أم بعض مصحف، وتحرم طباعته على هذه الصفة، كما يحرم نشره وتوزيعه والمتاجرة به، وذلك نظرًا لكون قراءة القرآن من شروطها أن تعتمد على رواية متواترة، إذ القراءة سنة متبعة أحكامها توقيفية، وهذه الطريقة وهي كتابة القرآن بالأحرف اللاتينية لا تستجيب لهذه الشروط البتة، لِمَا يدخلها من تحريف.إنَّ نصَّ القرآن الكريم الَّذي أنزله الله على رسوله محمَّد ﷺ باللغة العربية، لا يمكن أن ينطق بشكل سليم، إلَّا إذا كتب باللغة العربية، نظرًا لخصوصيات هذه اللغة في نطق الحروف ومخارجها.ويؤكد المجلس على أنَّ كتابة القرآن، أو حتَّى آية منه، بالحرف اللاتيني أو غيره من الحروف الأخرى غير العربية، يجعل النُّطق به محرَّفًا، بل مخالفًا أو حتَّى مناقضًا لمعنى نصِّه الأصلي، وهو ما يوجب الحيطة البالغة في كتابة كلام الله تعالى بالشكل الَّذي أُنزل به.ويستثني المجلس من ذلك حالات تعلُّم القرآن لغير العرب من المسلمين، في مرحلتهم الأولى، ولفترة قصيرة ومدَّة محدّدة، ريثما يتيسّر لهم تعلُّم النطق بالحروف العربية، وحفظ ما تيسّر من القرآن للصّلاة، ويشترط في ذلك أن تكون تلك النُّصوص مصحوبة بالنّطق العربي، وأن تُمحى حال الانتهاء منها».
1. المحكم في نقط المصاحف لأبي عمرو الداني صـ 11، تحقيق عزة حسن، نشر دار الفكر، دمشق، ط 2، 1407هـ .
2. البرهان في علوم القرآن للزركشي (1/379)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي، ط 1، 1376هـ ـ 1957م.
3. انظر: تفسير المنار للعلامة محمد رشيد رضا (9/281)، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990م.
4. الفتاوى الفقهية الكبرى لابن حجر الهيتمي (1/238)، نشر المكتبة الإسلامية.
5. المدخل لابن الحاج (4/86)، نشر دار التراث.