2026-06-02
315
تمييز الآيات المنسوخة في المصحف
أرجو من سماحتكم التفضل بإعطائنا الرأي الشرعي: في إمكانية كتابة الآيات المنسوخة بلون مخالف للون الطباعة المعتمد لبقية ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية، حيث إنني أنهيت ترجمة معاني كتاب الله، ووجدت أنَّ القارئ الأجنبي غير المسلم يشكل عليه تمييز تلك الآيات، وغالبا ما يأخذ قطعة من النَّصّ المترجم ويستشهد بها، ممَّا يثير شكوكًا لدى العامَّة ولدى المهتمين بدراسة الإسلام.
علمًا بأنني سأنشر فتوى سماحتكم في مقدمة الترجمة باللغة العربية واللغة المترجم إليها.
أسأل الله لكم دوام الصحة والتوفيق، وأسأله السّداد في القول والعمل، وأن يثيبكم عنَّا وعن المسلمين كلّ خير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
د. بهيج ملا حويش
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
شكر الله لكم ما قمتم به من ترجمة لمعاني القرآن الكريم بالإسبانية، فهذه لغة مهمة من اللغات الغربية، وخصوصًا في أمريكا اللاتينية.
ولكني لا أوافق على فكرة تخصيص الآيات المنسوخة بعلامة خاصَّة بها، فهذا يدخلنا في متاهة لا نحسن الخروج منها.
إذ السُّؤال المطروح: كيف نحدد الآيات الَّتي قيل بنسخها، وهناك خلاف كبير بين العلماء في عدد الآيات المنسوخة وفي تعيينها.
وقد رأينا من المفسرين ومن المهتمين بعلوم القرآن مَن قالوا: إنَّ «آية السَّيف» قد نسخت مائة وعشرًا ـ بل مائة وأربعين، بل مائتين ـ من الآيات القرآنية! هذا مع أنَّهم اختلفوا في آية السَّيف نفسها: أي آية هي؟
ولقد حاول الإمام السُّيوطي أن يقلل من الآيات المنسوخة، فأوصلها إلى نحو من عشرين، ومع هذا لا تسلم له هذه العشرون، الَّتي مال إلى القول بنسخها. فمعظمها لا يؤيده الدليل القوي. والأصل عدم النسخ، لأن الله تعالى أنزل كتابه ليحكم بين النَّاس فيما اختلفوا فيه، ويهديهم للتي هي أقوم، ولا يجوز ادعاء نسخ آية منه ـ أي إبطال العمل بها ـ إلَّا بيقين، عندنا فيه من الله برهان.
ومن العلماء قديما من أنكر وجود النسخ في القرآن مثل أبي مسلم الأصفهاني، الَّذي نقل الفخر الرازي آراءه في تفسيره الكبير، وبدا في كثير من الأحوال كأنَّما يميل إلى رأيه. ومثل مَن ذكرهم الإمام الزركشي في كتابه: «البرهان في علوم القرآن» وهم جماعة لم يحدِّد أسماءهم.
وفي عصرنا أنكر الشيخ الإمام محمَّد عبده النَّسخ في القرآن، ومال إليه تلميذه العلامة رشيد رضا، والشيخ محمَّد الخضري، والشيخ محمَّد أبو زهرة، والشيخ الغزالي وغيرهم.
فمثل هذا الأمر المختلف فيه لا يجوز أن يدخل المصحف الَّذي يقرأه النَّاس، فيشوِّش عليهم فكرهم، وتغدو سببًا لاختلافهم، والأصل في القرآن: أن يجمع لا أن يُفرِّق. وفي الحديث الصحيح: «اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبُكم»(1).
ورأيي: أنْ نسدَّ هذا الباب في المصاحف، حتَّى لا يأتي كلُّ ذي اختصاص، فيريد أن يشير إلى الآيات الَّتي في اختصاصه بعلامة، فهذا يشير إلى الآيات الكونية، وآخر إلى الآيات التشريعية، وآخر إلى الاقتصاديَّة، ورابع إلى النفسيَّة، وهكذا.
إنَّ المسلمين الأوائل ما أدخلوا النقط والشكل في المصحف إلَّا بعد أخذٍ ورَدٍّ، مع وضوح الضرورة إليهما، فلا ينبغي التوسع فيما يدخل المصاحف، حفظا لها من التلاعب، ومن التَّشويش.
وبالله التوفيق.
1. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في فضائل القرآن (5060)، ومسلم في العلم (2667)، عن جندب بن عبد الله.