2026-06-02
409
أين النار؟
يقول الله 4 :﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾[آل عمران: 133]. فأين النَّار إذن؟ طالما أن الجنة عرضها السّماوات والأرض؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الواقع أنَّ هذا الكون الَّذي نعيش في جزء صغير منه، ليس مقصورًا على السَّماوات والأرض، وإن كنَّا حتَّى الآن لا نعرف السَّماوات ما هي، فهناك فوق السَّماوات من ملك الله 8 ، ما لا تبلغه عقولنا، ولا يصل إليه علمنا. ولهذا يقول المسلمون كما علمهم النَّبيّ ﷺ بعد القيام من الركوع: «اللهمَّ ربنا لك الحمد ملء السّماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد»(1) وهذا ما يحدِّثنا العلم المعاصر عن بعضه، ويقيسه بملايين السّنين الضوئية، بيننا وبين بعض الكواكب من المسافات الشاسعة، والأبعاد المجهولة ما يقاس بملايين وآلاف ملايين السِّنين الضوئية، وهذا شيء أصبح معلومًا ومقرَّرًا الآن، فإذا كانت الجنة عرضها السّماوات والأرض، فليس معنى ذلك أنه ليس هناك في ملك الله ما يتسع للنار، بل هناك ما يتسع للنار ولغيرها من هذا الملك الواسع الرحب الفسيح.
وهذا السُّؤال سؤال قديم، فقد سئل الصحابة، وسئل قبلهم النَّبيّ ﷺ من بعض أهل الكتاب عن معنى هذه الآية: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ﴾[آل عمران: 133]. وقالوا: فأين النار؟ فكان النَّبيُّ ﷺ يقول لهم: «أين الليلُ إذا جاء النَّهار؟»(2). وفي رواية عن أبي هُرَيْرة، رواها البزَّار مرفوعةً، أنَّ رجلًا سأل النَّبيَّ ﷺ : أرأيتَ قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ﴾[آل عمران: 133]؟ فأين النَّار؟ قال: «أرأيتَ الليلَ ما لبس كلَّ شيءٍ فأين النَّهَارُ؟». قال: حيث شاء الله. قال: «فكذلك حيث شاء الله»(3).
قال ابن كثير في تفسيره معلقًا على هذا الخبر: «وهذا يحتمل معنيين: أحدهما، أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار ألا يكون الليل في مكان وإن كنَّا لا نعلمه، وكذلك النَّار تكون حيث شاء الله ﷻ . وهذا أظهر.والثاني: أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشَّى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين، فوق السَّماوات، تحت العرش، وعرضها كما قال الله عز وجلكعرض السَّماء والأرض، والنار في أسفل سافلين، فلا تنافي بين كونها كعرض السّماوات والأرض، وبين وجود النار»(4).
والله تعالى أعلم.
1. رواه مسلم في الصلاة (476)، عن ابن أبي أوفى.
2. رواه أحمد (15655)، وقال مخرجوه: حديث غريب، وإسناده ضعيف. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (13892): رواه عبد الله بن أحمد وأبو يعلى، ورجال أبي يعلى ثقات، ورجال عبد الله بن أحمد كذلك، عن التنوخي. وقال ابن كثير في البداية والنهاية (7/177): حديث غريب وإسناده لا بأس به.
3. رواه البزار (9380)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10902): رجاله رجال الصحيح.
4. تفسير ابن كثير (2/118).