المقالات

❓ حديث: «لا تقوم السَّاعة حتَّى تقاتلوا اليهود»

📅 2026-06-02 👁 603 مشاهدة

نص السؤال:

قرأت في عدد من الكتب الحديث الشريف: «لا تقوم السَّاعة حتَّى تقاتلوا اليهود، فيختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا عبد الله، أو يا مسلم، هذا يهودي ورائي فتعال فاقتله».
وسؤالي: هل يفهم من الحديث أنَّ معركتنا مع اليهود ستستمر إلى قيام السَّاعة، وهل يدلُّ الحديث على أن الحجر والشجر ينطق حقيقة؟ وهل يكون ذلك «كرامة» للمسلمين؟ وهل المسلمون اليوم أهل لهذه الكرامة، أو أن هذا مدخر لأجيال أخرى قرب قيام السَّاعة، كما يشير أوَّل الحديث؟
أرجو إيضاح ذلك حتَّى لا يلتبس علينا فهم كلام الرسول . نفع الله بكم، وجزاكم عنَّا وعن الإسلام وأمته خيرًا.
مسلمٌ مهتمٌّ بقضية فلسطين
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
الحديث المذكور حديث صحيح، رواه أكثر من صحابي عن النبيِّ . فقد صحَّ من حديث ابن عمر، ومن حديث أبي هُرَيْرة.
فقد روى الشيخان، عن أبي هُرَيْرة، أنَّ النَّبيَّ قال: «لا تقوم السَّاعة حتَّى تقاتلوا اليهود، حتَّى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله»(1)، وفي رواية لمسلم: «لا تقوم السَّاعة حتَّى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتَّى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله إلَّا الغرقد، فإنَّه من شجر اليهود»(2). ورواه الشيخان من حديث ابن عمر بلفظ: «تقاتلون اليهود، فتسلطون عليهم، حتَّى يختبئ أحدهم وراء الحجر، فيقول الحجر: يا عبد الله، هذا يهودي ورائي فاقتله»(3).
فالحديث من حيث سنده صحيح بغير نزاع، وهو من أعلام نبوَّة رسولنا .
وقد مضت قرون، وقارئ هذا الحديث يعجب ممَّا تضمَّنه من نبأٍ لا ينبئ عنه الواقع الملموس لحال المسلمين وحال اليهود، نحو ثلاثة عشر قرنًا.
فقد كان اليهود في ذمة المسلمين وحمايتهم، وقد اضطهدوا في كلّ أنحاء العالم، ونبذهم أصحاب الملل كلها، ولم يجدوا دارًا تؤويهم وتحوطهم إلَّا دار الإسلام، ولم يجدوا من يحميهم ويذود عنهم وعن حريتهم الدينية والمدنية إلَّا المسلمين، الَّذين اعتبروهم أهل كتاب، وأعطوهم ذمة الله وذمة رسوله، وذمة جماعة المؤمنين، فكيف يحدث قتال بينهم وبين المسلمين؟ وكيف يقاتل الإنسان من يحميه ويعيش في كنفه؟ ومن أين لهم القوة حتَّى يقاتلوا المسلمين؟!
وقد بدأ القتال بالفعل بين المسلمين واليهود، منذ اغتصبوا أرض فلسطين، وأخرجوا أهلها من ديارهم، وانتهكوا كلَّ الحرمات، وغدا المسجد الأقصى أسيرًا في أيديهم، وهم يخططون لهدمه؛ ليبنوا هيكلهم على أنقاضه، والمسلمون في غمرة ساهون، وفي غفلة لاهون.
ولكنَّنا مؤمنون بأنَّ المعركة الَّتي نبأ بها الحديث الصحيح قادمة لا ريب فيها، تلك المعركة الَّتي «يُسلَّط» فيها المسلمون على اليهود، بعد أن كانوا هم المسلطين على المسلمين، تلك المعركة الَّتي «يقاتل المسلمون فيها اليهود، فيقتلهم المسلمون» بعد أن مضت سنون وعقود، والمسلمون يقتلهم اليهود!
هذه المعركة الَّتي أخبر بها الحديث الشريف آتية لا ريب فيها، هذا ما يُوقن به كلّ مسلم، ويترقَّبه كما يترقَّب قدوم الفجر بعد ظلام الليل.
ولكن متى؟ عِلْم ذلك عند الله عز وجل.
قد تكون غدًا، أو بعد غد، أو بعد ما شاء الله من السِّنين.
المهمُّ أنَّ هذه المعركة، كما ينبئ بها الحديث ليست معركة وطنيَّة ولا قوميَّة؛ إنَّها معركة دينية.
إنَّها ليست معركة بين العرب والصهاينة كما يُقال اليوم، وليست معركة بين اليهود والفلسطينيِّين، أو بينهم وبين السُّوريِّين أو العراقيين أو المصريِّين.
إنَّها «بين المسلمين واليهود» هذا ما جاء في الحديث بصريح العبارة، فليست معركة «فئة» من المسلمين ضد «فئة» من اليهود، بل معركة «مجموع» المسلمين، مع «مجموع» اليهود، كما يُفهم من الألفاظ.
والواقع إلى اليوم أنَّ مجموع اليهود يقاتلوننا بكلِّ ما لديهم من طاقة، بذلوا أموالهم وهم أبخل النَّاس بالمال، وجادوا بنفوسهم وهم أحرص النَّاس على حياة، ولكنَّهم أخذوا الأمر جدًّا لا هزل فيه، وخطَّطوا وصمَّموا، وأجمعوا ونفذوا، مستمدِّين قوَّتهم من تعاليم التوراة، وأحكام التلمود.
أمَّا نحن، فما زال الإسلام مستبعَدًا من معركتنا معهم، وما زال الكثيرون منَّا يريدونها معركة قومية، لا دخل للدين فيها، ولا صلة له بها، فهم يجتمعون تحت راية اليهودية، ونحن لا نجتمع تحت راية الإسلام، وهم يحترمون السّبت، ونحن لا نحترم الجمعة، وهم يتنادون باسم موسى، ولا نتنادى نحن باسم محمَّد !
ولا بدَّ أن نصارح أنفسنا: إنَّنا إذا أردنا أن تتحقَّق معركة النصر الموعودة، فلا بدَّ لنا أن نغيِّر ما بأنفسنا، حتَّى يغيِّر الله ما بنا، لا بدَّ لنا أن نحاربهم بمثل ما يحاربوننا به، كما قال أبو بكر لخالد.
وهذا ما نادينا به، ونادى به كلُّ المخلصين الَّذين أنار الله بصائرهم، وعرفوا الطريق الصحيح والوحيد لتحرير فلسطين(4).
إنَّ الحديث الَّذي بشَّرنا بالنصر، حدَّد ملامح المقاتلين الَّذين ينصرهم الله على اليهود من خلال نداء الحجر أو الشجر للواحد منهم، فهو يقول: «يا عبدَ الله، يا مسلم، هذا يهوديٌّ خلفي فتعالَ فاقتله!».
فهو هنا ينادي «عبد الله»، أما عبد نفسه، عبد أهوائه وشهواته، عبد الدينار والدرهم، عبد المرأة والكأس، عبد الجاه والمنصب، أما هؤلاء فلن يناديهم حجر ولا شجر، بل سينادي عدوهم عليهم.
وهو هنا يقول: «يا مسلم» لا يا عربي، ولا يا فلسطيني، ولا يا أردني، ولا يا سوري، ولا يا مصري، ولا يا شامي، ولا يا مغربي، إنَّه يناديه بوصفٍ واحدٍ وعنوان واحدٍ عُرِف به: إنَّه «مسلم».
فحين ندخل المعركة تحت شعار العبودية لله، وتحت راية الإسلام، حينذاك نرتقب النصر، وأن يكون كلّ شيء معنا حتَّى الشجر والحجر.
وهنا نتساءل: أيكون نطق الحجر والشجر بلسان المقال أم بلسان الحال؟
والجواب: أنَّه لا يبعد على قدرة الله تعالى أن ينطق الحجر الأصم، وما ذلك على الله بعزيز، ويكون ذلك كرامة للمؤمنين من باب خوارق العادات، وقد رأينا في عصرنا من العجائب المذهلات، ما قرَّب إلينا كلّ ما كان يستبعده الماديون الجاحدون.
على أنَّه لا مانع أن يكون نطق الشجر والحجر بلسان الحال، وقد قيل: لسان الحال أفصح من لسان المقال. والكلام لغةً: كلُّ ما يفيد معنى، وإن لم يكن بطريق النطق المعتاد.
المهم أنَّ من كان النصر حليفه كان كلُّ شيءٍ يعمل لحسابه، ويدلُّ على عدوه، حتَّى النبات والجماد، ومن كتب عليه الخذلان، كان كلّ شيء ضده، حتَّى السّلاح الَّذي في يديه.
أمَّا سؤال الأخ: هل يفهم من الحديث أنَّ معركتنا مع اليهود ستستمر حتَّى قيام السَّاعة؟
فالجواب: أنَّ الصيغة لا يفهم منها ذلك بالضرورة، إنَّما تدلُّ على أن الأمر الواقع بعد حرف الغاية «حتَّى» سيقع لا محالة، ولا ريب في ذلك قبل قيام السَّاعة، وكلمة «قبل قيام السَّاعة» تمتدُّ من بعد وفاة النَّبيِّ ، إلى أن تُطوى صفحة هذا العالم، وبعبارة أخرى: إلى أن تقوم السَّاعة.
وقد نظرت فيما ورد بهذه الصيغة «لا تقوم السَّاعة حتَّى...» في كتاب صحيح الجامع الصغير، فوجدته قد أورد خمسة وعشرين حديثًا، منها ما قد وقع بالفعل، أعني ما بعد «حتَّى» ومنها ما لم يقع، ولا زال منتظر الوقوع.
فممَّا وقع: ما جاء في حديث أبي هُرَيْرة عند البخاري: «لا تقوم السَّاعة حتَّى تأخذ أُمَّتي أخْذ القرون قبلها، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع»، قيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ قال: «ومن النَّاس إلَّا أولئك؟!»(5).
وتقليد الأمة لمن قبلها من الأمم، واتباعها لسننها شبرا بشبر، وذراعا بذراع، قد وقع واأسفاه، وكلنا يشكو منه.
ومنها: ما جاء في حديث أنس عند أحمد وابن حبان: «لا تقوم السَّاعة حتَّى يتباهى النَّاس في المساجد»(6). أي التباهي بزخرفتها وفخامتها، وهذا قد حدث منذ قرون.
ومنها: ما جاء في عدد من الأحاديث: «لا تقوم السَّاعة حتَّى تقاتلوا التُّرك»(7).
وقد حدث هذا من قرون، ثم هدى الله التُّرك، ودخلوا في الإسلام، وأصبحوا من أعظم المقاتلين من أجل الذود عنه، وإعلاء كلمته.
وهناك أمور تضمَّنتها أحاديث أخرى لم تقع بعد، مثل: «لا تقوم السَّاعة حتَّى تطلُع الشمسُ من مغربها»(8). ويبدو أنَّ السَّائل ظنَّ أن الانتصار على اليهود، من هذا النوع المؤخَّر إلى قرب السَّاعة، ولا دليل في الحديث على ذلك.
بل المرجوُّ ـ إن شاء الله ـ أنَّ ذلك قريب، وقد لاحت تباشيره، وظهرت بواكيره، في الصحوة الإسلامية المرجوَّة لغدِ هذه الأمة، وفي ثورة المساجد، ثورة أطفال الحجارة، وحركة المقاومة الإسلامية الصامدة الباسلة، وفي التنادي في كلّ مكان بضرورة العودة إلى الإسلام، وهو ما يبشر بقرب يوم النصر،﴿أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ[البقرة: 214].
← العودة لقسم شروح الأحاديث