2026-06-02
663
دفاع عن صحيح البخاري
نشرت مجلة «العربي» في عددها (87) بتاريخ (11 شوال 1385هـ ـ شباط 1966م) كلمة السيد عبد الوارث كبير في باب «أنت تسأل ونحن نجيب» ردًّا على باحث عراقي مسلم لقَّب نفسه «جابر عثرات الكرام» دافع عن الصحابة وعن البخاري. وإن لم ينشر المحرر كلمته كلها. وجاء في هذا الرد قوله: «فأنا لم أتهم أبا هُرَيْرة أو البخاري أو غيرهما، من الصحابة أو أصحاب «الصحاح» باختراع الأحاديث أو صنعها... ولست أقول عن حديث ما: إنَّه ضعيف أو مصنوع؛ لمجرَّد أنه لا يتَّفق مع العقل والمنطق فحسب، بل لأن ذلك رأي كثير من الأئمَّة والفقهاء القدماء والمحدثين على السّواء، أمثال الإمام ابن تيمية والقسطلاني والذهبي والبيهقي والطبراني والدارقطني والهيثمي والسيوطي والعسقلاني، وغيرهم!
والكلام عن الأحاديث الموضوعة ممَّا لا تتسع له صفحات هذا الباب، لكنني مع ذلك أقبل تحديك يا جابر عثرات الكرام، وأسألك كيف يعقل أن يقول الرسول صلوات الله عليه: «اختلاف أمتي رحمة»، أو «اختلاف أصحابي رحمة»(1). في بعض الروايات، بينما الله تعالى يقول في محكم كتابه: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ [الشورى: 13]، ويقول جل شأنه: ﴿وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: 103]، ويقول: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِى ٱلْكِتَٰبِ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍۢ﴾ [البقرة: 176].
وليت شعري إذا كان جزاء «من أطعم أخاه خبزًا حتَّى يُشبِعَه، وسقاه ماء حتَّى يرويه، أبعده الله عن النَّار سبعة خنادق، ما بين كلّ خندقين منها مسيرة خمسمائة عام». فما ترى يكون جزاء من يطعم كلَّ يوم عشرة مساكين حتَّى يشبعوا ويسقيهم حتَّى يرتووا؟!
وكيف يعقل أن يقول الرسول: «إن الدُّنْيا حرام على أهل الآخرة، وإنَّ الآخرة حرام على أهل الدنيا» والله 4 يقول في محكم كتابه:﴿وَابْتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا﴾[القصص: 77]، ويقول جل شأنه:﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ﴾[الأعراف: 32]؟!
وكيف يقول الرسول: «الطاعون وخْز إخوانكم الجنِّ»(2)، وفي رواية أخرى «أعدائكم الجنِّ»(3)؟ وكيف يقول: «حسنات الأبرار سيئات المقربين»(4)؟
وكيف يقول: «اتَّخذوا الحمام المقاصيص، فإنَّها تُلهي الجنَّ عن صبيانكم»(5)؟!
وكيف يقول: «عليكم بالقرع، فإنَّه يزيد في الدماغ... وعليكم بالعدس فإنَّه قدس على لسان سبعين نبيًّا»(6)؟! أو يقول: «زينوا موائدكم بالبقل، فإنَّه مطردة للشيطان»(7)؟!
ليس هذا فقط يا جابر عثرات الكرام! فإن في صحيح البخاري وغيره من كتب الحديث ما هو أدهى من ذلك وأمرّ، في مخالفة ما أمر الله به عباده، وأنزله في محكم كتابه. قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾[البقرة: 222]. وهذا أمر صريح في ألا يقرب الرجل زوجته وهي في الحيض؛ ولكن البخاري وأصحابه ـ سامحهم الله وغفر لهم ـ ينسبون إلى السَّيدة عائشة في «كتاب الحيض» أنَّها قالت: كان النَّبيُّ يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض(8).
ونسبوا مثل ذلك إلى «ميمونة» إحدى زوجات الرسول(9).
فما الَّذي يفهمه النَّاس من هذه الأحاديث؛ إلَّا أنَّ الرسول كان يباشر زوجته في فترات حيضهن، خلافًا لما أمره الله به؟
فهل يرضيك ذلك أو يرضي أحدًا من المسلمين؟ وهل يعقل أن يصدر هذا الفعل المنكر عن نبي، بل عن سيد الأنبياء؟!
ثم اسمع أيضًا.. يقول الله تعالى في سورتي النساء والمائدة، في حكم الطهارة من الجنابة: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾إلى آخر الآية. ويقول البخاري: إنَّ رجلًا أتى عمر فقال: إنِّي أجنبت فلم أجد ماء، فقال له عمر: «لا تصلِّ»(10)!
أمَّا ثالثة الأثافيِّ، فهي عن زيد بن أنس، بسند صحيح على شرط «الشيخين»، وصححه ابن حزم في «الإحكام»، وأخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» قال: أمطرت السَّماء برَدًا في رمضان فقال أبو طلحة: ناولني من هذا البرَد. فجعل يأكل منه وهو صائم! فقلت: أتأكل البرَد وأنت صائم؟ فقال: إنَّما هو برَد نزل من السَّماء نطهر به بطوننا، وإنه ليس بطعام ولا شراب. إنَّما هو بركة! فأتيت رسول الله فأخبرته بذلك فقال: «خذْها من عمِّك»(11).
ولو صحَّ هذا ـ يا جابر عثرات الكرام ـ لكان أكل البرد في رمضان لا يفطر، وهذا ما لا يقول به مسلم على الإطلاق، حتَّى ولو ورد ألف مرَّة في «البخاري» و«مسلم» وكل كتب الصحاح.
من أجل ذلك وأمثاله نطالب بتنقية كتب التفسير والحديث من تلك الخزعبلات والمفتريات يا جابر عثرات الكرام.. أفلا تزال بعد ذلك كله مصرًّا على التحدي؟! إنِّي على أي حال مستعد لالتقاط القفاز اهـ .
نرجو بيان رأيكم في هذا الكلام من الناحية الشرعيَّة والعلمية، وخصوصًا فيما يتعلق بصحيح البخاري، والتشكيك فيه، لما له من منزلة في نفس كلِّ مسلم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لقد فوجئت وفوجئ كلُّ مسلم، بل كلُّ منصف، بما نشرته مجلة «العربي» في عددها (شباط 1966) عن الحديث النبوي في باب «أنت تسأل ونحن نجيب» الَّذي يشرف عليه السَّيد عبد الوارث كبير، ودهش القراء لهذه الحملة المنكرة بالعناوين البارزة وبالبنط العريض، على أعظم كتاب في الإسلام بعد القرآن «الجامع الصحيح للبخاري» الَّذي تلقته الأمة منذ اثنى عشر قرنًا بالقبول والرضا، جيلًا بعد جيل، الخاصَّة منها والعامَّة، حتَّى إنَّ النَّاس إذا أرادوا أن يهونوا من خطأ وقع فيه إنسان قالوا: «إنَّه لم يخطئ في البخاري» ولكن المجلة ـ ويا للهول ـ نشرت عنوانا ضخما تقول فيه: «صحيح البخاري ليس كله صحيحًا وليست هذه الأحاديث مفتراة بل منكرة».
لقد قَفَّ شعرُ رأسي، واقشعرَّ جلدي، حين وقعت عيني على هذه العناوين المثيرة الَّتي تحدَّت بها المجلة مشاعر المسلمين، وصدمت أفكارهم بما يشبه القذائف المدمِّرة، وما لقيت أحدًا قرأ هذا الشيء أو سمع به، إلَّا أنكره واستبشعه، وحوقل واسترجع، وعجب النَّاس وعجبت معهم كيف يصدر هذا المنكر من مجلة عربية في بلد عربي مسلم، تطبع بمال المسلمين، ويحررها مسلمون أيضًا، كما يُفهم ذلك من أسمائهم؟!
والعجب أنَّ كاتب ذلك العنوان المثير سلك للتدليل عليه منهجًا غير مستقيم، منهجا لا يرضى عنه العِلم، ولا يرضى عنه الخُلُق، ولا يرضى عنه الدِّين.
فقد مهَّد للحملة على صحيح البخاري بذكر جملة من الأحاديث الموضوعة، أو الَّتي لا أصل لها بالإجماع، مع عدم الحاجة إلى ذكر هذه الأحاديث، فقد وُئِدت في مهدها؛ بفضل جهود أئمَّة الحديث الَّذين أفنوا أعمارهم في سبيل خدمة السّنة النبوية، وتنقيتها من زيف المزيفين، وانتحال المبطلين، وقد قيل للإمام عبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة! فقال: «تعيش لها الجهابذة»(12) وصدق عبد الله فقد عاشوا لها، وماتت هي ولله الحمد، وحفظ الله دينه، وصدق وعده:﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾[الحجر: 9].
ولا ريب أنَّ حفظ الذكر «القرآن» إنَّما يتم بحفظ ما يبينه ويشرحه، وهي السُّنَّة الَّتي خاطب الله صاحبها بقوله:﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾[النحل: 44].
أجل. لم يكن من الجد أن يحشر الأستاذ مجموعة من الأباطيل المكشوفة مثل: «عليكم بالعدس؛ فإنَّه قُدِّسَ على لسان سبعين نبيًّا» ونحوه، فإنَّ أصل الموضوع الَّذي جرت فيه المناقشة هو تنقية كتب التفسير والحديث، ممَّا فيها من شوائب وإسرائيليات، فما لهذه الكتب ومثل: «اتَّخذوا الحمام المقاصيص...» إلخ.
إنَّ إيراد ذلك في مثل هذا المقام يوهم القراء أنَّ كُتب الحديث روت هذه الأباطيل أو اعتمدتها، أو سكت علماء الحديث عن بيان درجتها، وهو إيهام غير صحيح قطعًا. وهو يدلُّ على أن الغرض من وراء هذه الحملة إنَّما هو التشويش والتشكيك في الإسلام ومصادره وأئمته بالجد والهزل، والهدم بكلّ معول تناله اليد.
وأغرب من ذلك أنَّ الكاتب ذكر هذه الأحاديث الباطلة المفضوحة بلا شك، ثم قال بالحرف الواحد ـ ويا لهول ما قال ـ «ليس هذا فقط، فإنَّ في صحيح البخاري وغيره من كتب الحديث ما هو أدهى من ذلك وأمَرّ، في مخالفة ما أمر الله به عباده وأنزله في محكم كتابه».
يا لَله! أصحيح البخاري وكتب الحديث فيها أدهى وأمرّ من الأحاديث المكذوبة المفتراة الَّتي ذكرها الكاتب! أما والله لو صحَّ ذلك لكان الأستاذ أعظم المكتشفين في العصر الحديث، فقد أزاح السِّتار عن حقائق غابت عن الأُمَّة الإسلامية كلها اثني عشر قرنًا، حتَّى أتى هو آخر الزمان بما لم تستطعه الأوائل!
ترى ما هذه الأحاديث الَّتي رواها البخاري وهي عند الكاتب أدهى وأمر ممَّا ذكر من الأكاذيب والأباطيل؟!
لقد تمخض الجمل ولم يلد شيئًا، لم يلد فأرًا ولا ضفدعًا. ذكر الكاتب حديثين رواهما البخاري ـ كما يقول ـ زعمهما مخالفين لكتاب الله. فلنقف قليلًا لكي نناقش الكاتب في زعمه الخطير:
الحديث الأول: رواه البخاري في كتاب الحيض عن السّيدة عائشة # قالت: «كان النَّبيّ ﷺ يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض»(13). وقال الكاتب: ونسبوا مثل ذلك إلى «ميمونة» إحدى زوجات الرسول(14).
يرى الكاتب ذلك مخالفًا للآية الكريمة:﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾[البقرة: 222].
وكان على «علامة دهره وفريد عصره» أن يجلي لنا وجه المخالفة والتعارض بين الآية والحديث، وذلك لا يكون إلَّا ببيان المراد من الاعتزال المأمور به في الآية، والمباشرة المروية في الحديث، ليبين للقارئ أهمها متعارضان حقًّا أم لا؟
فالذي يبدو أنه إما فسر المباشرة بأنَّها الجماع، فقد تطلق على ذلك كما في قوله تعالى: ﴿فَٱلْـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾[البقرة: 187]. وإمَّا أنَّه فسَّر اعتزال المرأة في الحيض بأنَّه اعتزال فراشها وتحريم جميع بدنها على الزوج!
وكلا التفسيرين خطأ.
أمَّا تفسير المباشرة بالجماع، فيرده لفظ الحديث نفسه، إذ تقول عائشة: يأمرني فأتَّزر فيباشرني. والاتَّزار: شد الإزار على الوسط وأمرها بذلك يبين المراد من المباشرة.
يؤيد ذلك ما جاء في صحيح مسلم عن ميمونة قالت: كان رسول الله ﷺ يباشر نساءه فوق الإزار وهنَّ حيَّض (15).
ولو تواضع الأستاذ قليلًا، ورجع إلى مصدر قريب في اللغة أو التفسير، أو غريب الحديث، أو شروحه، لاتضح له معنى المباشرة الَّذي أزعجه، وأقض مضجعه، قال في القاموس: «باشر المرأةَ: جامعها، أو صارا في ثوبٍ واحد، فباشرتْ بَشَرَتُه بَشَرَتَها». وإذا كان الكاتب لا يعرف طريقة الكشف عن الألفاظ في القاموس واللسان ونحوهما ولا يصبر عليها، فيستطيع أن يتناول أحدث معجم أخرجه المجمع اللغوي في القاهرة؛ ليجد هذا «المعجم الوسيط» يقول: «باشر زوجه مباشرة وبِشَارًا: لامست بَشَرَتُه بَشَرَتَها... وغَشِيَها»(16).
وقد وردت المباشرة في القرآن بمعنى الجماع، وبمعنى القبلة، والملامسة، وذلك في آية واحدة، والقرينة والسياق مع السّنة النبوية هي الَّتي تحدد المراد.
قال تعالى:﴿فَٱلْـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ﴾، إلى أن قال:﴿وَلَا تُبَـٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَـٰكِفُونَ فِى ٱلْمَسَـٰجِدِ﴾[البقرة: 187].
فالمباشرة المنهي عنها حالة الاعتكاف في المساجد هي القبلة والملامسة ونحوهما فهي الَّتي يمكن أن تقع مع الاعتكاف في المساجد.
والمباشرة المأمور بها ليلة الصيام هي الجماع بدلالة السّياق: ﴿وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، قال القرطبي وغيره في قوله تعالى:﴿فَٱلْـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ﴾، المباشرة كناية عن الجماع وسمي الوقاع مباشرة لتلاصق البشرتين فيه(17).
ومن هنا نعلم أنَّ إطلاق المباشرة على الجماع ليس إطلاقًا حقيقيًّا، بل مجازيا، والمجاز لا ينفي الحقيقة ولا يعارضها، بل الحقيقة هي الأصل حتَّى يقوم دليل على خلافها.
وإذن يكون فهم المباشرة في حديث عائشة: بأنَّها «الجماع» فهمًا خاطئًا بلا جدال. وإذا لم يكن الكاتب قد فهم المباشرة هذا الفهم الخاطئ، فلا بدَّ أن يكون قد أُتي من قبل فهمه للاعتزال في آية:﴿فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ﴾[البقرة: 222].
وعيب هذا الكاتب أنَّه يتعجل لغرض في نفسه في فهم النُّصوص؛ باتباع الخرص والظن، ثم يبني على فهمه نتائج يريد إلزام النَّاس بها، واطراح دينهم وسنة نبيهم من أجلها.
وكان لزامًا عليه ليعرف المراد من هذه الآية الكريمة أن يتبيَّن ويتثبت ويرجع إلى مصادر العلم، ويسأل أهل الذكر، ولا يتسرع في القول بالرأي والهوى، وقد قال أبو بكر 3 : «أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟!»(18).
وقال ﷺ : «من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم، فليتبوَّأ مقعده من النَّار»(19).
فإنَّ من الآيات ما بيَّنت السُّنَّة المراد منه، ومنها ما يظهر معناه بالقرائن والملابسات وأسباب النزول، وكان الصحابة أعلم النَّاس بذلك، وعنهم أخذ تلاميذهم من علماء التابعين، فلا جرم أنَّ الرجوع إلى علم هؤلاء والاستفادة منه واجب حتمًا.
أما ادِّعاء المعرفة، وإهمال هذه الثروة، والتهجم على القرآن، والقول على الله بغير بينة، فهو خطأ في المنهج، لا يقره العلم ولا الدين. وفي الحديث: «من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ»(20).
قال ابن كثير: لأنَّه قد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أُمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر، لكان قد أخطأ؛ لأنَّه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين النَّاس على جهل فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، فلن يكون أخف جرمًا ممَّن أخطأ(21).
وألزم ما يكون هذا الرجوع إلى المصادر حين يقف الإنسان موقف المستدرك على أئمَّة الإسلام، المخطِّئ لمثل البخاري في أعظم كتاب في الإسلام بعد القرآن، المتهم للأمة في سائر الأعصار بالجهل والبلادة والغفلة، بتصحيحها ما ليس بصحيح، وتقديمها ما لا يستحق التقديم.
إنّ الرسول ﷺ هو المبين للقرآن بقوله وعمله وتقريره، فإذا قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]. فقد يحتمل مورد الاعتزال في الآية عدة أفهام: قد يفهم منه اعتزال فِراش المرأة مطلقًا وترك مساكنتها، كما كان اليهود يفعلون، وقد يفهم منه اعتزال جميع بدنها فلا يباشره الرجل بشيء من بدنه بغير حائل، وإن لم يعتزل فراشها، وقد يفهم منه اعتزال الفرج الَّذي هو موضع «الأذى» الَّذي علل به الأمر بالاعتزال، وقد يفهم منه اعتزال جزء معين من البدن ـ ما بين السُّرة والركبة مثلًا ـ فالذي يحدد المراد من ذلك هو السُّنَّة القولية والعملية، ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44].
ونحمد الله أنَّ الرسول ﷺ لم يكن يفعل شيئًا ليخفيه عن الناس، بل كانت حياته الخاصَّة والعامَّة ملك الأمة جميعًا، وما فعله في ليله أو نهاره، وفي خلوته أو جلوته، قد نقله نساؤه إلى المسلمين من بعده، لأنَّه تشريع لهم، ولهم فيه أسوة حسنة.
ومن ذلك علاقته بهن في فترة الحيض، فهي الَّتي تفسر الآية كما يفسرها ما ورد عنه من أقوال في ذلك.
وجاءت أحاديث عائشة وميمونة وغيرهما من أمهات المؤمنين؛ مبينة لما أراد الله باعتزال النساء في المحيض، فليس هو اعتزال اليهود الَّذين كانوا يهجرون نساءهم في الحيض ولا يساكنونهن في البيوت، وقد تأثَّر بهم الأنصار بحكم المجاورة سنين طوالا، فسألوا النَّبيّ ﷺ عمَّا يحلّ وما يحرم في هذا الأمر، فنزلت الآية وفسَّرها النَّبيّ ﷺ بقوله وفعله.
وكانت أمهات المؤمنين حريصات على تبليغ المسلمين هَدْي رسولهم في كلِّ أحواله وعلاقاته، وتصحيح كلِّ خطأ أو غلو يخرج عن سنة الرسول، ويعلمن به.
رُوي عن بدرة مولاة ابن عبَّاس قالت: «بعثتني ميمونة بنت الحارث، وحفصة بنت عمر ـ وهما من أمهات المؤمنين ـ إلى امرأة ابن عبَّاس ^ ، وكانت بينهما قرابة من جهة النساء، فوجدت فراشه معتزلا فراشها، فظننت أن ذلك عن الهجران فسألتها، فقالت: إذا طمثْتُ (حضت) اعتزل فراشي، فرجعت فأخبرتها بذلك، فردَّتني إلى ابن عبَّاس وقالت: «تقول لك أمُّك: أرغِبْتَ عن سُنَّة رسول الله ﷺ ؟! لقد كان رسول الله ﷺ ينام مع المرأة من نسائه وإنَّها حائض، وما بينها وبينه إلَّا ثوب ما يجاوز الركبتين(22). وإذا كان النَّبيُّ ﷺ يأمر نساءه بالائتزار أثناء الطمث، فإنَّه لم يلزم أصحابه بذلك، وصح أنه أباح الاستمتاع بالبدن كله ما عدا موضع الأذى «الفرج» فدلَّ على أن الأمر بالائتزار للاستحباب، لأخذ الحذر والاحتياط.
ففي صحيح مسلم عن أنس: أنَّ اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن (أي يساكنوهن) في البيوت، فسأل أصحاب النَّبيّ ﷺ النَّبيّ فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًۭى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ﴾[البقرة: 222]، إلى آخر الآية. فقال النَّبيّ ﷺ : «اصنعوا كلّ شيء إلَّا النكاح». فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلَّا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن الحضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نُجامعهن؟! (أي مخالفة لليهود) فتغيَّر وجه رسول الله ﷺ »(23).
وقال القرطبي: «قال علماؤنا: كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائض، وكانت النَّصارى يجامعونهنَّ في الحيض، فأمر الله بالقصد بين هذين»(24).
وبهذا التفسير النَّبوي للآية، والتطبيق العملي لها، تأكدت وسطيَّة الإسلام واعتداله وسماحته بين المغالين والمُفْرطين، وبين المقصرين والمُفَرطين من أصحاب الملل والنحل، فهل يجوز لمسلم أو منصف بعد ذلك أن يزعم التعارض بين الآية الكريمة وبين حديث البخاري عن عائشة وميمونة ^ ، وينسب إلى الجامع الصحيح اشتماله على أحاديث مناقضة لِمَا أنزل الله في محكم كتابه. ويحكم على هذا الحديث المتفق على صحته بأنَّه منكر ومفترًى.
يا عجبًا! كأنَّ الكاتب الَّذي تربَّع على منصة الإفتاء ظلمًا وزورًا، يظنُّ أن البخاري وغيره من أئمَّة السُّنة كانوا متسوِّلين يأخذون الحديث عن كلِّ مَن هبَّ ودبَّ، فكل من قال لهم: قال رسول الله ﷺ . قالوا له: صدقت، هات ما عندك وفرحوا به، كما يفرح الصبيُّ بقطعة الحلوى!
لا يا مفتي «العربي» لقد كانوا لا يقبلون قولًا، حتَّى يعلموا أصله ومصدره، ولهذا اشترطوا الإسناد الَّذي تفردت به هذه الأمة عن غيرها من الأمم.
قال ابن سيرين: إنَّ هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
وقال غيره: طالب علم بلا إسنادٍ كحاطبٍ بلَيْل.
ونظر ابن المبارك في تفسير اشتمل على قصص وعبر، فقال: يا له من علم، لو كان له إسناد(25)!
ولم يكونوا يقبلون أي إسناد يذكر، بل يضعون كلّ راو من رواة السّند على مشرحة التحليل، يسألون عنه: عن عقله ودينه، وخلقه وسيرته، وعن شيوخه وتلامذته، فمن اشتبهوا فيه أسقطوه، وردوا حديثه، ومن قامت الدلائل على صدقه وحفظه وعدالته وضبطه: روَوْا عنه وقبلوه، وقد كان من ثمرات هذه البحوث المتشعبة المستفيضة عِلمان جليلان من علوم السُّنَّة هما علم رجال الحديث، وعلم الجرح والتعديل.
وكانوا يجوبون الآفاق، ويذرعون الأرض، طلبًا للحديث ممَّن سمعه بأذنيه، قال سعيد بن المسيّب: «إنَّا كنَّا نسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد»(26).
وسأل رجلٌ الشَّعبي عن مسألة فأفتاه فيها ثم قال: «خذْها بغير شيءٍ وإن كنَّا نسير فيما دونها من الكوفة إلى المدينة»(27).
ولنأخذ لذلك مثلًا حديث عائشة الَّذي رده الصحفي المفتي، وزعم أنَّه منكر ومفترًى (نعوذ بالله من ذلك) إن سند هذا الحديث ـ عند من له أدنى ذوق بهذا العلم ـ نير كضوء الشمس، فقد رواه البخاري عن شيخه قبيصة بن عقبة، قال حدّثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، ورجال هذا السّند كلهم كوفيون، تلقى بعضهم عن بعض، خلفا عن سلف، فهم تلاميذ المدرسة الكوفية الَّتي أسسها الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، وخرَّجت أساطين العلم، وأعلام الهدي في الحديث والفقه، وفي العلم والسلوك، أمثال الأسود وعلقمة وإبراهيم وحماد بن سليمان وسفيان الثَّوري، وأبي حنيفة النُّعمان وغيرهم من عظماء الإسلام.
ورواة هذا الحديث الشريف سفيان الثَّوري، ومنصور بن المُعْتَمر، وإبراهيم النخعي والأسود النَّخَعي، كلُّ واحد منهم جبل من جبال العلم، وبحر من بحور الرواية، وإمام من أئمَّة الدين، لا ترقى ذرة من شكّ إلى أمانتهم أو علمهم أو وعيهم، حتَّى يأتي مفتي «العربي» في آخر الزمان فيتهمهم بخيانة الأمة، وتضليل أجيالها وتحريف دينها، والكذب على رسولها باختراع الأحاديث المفتراة المنكرة «سبحانك هذا بهتان عظيم».
ومع هذا لم يروِ البخاري هذا الحديث بهذا السّند وحده، وعن هذا الطريق فحسب ـ وإن فيه لغناء وكفاية ـ بل روى معناه عن عائشة بأكثر من طريق.
ولم يرو ذلك عن عائشة وحدها من نساء النَّبيّ ﷺ ، بل روى البخاري ذلك عن ميمونة أيضًا، وليس البخاري وحده هو الَّذي روى حديثي عائشة وميمونة ^ ، بل خرجتهما جميع كتب السُّنة ودواوينها المتقدمة منها والمتأخرة؛ لإجماع أهل العلم على صحتهما، وتلقيهما بالقبول.
ولعمري لئن كان مثل حديث عائشة ـ بسنده الَّذي ذكرناه ـ منكرًا ومُفترًى كما يزعم هذا الزاعم الجريء، لكان هذا الدين باطلًا، وكانت السّنة كلها وهما، وكان تاريخ هذه الأمة زورا، وكان تراث هذه الأمة خرافة كبيرة، وكان أئمَّة هذا الدين وهذه الأمة أكبر دجاجلة عرفهم تاريخ الأديان والشعوب.
ولقد زعم الكاتب في مستهل كلامه أنه لا يتهم أبا هُرَيْرة ولا البخاري بصنع الأحاديث. والحق أنه لم يتهمهما وحدهما، بل اتهم معهما سائر علماء الإسلام وحملة رسالته، في القرون الأولى الَّتي هي خير القرون، واتهم الأمة كلها بالغباوة والغفلة والجهل، حيث تقبلت هذه الأحاديث بضعة عشر قرنًا بقبول حسن. وأثنت على رواتها، وخلعت عليهم وصف الإمامة في الدين، حتَّى جاء الكاتب النِّحْرير، فوصفهم بما يُستحيى من ذكره.
لقد سُئل القاضي أبو يوسف: أتقبل شهادة رجل يسبُّ السَّلف الصالح؟ فقال: لو عرفت رجلًا يسبُّ جيرانه ما قبلت شهادتَه، فكيف بمن يسبُّ أفاضل الأُمَّة(28)؟
أقول: فكيف بمن يسبُّ الأمَّة كلَّها، ليأتي على دينها من القواعد، لتقر أعين المبشرين والمستشرقين والشيوعيِّين؟! اللهمَّ لا تهلكنا بما فعل السُّفهاء منا.
ولندعْ حديث عائشة إلى الحديث الثاني الَّذي استند إليه الكاتب في الطعن على الإمام البخاري وجامعه الصحيح. ساقه كما يلي. قال:
يقول الله تعالى في سورتي النساء والمائدة في حكم الطهارة من الجنابة: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، إلى آخر الآية. ويقول البخاري: إن رجلًا أتى عمر فقال: إنِّي أجنبت فلم أجد ماء. فقال له عمر: لا تصلِّ.
ولو احترم الأستاذ أمانة العلم، واحترم عقول الأمة الَّتي تنشر فيها هذه المجلة ما اجترأ على هذا الادعاء، فإن الحديث بهذا اللفظ الَّذي ذكره لم يروه البخاري في صحيحه قط مع أنَّ عبارته: «ويقول البخاري... إلخ» تُشعر أنه قرأ الحديث في البخاري فأي كذب على الحقيقة، وتزوير على النَّاس أكثر من هذا؟!
ومع هذا نرخي العنان للكاتب المتعالم، ونتطوع بالجواب عن الحديث، فقد رواه إمام آخر لا يقل عن البخاري في علمه وفضله ودينه، هو مسلم في صحيحه.
والخطأ الكبير الَّذي سقط فيه مفتي «العربي» هنا بتعجله واقتحامه وتحيزه، زعمه أن آية: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. نصٌّ في حكم الطهارة من الجنابة، فإذا أورد البخاري عن عمر ما يخالفها كان ذلك حديثًا منكرًا ومفترى.
ولو تريَّث الأستاذ وتبيَّن ـ لو كان من هدفه التبين ـ لعلم أنَّ الملامسة «كالمباشرة» ليست نصًّا في الجماع، بل تدلُّ عليه بطريق الكناية والمجاز، لا الحقيقة اللغوية. وقد اختلف الصحابة ومن بعدهم في ذلك، فإنَّ ابن عبَّاس يرى أن الملامسة في الآية معناها الجماع، وقد أخذ بمذهبه أبو حنيفة وأصحابه. وعمر وابنه عبد الله وابن مسعود يفسِّرون الآية على ظاهرها وحقيقتها اللغوية، وقد أخذ بمذهبهم من يقول بأنَّ لمس المرأة ينقض الوضوء. قال ابن كثير: وهو قول الشافعي وأصحابه، ومالك؛ والمشهور عن ابن حنبل(29). ولكل من الفريقين أدلَّة ليس هذا موضع ذكرها؛ إنَّما الَّذي يهمنا هنا أن الآية ليست نصا في حكم الجناية كما أوهم الكاتب المتقوِّل بما لا يعلم.
وقول عمر لمن أجنب ولم يجد الماء: «لا تصلِّ» اجتهادٌ منه، وهو مخطئ في اجتهاده، ومعذور، بل مأجور أجرًا واحدًا، وليس عمر بالمعصوم من الخطأ، وليس هو أوَّل من أخطأ من الصحابة في اجتهاده، وليست هذه أوَّل خطأة له، فقد عد له ابن حزم جملة أحكام أخطأ فيها، أو نسي ما ورد فيها من سنَّة، حتَّى يُذَكِّره غيره من الصحابة، فيتذكر أو لا يتذكَّر(30).
فهل يعيب البخاري، أو مسلمًا، أن يسجل لنا في صحيحه رأيًا لعمر ـ وإن ظهر خطؤه ـ فينقل لنا بأمانة العالم صورة صحيحة للاجتهاد الإسلامي في ذلك العصر المبكر؟!
أما إنَّ هذا ـ والله ـ لمأثرة تحمد للبخاري ومسلم، لا مأخذ يعابان به، ويذمان عليه. وما أحسن ما قال البحتري(31):
إذا محاسني اللاتي أُدِلُّ بها كانت
ذنوبي، فقلْ لي كيف أعتذرُ؟!
ولا يفوتني أن أسجل هنا على الكاتب المتهجم أمرًا معيبًا حقًّا، فقد قال في فاتحة حديثه: «لست أقول عن حديث ما، إنَّه ضعيف أو موضوع، لمجرَّد أنه لا يتَّفق مع العقل والمنطق فحسب، بل لأن ذلك رأي كثير من الأئمَّة والفقهاء القدماء والمحدثين على السَّواء أمثال ابن تيمية، والقسطلاني، والذهبي، والبيهقي، والطبراني، والدارقطني، والهيثمي، والعراقي، والسيوطي، والعسقلاني، وغيرهم».
ثم طعن في أحاديث متفق على قبولها، مجمع على صحتها، ولم يطعن في ثبوتها عالم قط من هؤلاء الَّذين ذكرهم، ولا غيرهم، فليت شعري لِمَ أوهم الأستاذ بذكر أسماء هؤلاء الأعلام الَّذين يبدو ـ من ترتيبه لهم ـ أنه لم يعرفهم ولم يقرأ آثارهم، ولم يرجع إليها فيما انتقده على البخاري، وزعم أنه مُفْتَرى بل منكر.
وقد جعل الكاتب المنكر أشد من المُفْتَرى، وليس الأمر كذلك لغة ولا اصطلاحًا، فليس هناك أسوأ من المُفْتَرى!
أما حديث أبي طلحة الأنصاري، وأكله البرد في الصوم فلم يروه البخاري ولا مسلم ولا أحد من أصحاب الكتب السِّتَّة، ولهذا لا نطيل بالرد عليه، والجزء الموقوف فيه على أبي طلحة صحيح من حيث سنده، ولكن لا حجة فيه، لأنَّه اجتهاد صحابي انفرد به في فهم النَّصّ وخالفه سائر الصحابة، فلا عبرة به، ولهذا مات في مهده، ولم يقل به أحد طوال القرون الماضية. وأما الجزء المرفوع إلى النَّبيِّ ﷺ فغير صحيح. كما قرره علماء الحديث.
ولو كان هذا الصحفي يقدر أمانة القلم الَّذي في يمينه، ويحترم العقول الَّتي في رؤوس النَّاس، ما جشَّم نفسه ذكر هذا الحديث، فإن ميدان المعركة بينه وبين الأخ العالم العراقي الَّذي اتخذ لنفسه لقب «جابر عثرات الكرام» (وكان أولى أن يسمى: كاشف سوءات اللئام) هو: صحيحا البخاري ومسلم وغيرهما من الصحاح، فليس لإيراد هذا الحديث معنى في هذا المقام إلَّا الادعاء والتطاول، والتكثر بالباطل، والتمويه الَّذي لا تنفق سوقه إلَّا عند البسطاء وضعاف العقول.
وبعد:
فإنَّ الحملة على سُنَّة رسول الله ﷺ ليست بنت اليوم، فإنَّ وراءها جهات ومؤسسات تغذيها وتمدها، ولم يزل المبشِّرون والمستشرقون والشيوعيُّون يقودون المعركة ضدها، ويرمون لها بالوقود الدائم لتظلَّ مُسْتَعِرَة الأُوار، وليس من الضروري أن يظهروا بأنفسهم على المسرح؛ فقد يوغر ظهورهم الصدور، ويثير الشكوك، ففي تلامذتهم ـ المخدوعين منهم والخادعين ـ الكفاية كلّ الكفاية. وما أكثر الَّذين تحركهم مؤسسات التبشير والاستشراق والإلحاد الأحمر، ليحطبوا في حبلهم وهم لا يشعرون، بل وهم يحسبون أنَّهم يحسنون صنعا، وما أكثر المأجورين الَّذين يشترون بدينهم ثمنًا قليلًا، أولئك ما يأكلون في بطونهم إلَّا النار.
ألا وإن هذه الحملات لا تزيدنا إلَّا استمساكًا بالحقِّ، وثباتًا عليه، واعتصامًا بسُنَّة الرسول العظيم الَّتي بدونها لا يُفهم القرآن ولا تستبين معالم الدين وحدوده، وقد قال ﷺ : «تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي»(32).
والَّذي نأسف له حقًّا أن تكون الحملة اليوم من منبر شبه رسمي لدولة عربية مسلمة هي الكويت، فلعلَّ المسؤولين فيها ينتبهون إلى هذا الخطر الَّذي يخلق البلبلة والحيرة، ويجر إلى الاضطراب والصراع، فالخراب والدمار، وبالله نستعيذ ونعتصم، وهو تعالى من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
1. قال العراقي في تخريج الإحياء صـ 36: ذكره البيهقي في رسالته الأشعرية تعليقًا، وأسنده في المدخل من حديث ابن عباس بلفظ: «اختلاف أصحابي لكم رحمة». وإسناده ضعيف. وقال السبكي فيما نقله عنه المناوي في فيض القدير (1/209): وليس بمعروف عند المحدثين ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع.
2. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (10/182): لم أره بلفظ إخوانكم بعد التتبع الطويل البالغ في شيء من طرق الحديث المسندة، لا في الكتب المشهورة، ولا الأجزاء المنثورة، وقد عزاه بعضهم لمسند أحمد أو الطبراني أو كتاب الطواعين لابن أبي الدنيا ولا وجود لذلك في واحد منها.
3. رواه أحمد (19528)، وقال مخرجوه: هذا إسناد اختلف فيه على زياد بن علاقة. والحاكم في الإيمان (1/50)، وصحَّحه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال ابن حجر في فتح الباري (10/181): رجاله رجال الصحيح إلا المبهم، عن أبي موسي الأشعري.
4. ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة (404)، ثم قال: هو من كلام أبي سعيد الخراز، رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (5/137)، تحقيق عمرو بن غرامة العمروي، نشر دار الفكر، 1415هـ ـ 1995م.
5. رواه ابن عدي في الكامل (7/300)، والخطيب في تاريخ بغداد (3/196)، عن ابن عباس، وفيه إسناده محمد بن زياد اليشكري، وقال الذهبي في الميزان (7122): كذَّاب وضَّاع. ثم أورد له هذا الخبر.
6. رواه الطبراني في الكبير (22/63)، وفي مسند الشاميين (3400)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (8034): فيه عمرو بن الحصين، وهو متروك. عن واثلة.
7. رواه ابن نصر في فوائده (100)، وابن الجوزي في الموضوعات (2/298)، عن أبي أمامة.
8. رواه البخاري في الحيض (300).
9. إشارة إلى الحديث المتَّفق عليه: إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها، فاتزرت وهي حائض. رواه البخاري (303)، ومسلم (294)، كلاهما في الحيض.
10. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في التيمم (338)، ومسلم في الحيض (368)، عن عمار بن ياسر.
11. رواه أبو يعلى (1424)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (1864)، وقال عقبه: علي بن زيد (ابن جدعان) ليس من أهل الثبت في الرواية، وقد رواه عن أنس من هو أثبت منه، فلم يرفعه إلى النبي ﷺ ، وهو قتادة بن دعامة السدوسي، وثابت بن أسلم البناني وكل واحد منهما حجة على علي بن زيد في خلافه إياه، فكيف بهما جميعا في خلافهما إياه؟ وأورده الألباني في الضعيفة (1/153).
12. رواه الخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية صـ 36، تحقيق أبو عبد الله السورقي وإبراهيم حمدي المدني، نشر المكتبة العلمية، المدينة المنورة.
13. رواه البخاري في الحيض (299، 300).
14. سبق تخريجه صـ 410 ، وفيه: إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها.
15. سبق تخريجه صـ 410.
16. المعجم الوسيط مادة (ب. ش. ر).
17. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (2/317).
18. رواه ابن أبي شيبة في فضائل القرآن (30727).
19. رواه أحمد (2069)، وقال مخرجوه: إسناده ضعيف. والترمذي في التفسير (2951)، وقال: حسن. والنسائي في الكبرى في فضائل القرآن (8031)، عن ابن عباس.
20. رواه أبو داود في العلم (3652)، والترمذي في التفسير (2952)، وقال: غريب. وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (571)، عن جندب.
21. تفسير ابن كثير (1/11).
22. رواه أحمد (26819)، وقال مخرجوه: صحيح دون قوله: «ما يجاوز الركبتين».
23. رواه مسلم في الحيض (302)، وأحمد (12354)، وأبو داود في الطهارة (258).
24. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (3/81).
25. رواه الخطيب في تاريخ بغداد (15/207)، عن ابن المبارك، تحقيق أ. د. بشار عواد معروف، نشر دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1422هـ ـ 2002م.
26. رواه البيهقي في المدخل (401).
27. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في العلم (97)، ومسلم في الإيمان (154).
28. انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (1/149).
29. تفسير ابن كثير (2/315).
30. الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (2/12).
31. ديوان البحتري (2/954)، تحقيق حسن كامل الصيرفي، نشر دار المعارف، القاهرة، ط 3.
32. رواه الحاكم في العلم (1/93)، وقال: احتج البخاري بعكرمة واحتج مسلم بأبي أويس عبد الله وله أصل في الصحيح، ووافقه الذهبي، وصحَّحه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (40)، عن ابن عباس.