2026-06-03
757
حديث: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر: جهاد النفس»
سمعنا في بعض الأوساط الدينية ـ وبخاصَّة المتصوفة منها ـ حديثًا يذكرونه كثيرًا في مواعظهم وحلقاتهم، يقول: إنَّ النَّبيَّ ﷺ كان في غزوة، وبعد رجوعه منها قال لأصحابه: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر: جهاد النَّفس».
وعادةً ما يُذكر هذا الحديث للتَّهوين من شأن الجهاد والقتال في سبيل الله، دفاعًا عن الدين أو الوطن، وأنَّ على المسلم أن يهتمَّ قبل كلِّ شيء بتربية نفسه وجهادها، فهل هذا الحديث صحيح من ناحية سنده؟ ومَن رواه من أصحاب الكتب المعتمدة؟ وهل هو صحيح من ناحية معناه ومضمونه؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فهذا الحديث ليس بصحيحٍ ولا حسن، من ناحية سنده، ولم يخرجه مُخرِّج من أصحاب الكتب المعتمدة لدى المسلمين، فليس هو في أحد الصحيحين، ولا في أحد الكتب السِّتَّة، ولا في الموطأ، ولا في مسند أحمد على كثرة ما فيه.
قال الحافظ ابن حجر في «تسديد القوس في تخريج مسند الفردوس»: هو مشهور على الألسنة، وهو من كلام إبراهيم بن أبي عبلة(1). انتهى. وقال العجلوني في «كشف الخفاء»(2): الحديث في الإحياء، قال العراقي: رواه البيهقي بسند ضعيف عن جابر، ورواه الخطيب في تاريخه عن جابر بلفظ: قدم النَّبيّ ﷺ من غزاة، فقال ! : «قدمتم من خير مَقدَم، وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: «مجاهدة العبد هواه»(3) والمشهور على الألسنة: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الأكبر، دون باقيه، ففيه اقتصار. انتهى.
وأمَّا معناه، فهو يتضمَّن أمرين، أحدهما مرفوض قطعًا، وهو المفهوم منه بالتبع، لا بالقصد والأصالة، وإن كان الَّذين يروونه ويروجونه يقصدون إلى ذلك.
والثاني: يمكن أن يُقبل شرعًا، وهو المفهوم منه قصدًا، لا تبعًا.
فأمَّا المعنى الأول المرفوض فهو التَّقليل من شأن الجهاد في سبيل الله، والتهوين من مكانته وفضله في الإسلام، وضرورته للدفاع عن كيان الأمة ومقدساتها، إذا اعتدى عليها المعتدون، وتطاول عليها الطغاة المستكبرون.
والقرآن الكريم والسُّنَّة الشريفة حافلان بالنُّصوص الغزيرة المتوافرة الَّتي تبين فضيلة الجهاد وعلو منزلته في دين الله، بما لا يدع مجالا لأي ريب.
وحسبنا من القرآن قوله تعالى:﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَجَٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ٢٠ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍۢ مِّنْهُ وَرِضْوَٰنٍۢ وَجَنَّٰتٍۢ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌۭ مُّقِيمٌ ٢١ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ﴾[التوبة: 19 ـ 22].
وقال تعالى:﴿لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةًۭ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا ٩٥ دَرَجَٰتٍۢ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةًۭ وَرَحْمَةًۭ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًا﴾[النساء: 95، 96].
وفي أكثر من حديث صحيح أنَّ فضل الجهاد يفوق فضل الصائم الَّذي لا يُفطِر، والقائم الَّذي لا يَفتُر.
وفي حديث معاذ بن جبل المشهور: «ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذَرْوة سَنامه الجهاد في سبيل الله»(4). وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: دُلنَّي على عمل يعدل الجهاد؟ قال: «لا أجدُه». قال: «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتُر، وتصوم ولا تُفطر؟». قال: ومَن يستطيع ذلك؟ قال أبو هُرَيْرة: «إنَّ فرس المجاهد ليَسْتَنُّ في طَوْله، فيكتبُ له حسنات»(5).
إلى غير ذلك من الأحاديث، وهي غزيرة وفيرة، تراجع في كتاب (الجهاد) في الصحيحين والسنن، وفي مظانها في المسانيد.
وقد أُلفت كتب خاصَّة في فضل الجهاد، كما في كتاب عبد الله بن المبارك 3 .
وأمَّا المعنى المقبول من الحديث، فهو العناية بجهاد النفس، ورياضتها، والعمل على إلجامها بلجام التقوى، ومقاومة أهوائها وشهواتها، حتَّى تنتقل من حالة «النفس الأمَّارة بالسوء» إلى حالة «النفس اللوَّامة» ثم ترتقي حتَّى تصل إلى «النفس المطمئنة».
وهذا يحتاج إلى جهاد طويل النفس، بعيد الأغوار، كثير المشقات، ولكنَّه مبارك الثمرات، موفور الخيرات، ولا ريب أن نهاية هذا الطريق الشاق المضني هي الهداية إلى سبيل الله تعالى، كما قال 8 :﴿وَالَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾[العنكبوت: 69].
وفي الحديث: «المجاهد من جاهد هواه»(6).
وجهاد النَّفْس هنا هو أحد أنواع الجهاد المطلوبة من المسلم، وقد أوصلها العلامة ابن القيِّم إلى ثلاث عشرة مرتبة. منها أربع مراتب في جهاد النفس، ومرتبتان في جهاد الشيطان(7).
والله الموفِّق للصواب.
1. نقل ذلك الملا علي القاري في الأسرار المرفوعة (211).
2. انظر: كشف الخفاء (1/468) حديث (1362).
3. سبق تخريجه صـ 434.
4. رواه أحمد (22016)، وقال مخرِّجوه: صحيح بطرقه وشواهده. والترمذي في الإيمان (2616)، وقال: حسن صحيح. وابن ماجه في الفتن (3973)، والحاكم في التفسير (2/412، 413)، وصحَّحه على شرطهما، ووافقه الذهبي.
5. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (2785)، ومسلم في الإمارة (1878)، عن أبي هريرة.
6. رواه أحمد (23965)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح. والترمذي في فضائل الجهاد (1621)، وقال: حسن صحيح. بلفظ: «المجاهد من جاهد نفسه في سبيل الله». عن فضالة بن عبيد الله.
7. انظر: زاد المعاد (3/9).