2026-06-02
749
حديث: «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها»
نحن طلاب في الجامعة الإسلامية العالمية في كوالا لامبور بماليزيا، تلك الجامعة الَّتي طالما سعدت بحضوركم ومحاضراتكم. ولقائكم بطلابها وأساتذتها، ونحن ندرس في «كليَّة الوحي والمعارف الإنسانية» ونتتلمذ كثيرًا على كتبكم الَّتي نعتبرها من أهم مراجعنا لفهم الإسلام عقيدة وشريعة وحضارة، وكذلك فهم واقع الأمة وما تحتاج إليه من تجديد وإصلاح.
وكنا من قريب نتدارس في علم الحديث، وما فيه من صحيح وضعيف وموضوع، وأثير في مجلسنا حديث أخذ جدلًا طويلًا، فأكثرنا يرفضه، وأقلنا يحاول أن يلتمس طريقًا لقبوله، ووجدنا الأقدمين مختلفين كما اختلفنا، وهذا الحديث هو «أنا مدينةُ العلم، وعليٌّ بابها». فاتَّفقنا على أن نكتب إليك، لتفيدنا بعلمك، وتبصِّرنا بما تراه، وقد تعلَّمنا منك أمرين هامين:
الأول: ألَّا نقبل قولًا إلَّا بدليل، ولا دعوى بغير برهان، ولا بدَّ أن يكون الدليل قويًّا سالمًا من المعارض الشرعي والعقلي.
الثاني: الاعتدال والإنصاف حتَّى مع الخصوم والمخالفين، كما هو المنهج الإسلامي.
نرجو ألا تضن علينا بالكتابة بما يشفي صدورنا، وتطمئن به قلوبنا، وألَّا تشغلك المشاغل الكثيرة عن إجابتنا. داعين الله تعالى أن يمدَّ في عمرك، ويبارك في وقتك، وينفع أمة الإسلام بعلمك، ويجعلك من العلماء الربانيِّين المقبولين. إنَّه سميع مجيب.
مجموعة من طلبة الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فيسرُّني أن أشكر أبنائي وإخواني من طلبة الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، الَّتي أُكِنُّ لها كلَّ حب وتقدير، وطالما زرتها وحاضرت فيها.
حقائق مسَلَّمة:
وأودُّ أن أقرِّر هنا في بداية إجابتي جملة حقائق لا خلاف عليها، أو لا ينبغي أن يختلف عليها اثنان.
الأولى: أنَّ فضل سيدنا عليِّ بن أبي طالب 3 ومنزلته في الإسلام من أوَّل يوم، من الأمور المتَّفق عليها، ولا يخالف فيها مسلم قطُّ، لا شيعيٌّ ولا سُنِّي. فهو ابن الإسلام البِكْر، وفارس الإسلام، وزوج فاطمة البتول، وابن عم الرسول.
الثانية: أنَّ منزلته 3 في العلم والحكمة والبيان لا يماري فيها أحد، وقد رُوِيَ عنه من ذلك كثير، وإن اختلط فيه الحقّ بالباطل، والصحيح بالسقيم.
ولا بدَّ من فرز ذلك وتمييزه بعضه من بعض، فلا يُرفض كله، ولا يُقبل كله. وعندنا ـ نحن المسلمين ـ المعايير المنهجية الَّتي تميزت بها أمتنا لنقد المرويات، ومعرفة مقبولِها من مردودها. وأعتقد أنَّ الصحيح والمقبول من علم سيدنا عليٍّ وحكمته شيءٌ كثير.
الثالثة: أنَّ ثبوت منزلة عليٍّ وفضله في العلم، لا يتعارض مع ثبوت فضل إخوانه من الصحابة رضي الله عنهم جميعًا، فربَّما كان منهم من يساويه، وربَّما كان منهم من يفضله، كما نرى ذلك في واقع الأمر، فهناك في باب الرواية من الصحابة من روَوْا عن النبيِّ ﷺ أضعاف ما روى علي 3 ، وخصوصًا السَّبعة المكثرين: أبو هُرَيْرة، وعائشة، وابن عمر، وابن عبَّاس، وأنس، وجابر، وأبو سعيد الخدري.
وفي باب الدراية والفتوى، رأينا منهم من هو أكثر منه فتوى، مثل عمر وابن مسعود وابن عبَّاس وغيرهم.
الرابعة: أنَّ دخول المبالغات والتهويلات في بيان فضائل الأشخاص، أو ذمِّ خصومهم، هو الَّذي يفسد الحقائق الكبيرة، في العلم وفي الدين وفي الحياة. ولذا يجب الحذر منها، والوقوف عند حد الاعتدال، والبعد عن الغلوّ والتفريط، الَّذي وقع فيه ـ للأسف ـ الشيعة وخصومهم.
الخامسة: أنَّ «الهوى المتَّبع» من المهلِكات الَّتي ورد التحذير منها، وكذلك (العصبيَّة العمياء) لقبيلة أو لحزب أو لفئة أو لشخص؛ من المهاوي السَّحيقة الَّتي مزَّقت شمل الأمة الواحدة، المجتمعة على العقيدة والشَّريعة والقبلة، لتصبح أُممًا يعادي بعضها بعضًا، بل يقاتل بعضها بعضًا، وقد أدَّت هذه العصبيَّة إلى الكذب والاختلاق لنصرة من يُتعصَّب له، أو من يُتعصَّب ضدَّه.
وفي ضوء هذه الحقائق المسلمة ننظر إلى مقام سيدنا وحبيبنا علي بن أبي طالب 3 وفضله وجهاده وقربه من رسول الله ﷺ ، ومصاهرته له، فنضعه في المكانة الَّتي تليق به، ولا نبخسه حقه، ونترضى عليه.
وقد أغناه الله تعالى بالحقِّ الثابت في مدحه والثناء عليه، عن اللجوء إلى الباطل في تعداد فضائله ومزاياه.
وفي هذا السِّياق جاء حديث: «أنا مدينة العلم، وعليٌّ بابها، فمن أراد المدينة فليأتِ الباب» أو «أنا دار الحكمة».
والحديث بوجهيه لم يروه أحد أصحاب الكتب المعتمدة، لا الصحيحان، ولا أصحاب الكتب السِّتَّة، ما عدا التِّرْمِذيّ الَّذي رواه عن علي بلفظ: «أنا دار الحكمة وعليٌّ بابُها» ثم قال: هذا حديثٌ غريب منكر(1)، فبين درجته عنده.
ولم يروه مالك في الموطأ، ولا أحمد في المسند، ولا أحد ممَّن التزم رواية الصحيح مثل: ابن خزيمة وابن حِبَّان.
بل قال ابن حِبَّان في كتابه «المجروحين» (2/94): هذا خبرٌ لا أصل له عن النبيِّ ﷺ ، ولا شريك حدَّث به، ولا سلمة بن كُهَيل رواه، ولا الصُّنَابِحيِّ أسنده!
ولم يصحِّحه أحدٌ من أئمَّة الحديث غير الحاكم في «مستدركه»، وهو معروف بالتساهل وسَعة الخطو في التصحيح كما ذكر المحقِّقون.
وقد رواه في المستدرك بسنده، عن ابن عبَّاس بلفظ: «أنا مدينة العلم، وعليٌّ بابها، فمن أراد المدينة فليأتِ الباب»(2) وقال: صحيح الإسناد، وأبو الصلْت ـ راويه ـ ثقة مأمون. قال الذهبيُّ في تلخيصه: بل موضوع! قال: وأبو الصلتِ ثقة مأمون. قلت: لا والله لا ثقة ولا مأمون.
وقال الذهبي عن «أبي الصَّلْت» هذا في كتابه «الضعفاء والمتروكين»: اتَّهمه بالكذب غير واحد، قال أبو زُرعة: لم يكن ثقة. وقال ابن عديٍّ: متهم. وقال غيره: رافضي(3).
وقال الحافظ في التقريب: صدوقٌ له مناكير، وكان يتشيَّع، وأفرط العقيلي فقال: كذَّاب(4) اهـ .
وقد اضطرب قول ابن معين فيه على وجوه، ذكرها العلامة الألباني في السّلسلة الضعيفة والموضوعة في الكلام على حديث «أنا مدينة العلم»(5).
وقد ذكر له الحاكم شاهدًا من حديث جابر، من طريق أحمد بن عبد الله بن يزيد الحرَّاني.
وعقَّب عليه الذهبي قائلًا: العجب من الحاكم وجرأته في تصحيح هذا وأمثاله من البواطيل، وأحمد هذا دجَّال كذَّاب(6).
وذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وبيَّن أنَّ طرقه كلَّها موضوعة(7).
وكذلك القزويني ذكر أنَّه موضوع.
وقال أبو زرعة: كم خلق افتضحوا فيه(8).
وقال أبو حاتم ويحيى بن سعيد: لا أصل له.
ونقل السَّخاوي في المقاصد الحسنة: عن الدارقطني في العلل: أنه حديث مضطرب غير ثابت(9).
ونقل الخطيب في تاريخ بغداد عن يحيى بن مَعِين أنه قال: كذب لا أصل له(10).
وأشار إلى هذا ابن دقيق العيد، بقوله: هذا الحديث لم يُثبتوه، وقيل: إنَّه باطل، وهو مشعر بتوقفه فيما ذهبوا إليه من الحكم بكذبه(11).
دفاع الحافظ العَلَائي عن الحديث:
وصرَّح العَلَائي بالتوقف في الحكم عليه بذلك، فقال: وعندي فيه نظر، ثم بين ما يشهد لكون أبي معاوية راوي حديث ابن عبَّاس حدَّث به، فزال المحذور ممَّن هو دونه، قال: وأبو معاوية ثقة حافظ محتج بأفراده، كابن عُيَيْنة وغيره، فمن حكم على الحديث مع ذلك بالكذب، فقد أخطأ، قال: وليس هو من الألفاظ المنكرة الَّتي تأباها العقول، بل هو كحديث: «أرحم أُمَّتي بأُمَّتي...» (أي أبو بكر) وهو صنيعٌ معتمد، فليس هذا الحديث بكذب، خصوصًا وقد أخرجه الدَّيلمي في مسنده بسندٍ ضعيف جدًّا، عن ابن عبَّاس مرفوعًا: «عليُّ بن أبي طالب بابُ حِطَّة، فمن دخل فيه كان مؤمنًا، ومن خرج منه كان كافرًا»(12).
ومن حديث أبي ذرٍّ رفعه: «عليٌّ بابُ علمي، ومبيِّنٌ لأُمَّتي ما أُرسلتُ به من بعدي، حبُّه إيمان، وبغضُه نفاق، والنَّظرُ إليه رأفة»(13).
ومن حديث ابن عبَّاس رفعه: «أنا ميزان العلم، وعليٌّ كِفَّتاه، والحسنُ والحسين خيوطه...» الحديث(14).
وأورد صاحب الفردوس وتبعه ابنه المذكور بلا إسناد عن ابن مسعودٍ رَفَعه: «أنا مدينة العلم، وأبو بكر أساسها، وعمر حيطانها، وعثمان سقفها، وعليٌّ بابها!»(15).
وعن أنس مرفوعًا: «أنا مدينة العلم، وعليٌّ بابها، ومعاويةُ حَلْقتها»(16).
وبالجملة فكلُّها ضعيفة، وألفاظ أكثرها ركيكة، وأحسنُها حديث ابن عبَّاس، بل هو حسن، وقد روى التِّرْمِذيّ أيضًا والنسائي، وابن ماجه، وغيرهم من حديث حُبْشي بن جُنَادة مرفوعًا: «عليٌّ منِّي، وأنا من عليٍّ، لا يؤدِّي عني إلَّا أنا أو عليٌّ»(17).
قال السَّخَاوي: وليس في هذا كله ما يقدح في إجماع أهل السُّنة، من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، على أن أفضل الصحابة بعد النَّبيِّ ﷺ على الإطلاق، أبو بكر؛ ثم عمر ^ ؛ وقد قال ابن عمر ^ : كنَّا نقول: ورسول الله ﷺ حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر؛ وعمر وعثمان؛ فيسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فلا ينكره(18). بل ثبت عن علي نفسه أنَّه قال: خيرُ النَّاس بعدَ رسول الله ﷺ : أبو بكر ثم عمر ثم رجل آخر. فقال له ابنه محمَّد بن الحنفيَّة؛ ثم أنت يا أبتِ. فكان يقول: ما أبوك إلَّا رجل من المسلمين(19) رضي الله عنهم، وعن سائر الصحابة أجمعين(20).
مناقشة الحافظ العَلائي في تصحيح الحديث:
ومن حقِّنا أن نناقش الحافظ العلائي فيما ذهب إليه من الدفاع عن الحديث، وأنَّه لا يصل إلى مرتبة الموضوع، فإنَّه من أفراد أبي معاوية الضرير، ومثله يقبل ما انفرد به. وهنا نذكر جملة نقاط:
الأولى: أنَّ ما تفرَّد به الثقة من زيادة في حديث يعتبر شاذًّا بمجرد خلافه لمن هو أوثق منه، فكيف إذا خالف كلَّ الثقات في عصره، وانفرد بحديث دونهم.
الثانية: أنَّهم قالوا عن أبي معاوية أنه كان يروي هذا الحديث قديمًا، ثم كفَّ عنه، ولم يعد يرويه.
الثالثة: ما قاله العلائي من أنَّ الحديث ليس من الألفاظ المنكرة الَّتي تأباها العقول، بل هو كحديث: «أرحم أمتي بأُمَّتي أبو بكر»: قول غير مسلم، فمتن الحديث يتضمَّن مقولة غير مقبولة شرعًا وواقعًا لمن يحسن تدبُّره، ويتأمَّل في ألفاظه. وقد جلَّى ذلك بأوضح بيان: شيخ الإسلام ابن تيمية، الَّذي عرض للحديث في كتابه الشهير «منهاج السُّنَّة النبويَّة» بعد أن ضعف حديثًا قبله في مناقب عليٍّ، ثم قال: وحديث: «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها». أضعف وأوهى. ولهذا إنَّما يعد في الموضوعات، وإن رواه التِّرْمِذيّ(21).
وذكره ابن الجَوزي في الموضوعات وبين أن سائر طرقه موضوعة(22). والكذب يعرف من نفس متنه، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ إذا كان مدينة العلم، ولم يكن لها إلَّا باب واحد، ولم يبلغ عنه العلم إلَّا واحد، فسد أمر الإسلام.
ولهذا اتَّفق المسلمون على أنَّه لا يجوز أن يكون المبلِّغ عنه العلم واحدًا، بل يجب أن يكون المبلِّغون أهل التواتر، الَّذين يحصل العلم بخبرهم للغائب.
وخبر الواحد لا يفيد العلم إلَّا بقرائن، وتلك قد تكون منتفية أو خفية عن أكثر النَّاس، فلا يحصل لهم العلم بالقرآن والسنن المتواترة(23).
ثم إنَّ هذا خلاف المعلوم بالتواتر، فإنَّ جميع مدائن الإسلام بلغهم العلم عن الرسول من غير عليٍّ، أمَّا أهل المدينة ومكَّة فالأمر فيهما ظاهر، وكذلك الشَّام والبصرة، فإنَّ هؤلاء لم يكونوا يروون عن عليٍّ إلَّا شيئًا قليلًا. وإنَّما كان غالب علمه في الكوفة، ومع هذا فأهل الكوفة كانوا يعلمون القرآن والسُّنَّة قبل أن يتولَّى عثمان، فضلًا عن عليٍّ.
وفقهاء أهل المدينة تعلموا الدين في خلافة عمر، وتعليم معاذ لأهل اليمن ومقامه فيهم أكثر من علي. ولهذا روى أهل اليمن عن معاذ بن جبل أكثر ممَّا روَوْا عن علي. وشريح وغيره من أكابر التابعين إنَّما تفقَّهوا على معاذ بن جبل. ولما قَدَم علي الكوفة كان شريح فيها قاضيًا، وهو وعَبِيدة السَّلْماني تفقَّها على غيره، فانتشر علم الإسلام في المدائن قبل أن يَقدَم عليٌّ الكوفة(24).
وقد روَوْا أنَّ عليًّا 3 لما قدم الكوفة وجد فيها عددًا من تلاميذ ابن مسعود من الفقهاء الَّذين يُؤخذ عنهم العلم، فقال: رحم الله ابنَ أمِّ عبدٍ، لقد ملأ هذه القرية علمًا!
أقوال أهل الجرح والتعديل في أبي الصَّلْت:
ومن واجبنا هنا أن نستكمل البحث ببيان حقيقة أبي الصَّلْت ومنزلته من العدالة والصدق والضبط عند علماء الجرح والتعديل، الَّذين هم المرجع في تقييم الرجال.
وقد ذكر الحافظ المزي في «تهذيب الكمال» في ترجمة أبي الصَّلْت عبد السَّلام بن صالح الهَرَوي (ت: 236هـ) ـ وهو العمدة في رواية الحديث: «أنا مدينة العلم» عند الحاكم ـ أخبارًا وفيرة تكشف لنا كثيرًا من شخصيته واتجاهه.
من ذلك ما نقله من طريق الخطيب البغدادي عن أبي بكر المروذي: سُئل أبو عبد الله (يعني أحمد بن حنبل) عن أبي الصلت، فقال: روى أحاديث مناكير، مثل «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها». قال: ما سمعنا بهذا.
قيل له: هذا الَّذي يُنكر عليه؟ قال: غير هذا، أما هذا فما سمعنا به(25).
روى عن عبد الرزاق أحاديث(26) لا نعرفها ولم نسمعها.
قيل لأبي عبد الله: قد كان عند عبد الرزَّاق من هذه الأحاديث الرديئة؟ قال: لم أسمع منها شيئًا.
وقال عمر بن الحسن بن عليِّ بن مالك، عن أبيه: سألت يحيى بن مَعِين عن أبي الصَّلْت الهروي، فقال: ثقة صدوق إلَّا أنه يتشيَّع.
وقال إبراهيم بن عبد الله بن الجُنَيد: سألت يحيى بن مَعِين عن أبي الصَّلْت الهروي، فقال: قد سمع وما أعرفه بالكذب.
قلت: فحديث الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس؟ فقال: ما سمعت به قط، وما بلغني إلَّا عنه.
وقال مرَّة أخرى: سمعت يحيى وذكر أبا الصَّلْت الهروي.
فقال: لم يكن أبو الصَّلْت عندنا من أهل الكذب، وهذه الأحاديث الَّتي يرويها ما نعرفها.
وقال عبد الخالق بن منصور: سألت يحيى بن مَعِينٍ عن أبي الصَّلت، فقال: ما أعرفه.
فقلت: إنَّه يروي حديث الأعمش عن مجاهد، عن ابن عبَّاس: «أنا مدينة العالم وعليٌّ بابها» فقال: ما هذا الحديث بشيء.
قال الحافظ أبو بكر بن ثابت (يعني: الخطيب البغدادي): أحسب عبد الخالق سأل يحيى عن حال أبي الصَّلت قديمًا، ولم يكن يحيى إذ ذاك يعرفه، ثم عرفه بعد، فأجاب إبراهيم بن الجُنَيد عن حاله.
وأمَّا حديثُ الأعمش، فإنَّ أبا الصَّلْت كان يرويه عنه، فأنكره أحمدُ بن حنبل ويحيى بن مَعِين من حديث أبي معاوية، ثم بحث يحيى عنه، فوجد غير أبي الصَّلْت قد رواه عن أبي معاوية.
وقال عبَّاس بن محمَّد الدُّوري: سمعت يحيى بن مَعِين يوثق أبا الصَّلْت عبد السَّلام بن صالح، فقلت، أو قيل له: إنَّه حدَّث عن أبي معاوية، عن الأعمش «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها» فقال: ما تريدون من هذا المسكين، أليس قد حدَّث به محمَّد بن جعفر الفَيْدي، عن أبي معاوية، هذا أو نحوه.
وقال أحمد بن محمَّد بن القاسم بن مُحْرِز: سألت يحيى بن مَعِين عن أبي الصَّلْت الهَرَوي، فقال: ليس ممَّن يكذب.
فقيل له في حديث أبي معاوية عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس: «أنا مدينة العلم وعلي بابها»، فقال: هو من حديث أبي معاوية، أخبرني ابن نُمَير، قال: حدث به أبو معاوية قديمًا ثم كفَّ عنه.
وكان أبو الصَّلْت رجلًا موسرًا، يطلب هذه الأحاديث ويكرم المشايخ، وكانوا يحدِّثونه بها.
وقال عبد المؤمن بن خلف النسفي: سألت أبا علي صالح بن محمَّد عن أبي الصَّلْت الهروي، فقال: رأيت يحيى بن مَعِين يحسن القول فيه، ورأيت يحيى بن مَعِين عنده، وسئل عن الحديث الَّذي روى عن أبي معاوية، حديث علي: «مدينة العلم» فقال: رواه أيضًا الفَيْدي. قلت: ما اسمه؟ قال: محمَّد بن جعفر.
وقال زكريا بن يحيى السَّاجي: يُحدث بمناكير، هو عندهم ضعيف.
وقال النَّسائي: ليس بثقة.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألتُ أبي عنه، فقال: لم يكن عندي بصَدوق، وهو ضعيف، ولم يحدِّثني عنه.
وأمَّا أبو زُرعة فأمر أن يضرب على حديث أبي الصَّلْت، وقال: لا أحدِّث عنه ولا أرضاه.
وقال إبراهيم بن يعقوب الجُوزْجاني: كان أبو الصَّلْت الهروي زائغا عن الحقِّ، مائلًا عن القصد، سمعت من حدَّثني عن بعض الأئمَّة أنَّه قال فيه: هو أكذب من رُوث حِمَار، الدجَّال، وكان قديمًا متلوِّثًا في الأقذار.
وقال أبو أحمد بن عدي: له أحاديث مناكير في فضل أهل البيت، وهو متهم فيها.
وقال أبو بكر البرقاني: عن أبي الحسن الدارقطني، كان رافضيًّا خبيثًا. قال لي دعلج: إنَّه سمع أبا سعد الهروي الزاهد وقيل له: ما تقول في عبد السَّلَام بن صالح؟ فقال: نُعَيْم بن الهَيْصَم ثقة.
فقيل: إنَّما سألتك عن عبد السَّلام؟ فقال: نُعيم ثقة.
لم يزد على هذا.
قال أبو الحسن: وروي عن جعفر بن محمَّد الحديث، عن آبائه، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «الإيمان إقرار بالقول، وعمل بالجوارح...»(27).
وهو متَّهم بوضعه، لم يحدِّث به إلَّا من سرقه منه، فهو الابتداء في هذا الحديث.
قال أبو بكر البُرْقاني: وحكى لنا أبو الحسن أنه سمعه يقول: كلبٌ للعلويَّة خيرٌ من جميع بني أُمَيَّة.
فقيل: فيهم عثمان؟ فقال: فيهم عثمان. انتهى.
وأعتقد أن رجلًا قيل فيه كلُّ هذا من أئمَّة كبار؛ ليس أهلًا لأن يؤخذ منه حديث مثل الحديث الَّذي معنا: «أنا مدينة العلم».
بين المتقدِّمين والمتأخِّرين:
والناظر في تراثنا العلمي ـ وبخاصَّة التراث الحديثي الضخم ـ يجد فرقًا شاسعًا بين النظرة النقدية عند المتقدِّمين، وبين النظرة النقدية عند المتأخِّرين. فالمتقدِّمون مثل الإمام أحمد، وابن مَعِين، وابن مَهْدِيّ، وابن المَدِيني، والبخاري، ومسلم، وأبي حاتم، وأبي زُرعة، ويحيى القطَّان، والدارقُطْني، وابن حِبَّان، وأمثالهم؛ لا يتحرَّجون من ردِّ الحديث إذا لم يستجمع شروط الصحة، ولا يتأثَّمون من حكم عليه بالوضع أو البطلان أو الإنكار (أي قولهم: منكر) أو غير ذلك من العبارات. ومثل هؤلاء من جاء بعد ذلك من المحقِّقين أمثال: ابن الجوزي، وابن تيمية، وابن القيِّم، والذهبي، وابن كَثِير وأمثالهم.
على حين نجد المتأخِّرين ممَّن جاؤوا بعد ذلك يعِزُّ عليهم أن يحكموا على حديث بالوضع والافتراء، أو بأنَّه باطل، أو لا أصل له، إلى غير ذلك من العبارات القويَّة المعبِّرة، ويتحاملون على تقوية هذا النوع من الأحاديث بتعدُّد الطُرق الَّتي قالوا: إنَّها يقوي بعضها بعضًا، لينتقلوا بالحديث من مرتبة ضعيف جدًّا، أو واهٍ، أو موضوع مكذوب، إلى درجة حسن لغيره، أو على الأقلِّ درجة ضعيف لا مكذوب.
ومن هؤلاء: الحافظ الكبير، شيخ الإسلام في عصره، وفخر المحدثين، الَّذي يعبر عنه كثيرون بأنَّه (خاتمة الحفَّاظ) وهو العلامة الشهير: الحافظ ابن حجر العسقلاني؛ شارح البخاري، وصاحب الكتب الَّتي شرَّقت وغربت، والَّذي لا يرتاب عالم في غزارة علمه، وسعة اطلاعه، ونزاهته وإخلاصه.
وبعده الحافظ السُّيوطي، ومعاصره الحافظ السَّخاوي، وغيرهم من الحفَّاظ الَّذين شغلوا بالحديث وعلومه ومصادره، وكان كلُّ واحد منهم كأنَّه مكتبة متنقلة في علوم الحديث.
ويبدو أن ملكة الحفظ الهائلة أثَّرت على ملكة النقد، فغلب عليهم تمشية بعض الأحاديث الَّتي كان يرفضها من قبلهم، أو يرفض مثلها الأئمَّة النقاد.
فهؤلاء من الصعب عليهم أن يحكموا على حديث بالوضع أو البطلان، بل هم يحاولون أن يجدوا له مخرجًا ينقله إلى درجة الضعيف، بل الحسن المحتجِّ به، ولو بكونه حسنًا لغيره.
ومطيَّتهم الذلولة في ذلك تعدُّد طرق الحديث، الَّتي يأخذون منها أنَّ للحديث أصلًا، وهذا ليس دائمًا مسلَّمًا.
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين.
1. رواه الترمذي في المناقب (3723)، وقال في العلل الكبير (699): سألت محمدًا ـ يعني البخاريَّ ـ عنه فلم يعرفه، وأنكر هذا الحديث.
2. رواه الحاكم في معرفة الصحابة (3/126، 127).
3. ديوان أسماء الضعفاء والمتروكين للحافظ الذهبي صـ 249، تحقيق حماد بن محمد الأنصاري، نشر مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، ط 2، 1387هـ ـ 1967م.
4. تقريب التهذيب لابن حجر (4070)، واسمه عبد السلام بن صالح بن سليمان أبو الصلت الهروي.
5. السلسلة الأحاديث الضعيفة (6/519)، رقم (2955).
6. المستدرك ومعه التلخيص للذهبي (2/127).
7. الموضوعات لابن الجوزي (1/349) وما بعدها، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، نشر المكتبة السلفية، المدينة المنورة، ط 1، 1386هـ ـ 1966م.
8. الضعفاء لأبي زرعة الرازي (2/519)، تحقيق سعدي بن مهدي الهاشمي، نشر الجامعة الإسلامية، المدينة النبوية، 1402هـ ـ 1982م.
9. المقاصد الحسنة للسخاوي (189).
10. سؤالات ابن الجنيد لابن معين (51)، تحقيق أحمد محمد نور سيف، نشر مكتبة الدار، المدينة المنورة، ط 1، 1408هـ ـ 1988م، وتاريخ بغداد للخطيب (12/315).
11. كشف الخفاء للعجلوني (232).
12. الفردوس بمأثور الخطاب (4179)، تحقيق السعيد بن بسيوني زغلول، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1406هـ ـ 1986م.
13. المصدر السابق (4181).
14. المصدر السابق (107).
15. المصدر السابق (105).
16. المصدر السابق (106).
17. رواه الترمذي في المناقب (3719)، وقال: حسن غريب صحيح. وابن ماجه في المقدمة (119)، والنسائي في الكبرى في المناقب (8091)، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (2931).
18. رواه البخاري في أصحاب النبي ﷺ (3655) بلفظ: كنا نخيِّر بين الناس في زمن النبي ﷺ ، فنخيِّر أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان @.
19. رواه البخاري في أصحاب النبي ﷺ (3671).
20. المقاصد الحسنة صـ 190.
21. منهاج السنة النبوية لابن تيمية (7/515).
22. الموضوعات لابن الجوزي (1/349 ـ 355).
23. منهاج السنة النبوية لابن تيمية (7/515، 516).
24. منهاج السنة (7/516، 517).
25. انظر: تهذيب الكمال للمزي (18/73 ـ 82)، تحقيق أ. د. بشار عواد معروف، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1400هـ ـ 1980م.
26. في الأصل (واحدًا) ويبدو أنها محرفة عن كلمة (أحاديث) كما يبدو من السياق.
27. رواه ابن جرير في تهذيب الآثار مسند ابن عباس (1029).