2026-06-02
791
حديث: «لا سبْقَ إلَّا في خفٍّ»
قرأت ومجموعة من طلاب العلم حديث: «لا سبق إلَّا في خفٍّ أو حافر أو نصْل» واحتدم الخلاف بيننا في ثبوت هذا الحديث أو عدم ثبوته، كما تباينت وجهات النظر في دلالة هذا الحديث.
وقد رأينا أن نرسل لفضيلتكم بهذا السُّؤال لبيان صحَّة هذا الحديث ومدى ثبوته، وإن ثبت هذا الحديث أو صحَّ سندًا، فما هي دلالته، وهل تقف دلالته على هذه الأشياء المذكورة في الحديث فقط؟
سائلين الله أن ينفع بكم وبعلمكم، وأن يسدد على طريق الحقّ خطاكم.
عدد من طلاب العلم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
أمَّا من ناحية ثبوته، فهو لم يرد في أحد الصحيحين. وعدم وروده في أحد هذين المصدرين الأساسيَّين يضع علامة استفهام أمام الباحث المتجرِّد للحقِّ: لماذا أعرض عنه الشيخان؟ لا بدَّ أنه لم يصحَّ على شرط واحد منهما.
نظرة في سند الحديث:
إنَّما أخرجه أحمد وأصحاب السُّنن الأربعة(1) من طريق راوٍ هو العمدة في هذا الحديث، وهو نافع بن أبي نافع، والعجيب أنَّ هذه الكتب لم تروِ له حديثًا غير هذا الحديث.
صحيح أنَّ الدُّوري نقل عن يحيى بن مَعِين: أنَّه ثقة، وذكره ابن حِبَّان في الثقات كما في «تهذيب الكمال»(2)، ولكنَّ ابن حجر في «تهذيب التهذيب» نقل عن ابن المَدِيني أنَّه قال عنه: مجهول(3).
وقد رُوِيَ الحديث بأسانيد أخرى كلِّها ضعيفة(4).
وكذلك نجد ابن أبي شَيْبة أخرج الحديث في مصنَّفه موقوفًا على أبي هُرَيْرة(5).
وكذلك أخرجه البخاري في التاريخ الكبير موقوفًا(6).
وكذلك النَّسائي في إحدى رواياته(7).
ومن هنا أعلَّه الدارقطني بالوقف(8).
فهذه هي قيمة الحديث الَّذي هو العمدة في الاستدلال من حيث سنده وثبوته.
نظرة في دلالة الحديث:
فإذا نظرنا في الحديث من حيث دلالته مسلمين بثبوته، نجد أن الَّذين أخذوا منه تحريم دخول العوض المالي على ما عدا هذه الثلاث (الخيل والإبل والسهام) وما في معناها؛ إنَّما أخذوها من اعتبارهم الحصر الَّذي تضمَّنه الحديث حصرًا حقيقيًّا. فكلُّ ما عدا هذه الثلاث المذكورة لا يجوز أن يدخل فيها السَّبق: أي المال المرصود للسابق، وبتعبير عصرنا: الجائزة.
وتضييقنا في منع الجوائز إلَّا في هذه الثلاث: يسدّ علينا أبوابًا كثيرة في إعطاء الحوافز للمتسابقين في ميادين شتَّى، بعضها رياضية، وبعضها ثقافية، وبعضها دينية، كالمتسابقين في حفظ القرآن.
ولقد انتفعنا أيام الطلب ـ في المراحل الابتدائية والثانوية ـ بما رصده أهل الخير لأوائل الطلبة في الأزهر، كما انتفعنا أيام الدراسة العالية بما كنَّا ندخله من مسابقات علمية في بعض الكتب النافعة، يُعطى فيها الأول والثاني جوائز كانت لها قيمتها وأثرها في سدِّ حاجاتنا.
ولذا نرى: أنَّ منع الجوائز أو العوض المالي إلَّا في الثلاث المذكورة في الحديث فيه تعسير وتشديد على عباد الله تعالى. وفيه من ناحية أخرى تعطيل لمنافع ومصالح مهمة تأتي للأمة، عن طريق التشجيع على التنافس والتسابق في أمور تجلب الخير على المجتمع، وذلك عن طريق الحوافز الماديَّة، والجوائز المالية.
ولذا كان علينا أن ننظر في دلالة هذا الحديث الواحد ـ على افتراض ثبوتـه ـ نظرة من أفق أوسع، على أساس أنَّ هذا الحصر الَّذي دلَّ عليه الاستثناء إضافيٌّ لا حقيقي.
ومعناه: لا سبق في ميدان الجهاد والقتال إلَّا في هذه الأمور الثلاثة، أو أنَّ هذه الأمور الثلاثة لا يراد بها الحصر، بل يلحق بها رابع وخامس وسادس، كما قال الإمام الغزالي في الردِّ على من منعوا اللهو فيما عدا الأمور الثلاثة الَّتي جاء بها حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: «كلُّ لهوٍ يلهو به المسلم فهو باطل، إلَّا ثلاثة: رميُه بسهمه، وملاعبته امرأته، وتأديبه فرسه»(9)، وجعلوا هذا الحديث من أدلَّتهم على تحريم الغناء؛ لأنَّه خارج عن الثلاثة المذكورة، فهو باطل، وهو إذن حرام.
قال الغزالي: فقوله «باطل» لا يدلُّ على التحريم بل يدلُّ على عدم الفائدة، وقد يسلم ذلك. على أن التلهي بالنظر إلى الحبشة خارج عن هذه الثلاثة وليس بحرام، بل يلحق بالمحصور غير المحصور قياسا؛ كقوله ﷺ : «لا يحلُّ دم امرئ مسلم إلَّا بإحدى ثلاث»(10) فإنَّه يلحق به رابع وخامس. فكذلك ملاعبة امرأته لا فائدة له إلَّا التلذُّذ. وفي هذا دليل على أن التفرُّج في البساتين وسماع أصوات الطيور وأنواع المداعبات ممَّا يلهو به الرجل لا يحرم عليه شيء منها، وإن جاز وصفه بأنَّه باطل(11). والحمد لله أولاً وآخرًا.
1. رواه أحمد (10138)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح. وأبو داود (2574)، والترمذي (1700)، كلاهما في الجهاد، والنسائي في الخيل (3585).
2. ثقات ابن حبان (5/468)، وتهذيب الكمال (29/294).
3. تهذيب التهذيب (10/411).
4. رواه أحمد (7482، 8993)، وقال مخرجوه في كلا الموضعين: حديث صحيح. وابن ماجه في الجهاد (2878)، والنسائي في الخيل (3589)، من طريق أبو الحكم مولى الليثيين. قال الذهبي في ميزان الاعتدال (9511): لا يعرف. وقال الحافظ في التقريب (8060): مقبول.
5. رواه ابن أبي شيبة في السير (34249).
6. التاريخ الكبير للبخاري (2798)، نشر دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد الهند.
7. رواه النسائي في الخيل (3587).
8. علل الدارقطني (1777، 2251).
9. رواه أحمد (17321)، وقال مخرجوه: حسن بمجموع طرقه وشواهده. وأبو داود في الجهاد (2513)، والنسائي في الخيل (3578)، وابن ماجه في الجهاد (2811)، ووصفه العراقي في تخريج الإحياء صـ 758 بأنه مضطرب.
10. متَّفقٌ عليه: رواه البخاري في الديات (6878)، ومسلم في القسامة (1676)، عن ابن مسعود.
11. إحياء علوم الدين (2/285).