2026-06-02
855
أحاديث: الاكتحال والتوسعة على العيال في عاشوراء
هل ورد في يوم عاشوراء شيء يستحب عمله غير الصيام، من تزين واكتحال، وتوسعة على العيال؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
لم يصح عن رسول الله في يوم عاشوراء شيء غير الصوم، أما التوسعة على العيال، ففيها حديث تكلموا فيه كثيرًا: «من وسع على عياله في يوم عاشوراء وسع الله عليه السنة كلها»(1). رواه الطبراني والبيهقي، وقد طال كلام العلماء وكثر حول الحديث، فمنهم من عدَّه في الموضوعات، ومنهم من لم يصل به إلى الوضع، بل اعتبره ضعيفًا فقط، ومنهم من قوّاه بتعدد طرقه.
فقد قال البيهقي بعد أن ذكره من عدة طرق: هذه الأسانيد وإن كانت ضعيفة فهي إذا ضم بعضها إلى بعض أخذت قوة. اهـ.
وحاول العراقي وغيره الدفاع عنه، وإثبات حسنه لغيره! ورمز له السيوطي في الجامع الصغير بعلامة الصحيح. والسيوطي(2) قد يتساهل في مثل هذه الأحاديث.
وفي هذا القول نظر؛ فقد جزم ابن الجوزي في (الموضوعات)(3)، وابن تيمية في (منهاج السنة)(4) وغيرهما بأَن الحديث موضوع.
وكثير من المتأَخرين يعزُّ عليهم أَن يحكموا بالوضع على حديث!
والحق عندي ما قاله المحقق ابن القيم(5) عن أحاديث الاكتحال والتزين والتوسعة يوم عاشوراء والصلاة فيه، قال: لا يصح منها شيء ولا حديث واحد، ولا يثبت عن النبي ﷺ فيه شيء غير أحاديث صيامه، وما عداها باطل، وأمثل ما فيها حديث: «من وسَّع على عياله ...» إلخ. قال الإمام أحمد: لا يصحُّ هذا الحديث ... وأهل السنة يفعلون فيه ما أمر به النبي ﷺ من الصوم، ويجتنبون ما أمر به الشيطان من البدع. اهـ.
وأما الاكتحال فقد روى الحاكم فيه حديثًا مرفوعًا عن ابن عباس: «من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء لم ترمد عينه أبدًا»(6). وقال الحاكم: إنه منكر(7)، وقال السخاوي: بل هو موضوع، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات(8).
قال الحاكم: والاكتحال يوم عاشوراء لم يرد عن النبي فيه أثر، وهو بدعة ابتدعها قتلة الحسين 3 (9).
والذي يترجَّح لي أن الحديث مما وضعه بعض الجهال من أهل السنَّة في الرد على مبالغات الشيعة في جعل يوم عاشوراء يوم حزن وحداد، فجعله هؤلاءِ يوم اكتحال واغتسال، وتوسعة على العيال!! وكثير من المفاهيم المغلوطة، والبدع المنكرة المنتشرة بين جماهير المسلمين، ترجع إلى أحاديث ضعيفة، راجت في عصور التخلف بينهم، وتمكَّنت من عقولهم وقلوبهم، وطاردت الأَحاديث الصحاح التي يجب أَن تكون ـ بجوار القرآن الكريم ـ أساس الفهم والسلوك.
وكان أجدر بالفريقين أن يقفوا عند حدود الله، ويتخلصوا من التعصب المُصم المُعمي، الذي فرقهم شيعًا وأحزابًا، وأن يعتصموا بحبل الله جميعًا ولا يتفرقوا،﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًۭا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[الأنعام: 153].
والله ولي التوفيق.
1. رواه الطبراني (10/77)، والبيهقي في شعب الإيمان (3513)، عن ابن مسعود.
2. انظر: فيض القدير (6/335، 336)، نشر المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط1، 1356هـ.
3. الموضوعات (2/203)، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، نشر المكتبة السلفية، المدينة المنورة، ط1، 1386هـ ـ 1966م.
4. منهاج السنة (8/151)، تحقيق محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ط1، 1406هـ ـ 1986م.
5. المنار المنيف لابن القيم صـ 111ـ113.
6. رواه البيهقي في شعب الإيمان (3517)، وقال: لم أر ذلك في رواية غيره، عن جويبر، وجويبر ضعيف، والضحاك لم يلق ابن عباس.
7. الموضوعات لابن الجوزي (2/203 ـ 204).
8. المقاصد الحسنة للسخاوي (1085)، تحقيق محمد عثمان الخشت، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1405هـ ـ 1985م.
9. ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (2/204).