2026-06-04
993
الشفاعة يوم القيامة وموقف د. مصطفى محمود
ثار جدل كبير هذه الأيام في الصُّحف المصرية حول مقال كتبه الكاتب المعروف الدكتور مصطفى محمود، حول الشفاعة يوم القيامة.
فقد ذكر الكاتب أنَّ الشفاعة الَّتي يتعلق بها الكثير من المسلمين الَّذين يرتكبون المنكرات، وينتهكون الحرمات، ثمَّ يتكلون على الشفاعات: هذه الشفاعة غير صحيحة، وآيات القرآن تنفيها، وهي منافية للعدالة الإلهية، الَّتي تجزي كلَّ نفس بما كسبت، ولا سيما في يوم القيامة،﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍۢ تُجَٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾[النحل: 111].
وقد أثبتت الآيات القرآنية الكثيرة أنَّ الله تعالى وحده هو المتصرف في هذا اليوم، ولا سلطان لأحد سواه،﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌۭ لِّنَفْسٍۢ شَيْـًۭٔا ۖ وَٱلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍۢ لِّلَّهِ﴾[الانفطار: 19]، ﴿يَوْمَ هُم بَٰرِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌۭ ۚ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾[غافر: 16].
ولا يملك أحد في هذا اليوم أن ينقذ أحدًا من مصيره الَّذي استحقه بعمله، ولا الرسول نفسه، كما قال الله تعالى له:﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ﴾[الزمر: 19].
وقد أكدت آيات القرآن في أكثر من سورة أن الشفاعة مرفوضة في هذا اليوم العظيم. كما قال تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: 48].
وقال سبحانه:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌۭ وَلَا شَفَٰعَةٌۭ ۗ وَٱلْكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾[البقرة: 254].
وقال 8 :﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْءَازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍۢ وَلَا شَفِيعٍۢ يُطَاعُ﴾[غافر: 18].
وقال:﴿مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِىٍّۢ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾[السجدة: 4].
وقال 8 :﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ﴾[المدثر: 48].
وقال على لسان أهل النار:﴿فَمَا لَنَا مِن شَٰفِعِينَ ١٠٠ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾[الشعراء: 100، 101].
كما أكد القرآن: أن من دخل النَّار لا يخرج منها بحال من الأحوال كما قال تعالى:﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾[المائدة: 37].
وقال:﴿وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ﴾[البقرة: 167].
كما أنكر الدكتور ما ورد في الشفاعة العظمى، وما فُسِّر به «المقام المحمود» الوارد في قوله تعالى:﴿عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًۭا مَّحْمُودًۭا﴾[الإسراء: 79].
ونفى أن يكون المقام المحمود هو مقام الشفاعة، وإنَّما مقام البشارة!
وردَّ الدكتور الأحاديث الَّتي وردت في ذلك، زاعمًا أنَّها أحاديث موضوعة مكذوبة على الرسول ﷺ ، الَّذي جعل نجاة كلِّ إنسان بعمله هو، لا بسعي غيره له، وقال لأقاربه من بني هاشم: «اعملوا؛ فإنِّي لا أغني عنكم من الله شيئًا»(1).
وقال الدكتور: إنَّ السُّنَّة لم تُكتب إلَّا بعد مائة أو مائتين من السنين بعد الرسول، فلا يمكن الاعتماد عليها، إنَّما الاعتماد على القرآن، الَّذي صوَّر لنا الجزاء يوم القيامة بأنَّه يقوم على العدل، ولا شيء غير العدل، فلندعْ هذه الأوهام، وليعملْ كلُّ امرئ لتخليص نفسه،﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾[النجم: 39].
نرجو من فضيلتكم شرح هذا الموضوع الخطير، بما يرد الحق إلى نصابه، وما يزيح الشبهات، ويبطل المفتريات.
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
معنى الشفاعة:
هي انضمام الإنسان إلى غيره؛ بحيث يكون معه شفعًا بعد أن كان وترًا، ليطلب له من آخر أمرًا يحقِّق له جلب منفعة، أو دفع مضرة.
وهي تقتضي أربعة أمور: شافعًا، ومشفوعًا له، ومشفوعًا عنده، ومشفوعًا فيه.
وهي نوعان: محمودة، ومذمومة.
فالشفاعة المحمودة: أن يشفع الشافع لمن يستحق الشفاعة، في تحقيق أمر مشروع له، وإن لم يكن حقًّا له.
كما لو كان على المرء دين محدد بموعد، وجاء موعد الاستحقاق، ومن حق الدائن أن يرد إليه الدين، وإلا طالب بعقوبة المدين وحبسه. فإذا جاء شافع إلى الدائن، ليُنظِر هذا المدين إلى ميسرة، أو يتنازل عن جزء من دينه، وكان المشفوع له أهلا لهذا التخفيف، كأن خسر في تجارته، أو أصابه سيل ذهب بماله، أو جائحة اجتاحت ماله، إلخ، فهذه شفاعة مقبولة ومحمودة.
أما لو كان رجلًا سيئ السلوك، وأخذ المال وبذَّره في الحرام، وجاء من يشفع فيه عند الدائن، فهذه الشفاعة مذمومة ومرذولة.
وفي القرآن الكريم:﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةًۭ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌۭ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةًۭ سَيِّئَةًۭ يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌۭ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقِيتًۭا﴾[النساء: 85].
ومن الشفاعة المذمومة: الشفاعة لإسقاط عقوبة عمَّن يستحقها لنسبه أو جاهه أو ماله، وهو ما أنكره النَّبيُّ ﷺ على حبِّه وابن حبِّه: أسامة بن زيد، حين أرادت منه قريش أن يشفع عند الرسول للمرأة المخزومية الَّتي سرقت، وقال له: «أتشفع في حدٍّ من حدود الله يا أسامة؟»(2).
ومن ذلك: شفاعة بعض الكبراء لدى بعض الرؤساء والمسؤولين، لتوظيف بعض أقاربه أو محاسيبه، وتقديمهم على غيرهم ممَّن هو أحق منهم وأولى بالمنصب، وهذه خيانة لله ولرسوله وللجماعة.
وهذه هي الصورة الشائعة والمستقرة في أذهان النَّاس، وهي أن الشفاعة تعني: طلب الإنسان ما ليس بجائز له، بوساطة غيره.
ولعل هذه الصورة هي الَّتي دفعت بعض أهل العلم قديمًا وحديثًا إلى إنكار ما ورد في الشفاعة من أحاديث، وتأويل ما جاء فيها من آيات. ولعلها وراء ما كتبه الدكتور مصطفى محمود في هذا المجال.
هذا مع أنَّ الشفاعة المقبولة هي الَّتي تتوافر لها عناصر ثلاثة: في الشافع، والمشفوع له، والمشفوع فيه.
فالشافع لا بدَّ من أن يكون مرضيًّا عند المشفوع عنده، بما له من منـزلة عنده.
والمشفوع له، لا بدَّ أن يكون أهلًا للشفاعة، فليس كلُّ امرئ قابلًا لأن يُشفع له، والمشفوع فيه لا بدَّ أن يكون أمرًا قابلًا للشفاعة، فهناك أمور لا يجوز أن تكون موضع شفاعة لأحد.
وهذه الشروط الَّتي تعارفها أهل الخير والفضل من النَّاس في الدنيا، هي نفسها الَّتي تُراعى في شفاعة الآخرة.
فليست الشفاعة كلأً مباحًا، يرعاه كلُّ من شاء، متى شاء، وكيف شاء؛ ولكنها منضبطة مقيدة بشروطها ومجالها وأهلها. وهذا ما يجب أن نؤكده: أن الشفاعة الَّتي أثبتها القرآن الكريم للمذنبين يوم القيامة، وصحت بها أحاديث الرسول ﷺ لا يمكن أن تكون من نوع الشفاعة المذمومة.
إذ لا بدَّ أن تكون بعد إذن من الله تعالى، فهو مالك الشفاعة كلها، وصاحب الأمر كله.
ولا بد أن يكون الشافع من أهل القبول عند الله تعالى، ممَّن أذن له الرحمن ورضي له قولًا: من الملائكة، أو الأنبياء، أو الصالحين.
ولا بد أن يكون المشفوع له ممَّن ارتضاه الله في الجملة، وليس من أهل الجحود أو الشرك بالله تعالى.
ولا بد أن يكون الأمر المشفوع فيه، ممَّا يدخل في دائرة الشفاعة. وهذا معروف بطبيعة الحال؛ إذ لا يُتصور من الملائكة أو النبيين أو الصديقين والشهداء والصالحين: أن يطلبوا من الله سبحانه ما لا يليق أن يُطلب منه.
وهذا ما سنوضحه إن شاء الله في الصحائف التالية.
أول قضية في الفكر الإسلامي:
وهذه القضية ـ قضية مصير العصاة من الموحدين من أهل الكبائر ـ هي أوَّل قضية ثار فيها الجدل، واختلف فيها النَّاس في الفكر الإسلامي. وهي الَّتي يعبرون عنها بـ «مرتكب الكبيرة»؛ حيث ثارت في عصر الصحابة، وفي عصر التابعين لهم بإحسان.
فقد أثارها الخوارج أيام علي 3 ، فحكموا على مرتكب الكبيرة ـ ولو كبيرة واحدة ـ أنه كافر، وأنه مخلد في النَّار، إذا لم يتب منها.
ثم طبقوا ذلك على أمير المؤمنين عليّ 3 ، واعتبروه قد ارتكب كبيرة بقبوله التحكيم، فكفر بذلك، واستحق الخلود في النار!
وقد جاءت الأحاديث الصحاح المستفيضة ـ من عشرة أوجه كما قال الإمام أحمد ـ تذم الخوارج، وتحذِّر منهم، وتبيَّن أنَّ آفتهم ليست في ضمائرهم وقلوبهم، بل في عقولهم وأفهامهم. فهم عُبَّاد صُوَّام قُوَّام، ومع هذا يمرُقون من الدِّين كما يمرُق السهم من الرَّمِيَّة. وقد وصفت الأحاديث عبادتهم بمثل هذه العبارات: «يَحْقِر أحدُكم صلاته إلى صلاتهم، وقيامَه إلى قيامهم، وقراءته إلى قراءتهم»(3).
وقد بعث عليٌّ 3 ابن عمِّه عبد الله بن عبَّاس ^ (4)؛ ليحاجَّهم ويناقشهم في دعاويهم، وقد استطاع أن يقنع الكثير منهم، فرجع منهم عدَّة آلاف، وأصر الآخرون على موقفهم، فقاتلهم علي 3 ومن معه من الصحابة.
ثم ثارت هذا القضية مرة أخرى في عصر التابعين في حلقة الإمام الفقيه الداعية المربي: الحسن البصري، أو في حلقة أصحابه من بعده. فقد سأل سائل عن مرتكب الكبيرة، فرد عليه واصل بن عطاء تلميذ الحسن: ليس بمؤمن ولا كافر، ولكنَّه في منزلة بين المنزلتين، وهو مخلد في النَّار، كالكافر. فقال الحسن: اعتزلنا واصل. وقيل: أن هذا حدث مع أصحابه من بعده.
وعلى كلِّ حال، فقد انقسم النَّاس في هذه القضية إلى ثلاثة أقسام أو فئات:
الأولى: هم الَّذين يقولون بأن مرتكب الكبيرة إذا لم يتب، هو مخلد في النَّار. ولكن هل هو كافر أو لا؟ الخوارج يقولون: هو كافر، والمعتزلة يقولون: ليس بمؤمن ولا كافر، بل في منـزلة بين المنـزلتين، ولكنَّه مخلد في النَّار كالكافر.
الثانية: هم المقابلون لهؤلاء، وهم «المرجئة» الَّذين أرجؤوا العمل وأخروه عن الإيمان، وقالوا: إنَّ العمل ليس مُهِمًّا، إنَّما المهمُّ الإيمان، وقالوا كلمتهم الشهيرة: لا تضرُّ مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة.
والثالثة: هي الَّتي وقفت موقفًا وسطًا بين الغلاة في الوعيد، والغلاة في الوعد، وأثبتت بأنَّ هناك من عصاة المؤمنين ـ وهم من أهل الكبائر ـ من يدخلون النَّار، كما دلت على ذلك آيات القرآن، وأحاديث الرسول المستفيضة.
فمن القرآن قوله تعالى، فيمن يأكلون أموال اليتامى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًۭا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًۭا﴾[النساء: 10]. وقوله فيمن تعدى حدود الله في الميراث:﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَٰلِدًۭا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ﴾[النساء: 14].
وقال في نفس السورة بعد أن ذكر عددًا من المنهيات:﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًۭا وَظُلْمًۭا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا﴾[النساء: 30].
وأما الأحاديث فهي كثيرة مثل: «دخلتِ امرأةٌ النَّار في هِرَّة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خَشَاش الأرض»(5).
ومثل: «صِنفان من أهل النَّار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها النَّاس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات …» الحديث(6).
ولكن هذه الفئة خالفت الخوارج والمعتزلة بأنَّ هؤلاء العصاة إذا ماتوا على التوحيد سيخرجون يومًا من النار؛ إذ ينفعهم إيمانهم بالله ورسوله واليوم الآخر. فبعد أن يمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا، يشفع فيهم من أذن الله بشفاعته من الملائكة أو من الأنبياء أو من الصالحين، أو بفضله 2 ورحمته، كما صحَّ في الحديث أنه تعالى يقول: «بقيت شفاعتي، فيخرج من النَّار قومًا قد امتُحشوا»(7). أَيْ أُحْرَقوا.
هذا هو موقف جمهرة الأُمَّة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الدين المشاهير، وهم الَّذين أطلق عليهم النَّاس فيما بعد «أهل السُّنَّة والجماعة» وهم وسط في قضايا العقيدة بين الطوائف المختلفة، كما أنَّ الأُمَّة المسلمة وسط بين أهل الأديان من اليهود والنَّصارى وغيرهم.
حقائق لا يجوز الخلاف عليها:
هناك حقائق في هذه القضية لا يجوز الخلاف عليها:
أولاها: أنَّ سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة: موقوفة على إيمانه وعمله، لا على الاتكال على غيره، فهو الَّذي يسعد نفسه أو يشقيها، وليس غيره هو الَّذي يجلب له السعادة أو الشقاء.
وهذا أمر واضحٌ كلُّ الوضوح في كتاب الله. يقول تعالى:﴿مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةًۭ طَيِّبَةًۭ ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾[النحل: 97].
ويقول تعالى:﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾[البقرة: 286].
ويقول سبحانه:﴿كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾[المدثر: 38].
﴿يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍۢ تُجَٰدِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾[النحل: 111].
﴿مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ﴾[فصلت: 46].
الثانية: أنَّ العبرة ليست بالشعارات والعناوين، بل بالحقائق والمضامين، وليس المدار على الدعاوى الضخمة، بل على البينات الصادقة. فليس كلُّ من ادَّعى أنَّه من أهل الإيمان يكون كذلك، فما أكثر الدعوى وما أعز المعنى، يقول الله تعالى: ﴿بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَٰنِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾[الحجرات: 11]. ثمَّ بين في الآية التالية حقيقة الإيمان وأهله فقال:﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾[الحجرات: 15].
وقد ذكر المفسرون أن جماعة من المسلمين وأهل الكتاب التقوا، فادعى كلٌّ منهم أنَّه أولى بالله وأحق بالجنة من غيره، فأنزل الله في ذلك قرآنا يُتلى، ليكون قولًا فصلًا، وحكمًا عدلًا، وذلك قوله تعالى:﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوٓءًۭا يُجْزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا ١٢٣ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًۭا﴾[النساء: 123، 124].
وقد ردَّ القرآن دعوى اليهود والنَّصارى، حين زعموا أن الجنَّة لهم وحدهم، فقال 8 : ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ❁ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 111، 112].
الثالثة: أنَّ يوم القيامة ليس لأحد فيه مُلك ولا تصرف، فالملك كله في هذا اليوم لله، والأمر كله لله، كما علمنا الله أن نقول في سورة الفاتحة في كلِّ صلاة: ﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾أو﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّيْنِ﴾[الآية: 4]، على القراءتين. فالله هو المالك، وهو الملك وحده في هذا اليوم، كما قال تعالى:﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْـًٔا ۖ وَٱلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾[الإنفطار: 19].
وقال تعالى:﴿يَوْمَ هُم بَـٰرِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ ۚ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾[غافر: 16].
فلا يملك ملكٌ في السماوات، ولا نبيٌّ ولا صِدِّيقٌ من الأمر شيئًا في هذا اليوم، إلَّا ما أذن الله تعالى به لمن يشاء.
وفي هذا يقول تعالى:﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَ ۚ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لَا يَمْلِكُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَعْقِلُونَ ٤٣ قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعًۭا ۖ لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[الزمر: 43، 44].
وقال سبحانه:﴿مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ﴾[البقرة: 255].
وقال عز من قائل:﴿وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُۥ﴾[سبأ: 23].
الرابعة: أنَّ العدل المطلق هو شعار ذلك اليوم، فلا تُظلم نفس شيئًا، بمعنى أنَّها لا تُهضم جزاء ما عملت من خير، ولا تحمل وزر عملٍ لم تعمله، ولا تعاقب بأكثر ممَّا يستحقه العمل، كما قال تعالى:﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًۭا وَلَا هَضْمًا﴾[طه: 112].
وقال:﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾[الأنعام: 164].
وقال:﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌۭ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰٓ﴾[فاطر: 18].
الخامسة: أنَّ الأوهام الَّتي شاعت بين المسلمين عن الشفاعة لا أساس لها، وهي أن يقترف الإنسان كبائر الإثم والفواحش، ويبغي في الأرض بغير الحق، ويفترس الضعفاء والمساكين، وينتهك الحرمات، ويخون الله ورسوله والمؤمنين، ثمَّ يتكل على أن الرسول أو الأولياء سيشفعون له، فهذا أشبه بما كان عليه المشركون في الجاهليَّة، واليهود والنَّصارى إلى اليوم، حين يرتكبون المآثم والمظالم، ويقولون: سيُغفر لنا، أو يشفع لنا الشافعون.
فالواقع أنَّ باب الشفاعة ليس مفتوحًا لكل النَّاس، بل يفتحه الله متى شاء لمن يشاء، فيما يشاء من الذنوب. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍۢ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًۭا﴾[طه: 109]. فلا يدري أحد: أيشفع له شافع أم لا؟ وإذا شفع: أتُقبل شفاعته أم لا؟
السادسة: أنَّ من قرأ القرآن وجد أن هناك شفاعتين: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة وهذه غير تلك.
فالشفاعة المنفية هي: «الشفاعة الشركية» الَّتي كان يعتقدها الوثنيون المشركون: أن آلهتهم ستشفع لهم عند الله، وأن الله سيستجيب لها حتمًا، كما قال تعالى:﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ﴾[يونس: 18].
فهم يحسبون أن آلهتهم لها من السلطة والتأثير، ما يجعل الله تعالى يفسخ إرادته، ويغير حكمه بالنسبة إليهم.
ومثلهم اليهود والنَّصارى من محرّفة أهل الكتاب الَّذين اعتقدوا أن لأنبيائهم وأحبارهم ورهبانهم من التأثير على الإرادة الإلهية، مثل ما اعتقده المشركون في آلهتهم:﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾[المائدة: 18].
وهذه الشفاعة هي الَّتي جاء فيها النفي في مثل قوله تعالى:﴿وَٱتَّقُواْ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌۭ﴾[البقرة: 48].
وهناك شفاعة مثبتة، وهي الشفاعة المشروطة المقيدة بإذن الله تعالى، وهي مقيدة بالنسبة للشافعين، وللمشفوع لهم، وللمشفوع فيه أيضًا.
السابعة: أنَّ السُّنَّة مبينة للقرآن، فلا يجوز رد السُّنَّة اكتفاء بالقرآن، كما لا يجوز قبول السُّنَّة المناقضة للقرآن؛ لأن البيان لا يناقض المبيّن، إنَّما يوضحه ويبين المراد منه، بتخصيص عامه، أو تقييد مطلقه، أو تفسير مُبْهَمه، أو تفصيل مجمله.
ومن هنا يجب أن ننظر إلى ما صحَّ في السُّنَّة ممَّا يبين القرآن؛ نظرة القبول والإذعان، كما قال تعالى:
﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾[النحل: 44].
وإذا قال بعضهم: إن الله تعالى أمرنا بقوله:﴿ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ﴾[الأعراف: 3].
قلنا له: اتبعنا ما أنزل إلينا من ربنا، ووجدناه يقول لنا: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾ [النساء: 59] في أكثر من آية، ويقول: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ﴾ [النساء: 80]. ويقول: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّـهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّـهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31].
ويقول: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ﴾ [الحشر: 7].
ويحذرنا من مخالفة أمره 0 : فيقول:﴿فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[النور: 63].
الشفاعة الثابتة في الآخرة:
والشفاعة الَّتي ثبتت بالنصوص المحكمة في الآخرة نوعان:
الأولى: الشفاعة العظمى، لإراحة الخلق يوم القيامة من هول الموقف، وهذه جعلها الله لخاتم رسله وصفوة خلقه محمَّد ﷺ . وهذه لا تأباها أصول المعتزلة. ولم أرَ من أنكرها قبل د. مصطفى محمود.
والثانية: الشفاعة للعصاة والمذنبين من أهل التوحيد، الَّذين ماتوا على الإيمان، ولكنهم اقترفوا بعض الكبائر في الدنيا، ولم يتوبوا منها، وهذه الشفاعة جعلها الله تعالى للملائكة والأنبياء، والصديقين والشهداء والصالحين. وهي الَّتي نازع فيها المعتزلة، وردوا ما صحَّ فيها من أحاديث، وأوَّلوا ما جاء فيها من آيات بأنَّها للطائعين والتائبين: زيادة في المثوبات، ورفع للدرجات.
الشفاعة العظمى (المقام المحمود):
أمَّا الشفاعة العُظمى فقد صحت بها الأحاديث عن عدد من الصحابة، كحديث أبي هُرَيْرة(8)، وحديث أبي هُرَيْرة وحذيفة معًا(9)،
وحديث أبي بكر(10) وسلمان(11) وأنس(12) وأبي بن كعب(13)، وبريدة(14) وابن مسعود(15)، وكعب بن مالك(16)، وأبي الدرداء(17)، وغيرهم، كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره(18).
ونعني بهذه الشفاعة العظمى:
شفاعته ﷺ الَّتي أكرمه الله تعالى بها، لإراحة الخلق من طول الانتظار يوم الهول العظيم، يوم يقوم النَّاس لرب العالمين، والفصل بينهم، ليدخل أهل الجنَّة الجنَّة، وأهل النَّار النَّار.
وهذا هو «المقام المحمود» الَّذي أشار إليه القرآن إجمالًا، وذكره الله تعالى في سورة الإسراء ممتنًّا على رسوله بهذه الخصوصية، فقال تعالى:﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِۦ نَافِلَةًۭ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًۭا مَّحْمُودًۭا﴾[الإسراء: 79].
ومن ذلك: ما رواه الشيخان، عن أبي هُرَيْرة 3 قال: كنَّا مع النَّبيّ ﷺ في دعوة، فرفع إليه الذراع ـ وكانت تعجبه ـ فنهس منها نهْسَةً وقال: «أنا سيِّد النَّاس يوم القيامة، هل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد يوم القيامة، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس، فيبلغ النَّاس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألَا ترون ما أنتم فيه؟ ألَا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض النَّاس لبعض: ائتوا آدم.فيأتونه فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فقال: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، نهاني عن الشجرة فعصيت، نفسي، نفسي، نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح.فيأتون نوحًا، فيقولون: يا نوح، أنت أوَّل الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: إنَّ ربِّي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كان لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي، نفسي، نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم.فيأتون إبراهيم، فيقولون: أنت نبيُّ الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني كنت كذبت ثلاث كذبات، فذكرها، نفسي، نفسي، نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى.فيأتون موسى، فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فضلك الله برسالاته وبكلامه على النَّاس، اشفع لنا إلى ربِّك، أمَّا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسًا لم أومر بقتلها، نفسي، نفسي، نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى.فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، وكلمت النَّاس في المهد، اشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إنَّ ربِّي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبًا، نفسي، نفسي، نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد.فيأتوني، فيقولون: يا محمد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربِّي، ثمَّ يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتح على أحد قبلي، ثمَّ يُقال: يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفَّع، فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيُقال: يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء فيما سوى ذلك من الأبواب، ثمَّ قال: والذي نفسي بيده، إنَّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنَّة كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبُصرَى»(19).
وبهذا يتبين لنا أنَّ شفاعة الرسول هنا ليست أكثر من دعاء وثناء وتضرع إلى الله تبارك وتعالى، مالك الملك، وصاحب الأمر كلِّه، وقد أكرمه الله تعالى، واستجاب لدعائه، وقبل شفاعته في الخلق، فضلًا منه وكرمًا، وهذا من حقِّه جلَّ شأنُه.
وقد جاء في حديث ابن عمر عند البخاري أن هذه الشفاعة هي المقام المحمود، حيث قال: «كذلك يوم يبعثه الله مقامًا محمودًا»(20) وزاد في رواية «يحمده أهلُ الجَمْع كلُّهم»(21).
وهذا هو المتَّفِق مع المنزلة الَّتي جعلها القرآن للرسول الكريم حين قال تعالى:﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًۭا﴾[النساء: 41].
وقوله:﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا﴾[البقرة: 143].
وليس في إثبات هذه الشفاعة ما يخالف النقول، أو يباين العقول، أو يناقض الأصول.
الشفاعة للمذنبين:
والشفاعة الأخرى الثابتة بنصوص القرآن والحديث، هي الشفاعة للمذنبين، والمراد بالمذنبين: هم أهل الكبائر، سواء كانت هذه الكبائر فعل محظور كأكل الربا، وشرب الخمر، والزِّنَى، أم ترك مأمور مثل ترك الصلاة، ومنع الزكاة، والإفطار بلا عذر في شهر رمضان.
وذلك لأنَّ صغائر الذنوب يكفرها اجتناب الكبائر بنص القرآن:﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًۭا كَرِيمًۭا﴾[النساء: 31].
كما تكفرها الصَّلاة والصيام وغيرهما من الحسنات، كما جاء في قول الله تعالى:﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًۭا مِّنَ ٱلَّيْلِ ۚ إِنَّ ٱلْحَسَنَٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾[هود: 114].
وفي الحديث الصحيح: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»(22).
وهذه القضية هي الَّتي خالف فيها الخوارج والمعتزلة، فأهل الكبائر ـ بل من اقترف كبيرة واحدة عند كثير منهم ـ مخلد في النَّار، وإن لم يسمِّه المعتزلة كافرًا، كما سمَّاه الخوارج، إنَّما هو في منزلة بين الإيمان والكفر، ولا ينفعه إيمانه وتوحيده، وموته على ذلك، ولا ما سبق له من صالح العمل، كما لا تنفعه شفاعة شافع، ولا يعفو الله تعالى عنه؛ لأنه أوعده بالعقاب، ولا يجوز من الله أن يخلف وعده بالعقاب، كما لا يخلف وعده بالثواب.
ولأهل السُّنَّة حججهم البينة في الرد على شبهات الخوارج والمعتزلة من جهة العقل، ومن جهة النقل. فأما من جهة العقل، فالعقل يجيز للسيد إسقاط العقوبة عن عبده إن شاء، فضلًا منه وتكرُّمًا، ويُجيز للوالد إسقاط العقوبة عن ابنه متى شاء رحمة منه وتلطُّفًا.
والعقل لا يُجيز التسوية بين من لم يعترف بالسلطان من أساسه، وبين من أساء من رعيته إساءةٍ ما.
والعقل لا يستسيغ أن يضيع السيد ثمرة عمل عبد له خدمه بإخلاص طول عمره، بخطيئة واحدة ارتكبها، فإن سوابقه تشفع له.
والعقل لا يستبعد أن يكرم السيد أو الأمير بعض أهل الفضل من رعيته، فيقبل شفاعتهم فيمن يشفعون فيه، بإسقاط بعض المطالبات عنهم، أو إرضاء بعض خصومهم، أو تخفيف بعض عقابهم، فيما هو من حق السيد أو الأمير، أو غيرهما.
وأما من جهة النقل، فهناك من الآيات القرآنية، والأحاديث النبويَّة، ما أثبت الشفاعة بقيودها وضوابطها، كما سنذكر فيما بعد، ولكن المعتزلة ردوا الأحاديث الصحيحة الثبوت، الصريحة الدلالة، وأوّلوا الآيات بأن المراد بالشفاعة: زيادة المثوبات ورفع الدرجات للمطيعين والتائبين. وهو تكلف مخالف للمتبادر من النصوص.
موقف د. مصطفى محمود:
ويبدو أنَّ الأخ الدكتور مصطفى محمود ـ رغم حماسه للإسلام، ودفاعه عنه في وجه المذاهب والأفكار المادية والإباحية، والدعوات الهدامة الحديثة ـ قد التبست عليه بعض المفاهيم في أمر الشفاعة في الآخرة وحقيقتها، والمقصود منها، حتَّى أدَّاه ذلك إلى أن قال ما قال من آراء أنكرها عليه علماء الدين المتخصصون، لمخالفته الواضحة لنصوص آيات القرآن، وصريح الأحاديث النبويَّة الصحيحة المستفيضة عن رسول الله ﷺ في هذا الشأن.
ولعل ما دفع الدكتور إلى مقولته هذه: ما لمسه من سوء فهم بعض النَّاس لقضية الشفاعة، فهم يرتكبون المُوبقات، ويضيعون الصلوات، ويتبعون الشهوات، ويتاجرون في المخدرات، ويسرقون المال العام، ويسحقون الضعفاء، ويتكلون بعد ذلك على شفاعة الرسول الكريم!
على نحو ما أنكره القرآن على المشركين، وعلى أهل الكتاب من الاتكال على الشفاعات الشركية، فالمشركون تشفع لهم آلهتهم وأصنامهم، واليهود والنَّصارى يشفع لهم أنبياؤهم وقديسوهم، وأحبارهم ورهبانهم.
ولكن الموقف الصحيح هنا يتمثل في تصحيح فهم النَّاس للدين بمبادئه ومفاهيمه، لا برد الثابت منه، أو تأويله تأويلا غير مقبول.
وليس الدكتور مصطفى محمود أوَّل من التبس عليه أمر الشفاعة، فقد التبست من قبله على طائفة المعتزلة، الَّذين أنكروا الأحاديث الصحاح المشتهرة في إثبات الشفاعة، وأولوا آيات القرآن الكثيرة فيها بأن المراد بالشفاعة فيها ليس تخفيف العقاب أو إسقاطه بالكلية، إنَّما المراد بها: هو زيادة الثواب ورفع الدرجات، كما أوّل الدكتور محمود: أن المراد بالشفاعة: البشارة، وكلاهما تأويل متكلف متعسف، لا ضرورة إليه.
مرتكزات د. مصطفى محمود في الاستدلال بالنقل والعقل:
علام اعتمد د. مصفى محمود في إنكار «الشفاعة» بالمعنى المتعارف عند «أهل السُّنَّة والجماعة»؟
الظاهر أنَّه اعتمد على أمرين: أحدهما نقلي، والثاني عقلي.
فأمَّا المعتمد النقلي، فآيات من القرآن الكريم، فهم منها أنَّها تنفي الشفاعة، أو تتناقض معها.
الآيات الَّتي تنفي الشفاعة:
فأمَّا الآيات الَّتي تنفي الشفاعة، فمثل قوله تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌۭ وَلَا شَفَٰعَةٌۭ﴾[البقرة: 254].
وقوله تعالى:﴿وَٱتَّقُواْ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾[البقرة: 48].
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْءَازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍۢ وَلَا شَفِيعٍۢ يُطَاعُ﴾[غافر: 18].
وقوله تعالى:﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌۭ لِّنَفْسٍۢ شَيْـًۭٔا ۖ وَٱلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍۢ لِّلَّهِ﴾[الانفطار: 19].
الآيات الَّتي تناقض فكرة الشفاعة:
وأمَّا الآيات الَّتي تناقض فكرة الشفاعة ـ في رأي د. محمود ـ فهي الآيات الَّتي تنبئ بأن من دخل النَّار لا يخرج منها أبدًا. كما في قوله تعالى:﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ﴾[المائدة: 37].
وقوله تعالى:﴿كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾[البقرة: 167]، ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى ٱلنَّارِ﴾[الزمر: 19].
وأحاديث الشفاعة تصرح بأن أناسًا من أهل النَّار، مكثوا فيها ما شاء الله أن يمكثوا جزاء على ذنوبهم، ثمَّ هم يخرجون منها، ويدخلون الجنة، وهذا يناقض ما أكدته هذه الآيات.
وأما المنطق العقلي الَّذي استند إليه د. مصطفى محمود، فهو يرى أن «الشفاعة» إنَّما هي لون من المحاباة والمحسوبية والوساطة، كما يتجلى ذلك في أعرافنا، وسلوكنا العام، وهذا ينافي «العدل الإلهي» المطلق، الَّذي لا يعرف المحاباة، ويعطي كلَّ ذي حق حقه، ويجزي كلَّ نفس بما كسبت، لا يظلم أحدًا مثقال ذرة من خير أو شر،﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًۭا يَرَهُۥ ٧ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ شَرًّۭا يَرَهُ﴾[الزلزلة: 7، 8].
وقال تعالى:﴿وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ﴾[الأنبياء: 47].
وأقول للأخ الدكتور مصطفى محمود: لقد خانك التوفيق، وأخطأت الصواب، في استدلالك النقلي، واستدلالك العقلي، وسأبين ذلك فيما يلي:
آيات نفي الشفاعة:
لا يخفى على الدكتور محمود أنَّ القرآن كتاب يُفسِّر بعضه بعضًا، ويُصدِّق بعضه بعضًا، ولكي نفهمه فهمًا صحيحًا، يجب أن نرد الآيات بعضها إلى بعض، ونجمع ما ورد منها في الموضوع الواحد، حتَّى تتكامل الصورة أمامنا، فما أُجمل في موضع ربَّما فصل في موضع آخر، وما أُطلق في سياق، قد يكون قيد في سياق آخر، وما عمم في آية قد يكون خصص في آية أخرى. ومن أجل هذا أنشأ المسلمون «علم أصول الفقه» ليضبطوا به الاستدلال، ويضعوا له القواعد الحاكمة، والضوابط الحاسمة، والمعالم الهادية.
وإذا نظرنا في ضوء ذلك في الآيات الَّتي استدلَّ بها الدكتور على نفي الشفاعة بإطلاق، نجد في مقابلها آيات أخرى قيدتها أو خصصتها أو فسرتها، فلا بدَّ لنا أن نفهم هذه في ضوء تلك، حتَّى لا نضرب القرآن بعضه ببعض: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا﴾ [النساء: 82].
إن الله نفى في بعض الآيات أن يكون في يوم القيامة شفاعة، والمراد بها هنا: الشفاعة الَّتي كان يعتقدها المشركون من العرب والمحرفون من أهل الكتاب، الَّتي يعتبرونها واجبة لهم، وحَّدوا أم أشركوا، أذن الله أم لم يأذن، فالأصنام عند المشركين شفعاء لا ترد شفاعتهم، وكذلك الأنبياء، والقديسون عند أهل الكتاب.
قال تعالى في شأن المشركين:﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ﴾[يونس: 18].
وقال في شأن أهل الكتاب:﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ﴾[البقرة: 111].
وإنما بنوا هذا على الشفاعات الَّتي كانوا يؤمنون بها، وأن بحسبهم أن يؤمنوا بموسى أو عيسى، ليحملوا بذلك صكًّا إلى الجنة.
فنفى القرآن ذلك، وأثبت الشفاعة لأهلها بشرطها.
الشفاعة لأهلها بشرطها:
فأما شرط الشفاعة، فهي أن تكون بإذن الله تعالى، فلا يملك أحد أن يشفع لأحد بذاته، أيًّا كان مقامه، ملكًا أو نبيًّا، فهو وحده صاحب المُلك المطلَق في ذلك اليوم: ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16]. وهو الَّذي يأذن بالشفاعة لمن يشاء، ويمنعها ممَّن يشاء، فالشفاعة كلها في يديه: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّـهِ شُفَعَاءَ ۚ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ ❁ قُل لِّلَّـهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ۖ لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: 43، 44].
فكل شفاعة لا بدَّ أن يأذن بها الله سبحانه:﴿مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ﴾[البقرة: 255]، ﴿مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ إِذْنِهِۦ﴾[يونس: 3]، ﴿وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُۥ﴾[سبأ: 23]، ﴿يَوْمَئِذٍۢ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًۭا﴾[طه: 109]، ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍۢ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغْنِى شَفَٰعَتُهُمْ شَيْـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰٓ﴾[النجم: 26].
من لهم الشفاعة:
ثم إنَّ هذه الشفاعة ليست لكل من هبَّ ودبَّ، بل هي لأهل التوحيد وحدهم، من مات على عقيدة التوحيد، وأن «لا إله إلَّا الله».
قال تعالى في شفاعة الملائكة:﴿لَا يَسْبِقُونَهُۥ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِۦ يَعْمَلُونَ ٢٧ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِۦ مُشْفِقُونَ﴾[الأنبياء: 27، 28].
فهم لا يشفعون إلَّا لمن ارتضى الله، وهم الَّذين ماتوا على توحيد الله تعالى، وعدم الإشراك به، كما ذكر المفسرون. ولا يُقال: إن الَّذين ارتضاهم الله إنَّما هم الصالحون من عباده من المطيعين والتائبين، وليسوا العصاة والمذنبين؛ لأنا نقول: هؤلاء الصالحون لا يحتاجون إلى شفاعة. إنَّما الَّذي يحتاج إلى الشفاعة هو المقصر، ممَّن ضيَّع بعض الواجبات، أو ارتكب بعض المحرمات، وهو ممَّن ارتضاه الله في الجملة بسبب إيمانه، وانضمامه إلى الأُمَّة المصطفاة، فإن أهلها أقسام ثلاثة ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّـهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ❁ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا ۖ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: 32، 33].
فهؤلاء الثلاثة ضمن الأُمَّة المصطفاة:
الظالم لنفسه: وهو الَّذي يقصر في بعض المأمورات، ويقترف بعض المحظورات.
والمقتصد: وهو الَّذي يكتفي بأداء الواجبات وترك المحرمات.
والسابق بالخيرات: وهو الَّذي يزيد النوافل على الواجبات، ويترك مع المحرمات الشبهات والمكروهات. ولا عجب أن يحتاج هذا الظالم لنفسه إلى الشفاعة، وأن يشفع له الملائكة والأنبياء والصالحون؛ لأنه مرتضىً في الجملة كما قلنا.
من لا شفاعة لهم:
أما المشركون الَّذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا، فلن يجدوا من يشفع لهم، ولو فُرض أن شفع لهم شفيع فلن يُطاع، ولذلك يقولون عندما يعانون ما يعانون من أمور الآخرة:﴿فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ﴾[الأعراف: 53].
ويقول تعالى:﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْءَازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍۢ وَلَا شَفِيعٍۢ يُطَاعُ﴾[غافر: 18].
وقال تعالى على لسانهم في سقر:﴿قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ ٤٣ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ ٤٤ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلْخَآئِضِينَ ٤٥ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ ٤٦ حَتَّىٰٓ أَتَىٰنَا ٱلْيَقِينُ ٤٧ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ﴾[المدثر: 43 ـ 48].
ومفهوم هذه الآية الأخيرة: أن غيرهم ـ وهم المؤمنون العصاة ـ تنفعهم شفاعة الشافعين. فإن مثل هذا الكلام إنَّما يُساق، حين تنفع الشفاعة غيرهم؛ فيقصد تقبيح حال الكفرة، وتخييب رجائهم، بأنَّهم ليسوا كذلك؛ إذ لو لم تنفع الشفاعة أحدًا، لما كان في تخصيصهم زيادة تخييب وتوبيخ لهم، كما قال العلَّامة سعد الدين التَّفْتَازاني في «شرح المقاصد»(23).
وقال سبحانه على لسان المشركين في النَّار حين يقولون لأصنامهم:﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ ٩٧ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ٩٨ وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا ٱلْمُجْرِمُونَ ٩٩ فَمَا لَنَا مِن شَٰفِعِينَ ١٠٠ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍۢ ١٠١ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةًۭ فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾[الشعراء: 97 ـ 102].
وبهذا نعلم أنَّ القرآن نفى الشفاعة في آيات، وأثبتها في آيات أخرى لأهلها بشرطها، والشفاعة المنفية غير الشفاعة المثبتة.
كما نفى «الخُلَّة» يوم القيامة في آية: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌۭ وَلَا شَفَٰعَةٌۭ﴾[البقرة: 254]. وأثبتها في آية أخرى في قوله تعالى:﴿ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ﴾[الزخرف: 67].
ومعنى هذا: أنَّ الخُلَّة المنفية: هي خلة أهل الدنيا، الَّذين تقوم خلتهم ومودتهم على الأهواء والشهوات والمصالح المادية، وليست خلة أهل التقوى الَّذين تقوم خلتهم وصحبتهم على محبة الله وطاعته والولاء لدينه.
فالأوَّلون لا خُلَّة بينهم في الآخرة، بل يكفر بعضهم ببعض، ويبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلًۭا ٢٧ يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًۭا ٢٨ لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى ۗ وَكَانَ ٱلشَّيْطَٰنُ لِلْإِنسَٰنِ خَذُولًۭا﴾ [الفرقان: 27 ـ 29].
والآخرون ـ أهل التقوى ـ يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلَّا ظله، وتظل خلتهم ومحبتهم معهم حتَّى يدخلوا بها الجنَّة﴿إِخْوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٍۢ مُّتَقَٰبِلِينَ﴾[الحجر: 47].
آيات عدم الخروج من النار:
والنوع الثاني من الآيات الَّتي استدلَّ بها د. محمود: هي الآيات الَّتي تنفي الخروج من النَّار. فهو يرى هذه الآيات منافية لأحاديث الشفاعة في خروج الموحدين من النَّار، بعد استيفائهم جزاءهم في نار جهنم.
وهذا الاستدلال منقوض من عدَّة أوجه:
أولًا: ليست الشفاعة كلها فيمن دخل النَّار مدة ثمَّ أخرج منها، بل جعل الشفاعة فيمن استحقوا أن يدخلوا النَّار فترة من الزمن، ثمَّ شفع الله فيهم الشافعين المقبولين، فقبل الله شفاعتهم، ونجوا من دخول النَّار.
فماذا يقول الدكتور في هؤلاء، وهم لا تنطبق عليهم الآيات الَّتي ذكرها؟
ثانيًا: إن في القرآن آيات تجيز الخروج من النَّار بمشيئة الله تعالى، مثل قوله سبحانه في سورة الأنعام:﴿قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ﴾[الأنعام: 128].
وقوله تعالى في سورة هود:﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِى ٱلنَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ١٠٦ خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾[هود: 106، 107].
وقوله تعالى في سورة النبأ:﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًۭا ٢١ لِّلطَّٰغِينَ مَـَٔابًۭا ٢٢ لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَابًۭا﴾[النبأ: 21 ـ 23]. والأحقاب مهما يطُل أمدها فإن لها نهاية.
وقد اتخذ الإمام ابن القيِّم من هذه الآيات ومن بعض الأخبار والآثار الواردة: أن النَّار يمكن أن تفنى، وينتهي عذاب أهلها. كما بين ذلك من عشرين وجهًا في كتابه «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» وكما حقَّق ذلك في كتابه: «شفاء العليل في مسائل القدر والحكمة والتعليل».
وجمهور العلماء يحملون هذه الآيات والآثار على أهل التوحيد، الَّذين يدخلون النَّار فترة، ثمَّ يخرجون منها.
ثالثًا: أنَّنا لو لم نجوّز خروج العصاة من أهل الإيمان من النَّار، لسوينا بين التوحيد والشرك، وبين الإيمان والكفر في النتيجة، مع أن القرآن الكريم فرَّق بينهما تفريقًا حاسمًا، فقال تعالى في آيتين من كتابه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾[النساء: 48، 116]. فنفى مغفرة الشرك بإطلاق، وجعل ما دونه من الذنوب بمشيئته تعالى.
كما أنَّ القرآن جعل حسنات الكفَّار مهدرة في الآخرة، بحيث لا يستحقون عليها دخول الجنة؛ لأنَّها فقدت أساس القبول، وهو الإيمان بالله وحده. كما قال تبارك وتعالى:﴿وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍۢ فَجَعَلْنَٰهُ هَبَآءًۭ مَّنثُورًا﴾[الفرقان: 23]، ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعْمَٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٍۢ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًۭٔا﴾[النور: 39]، ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِى يَوْمٍ عَاصِفٍۢ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَىْءٍۢ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلْبَعِيدُ﴾[إبراهيم: 18].
رابعًا: إن الَّذين يخرجون من النَّار، ليدخلوا الجنَّة من الموحدين، لا يخرجون من النَّار بالشفاعة وحدها. فمنهم من يخرج باستيفاء مدة الاستحقاق، ومنهم من يخرج بشفاعة الشافعين، ومنهم: من يخرج بفضل الله تعالى وعفوه ورحمته. فلا وجه لإنكار خروج من استوفى جزاءه، ولا لمن لطف الله تعالى به، ومنَّ عليه بعفوه، فهو العفو الغفور. وقد جاء في الحديث القدسي الصحيح عن الله تعالى: «إنَّ رحمتي سبقت غضبي»(24).
المنطق العقلي للدكتور:
أمَّا المنطق العقلي الَّذي أسس عليه الدكتور مصطفى محمود رأيه وهو: أن الشفاعة تنافي العدل الإلهي، في مجازاة كلِّ إنسان بعمله. فهو منطق ضعيف، لا يقوم على أساس متين، لعدة أسباب:
أولًا: لأنَّ العقل له مكان ومكانة في الإسلام في تأسيس العقيدة، حتَّى قال علماؤنا: العقل أساس النقل، يعنون أنه هو الَّذي أثبتنا به وجود الله تعالى، وإمكان الوحي ووقوعه، واستدللنا به على صدق نبوة محمَّد ﷺ ، وأن القرآن وحي الله إليه، لكن بعد ذلك ـ كما قال الإمام الغزالي ـ يعزل العقل نفسه، ليتلقى عن الوحي تفاصيل العقيدة والشريعة(25).
فكل ما جاء به الوحي المعصوم من عقائد، يجب على العقل أن يصدق بها، إيمانًا بالغيب، وإن لم يكن يعرف كنهها، ما دامت غير مستحيلة عقلًا.
والشفاعة من أمور الغيب، وأحوال الآخرة، الَّتي أخبرنا بها القرآن والسُّنَّة، وليست من المستحيلات عقلًا، ولا يترتب عليها مستحيل، فعلينا أن نؤمن بها، ولا نردها. ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].
ثانيًا: إن العقل المسلم الَّذي رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّد رسولًا، وبالقرآن إمامًا: يرى فيما قرأه من كتاب الله الكريم، وما صحَّ من أحاديث رسوله العظيم، في إثبات الشفاعة لأهلها بشرطها: ما يجعله يأخذها باطمئنان، ويوقن بها بلا تردد، ويعلم أن لها حكمة تليق بكمال من منحها لمستحقيها، فضلًا من عنده ورحمة ولطفًا. وإن لم يدرك هذا العقل كلَّ سرِّها، فعليه أن يقول إذا عجز عن إدراك السر، ما قالته الملائكة الكرام:﴿قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لَا عِلْمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ﴾[البقرة: 32].
ثالثًا: إن العقل المسلم البصير إذا تأمل في قضية الشفاعة: يجد الحكمة فيها واضحة كلُّ الوضوح، كالشمس لا يغشاها سحاب ولا ضباب. فإن الله تعالى لا يتعامل مع عباده بالعدل وحده، بل بالعدل والفضل والرحمة معًا، وهذا في الدنيا وفي الآخرة.
ولو عاملنا الله تعالى بعدله وحده في الدنيا، لأهلك من في الأرض جميعًا، كما قال تعالى:﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍۢ﴾[فاطر: 45]. وقال:﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[الروم: 41].
فهو يذيقهم بعضَ الَّذي عملوا، لا كلَّ الَّذي عملوا، وهو لا يفعل ذلك انتقامًا، ولكن لعلَّهم يرجعون. وقال تعالى:﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍۢ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍۢ﴾[الشورى: 30].
فلولا عفوه عن كثير مِن ظُلمنا لأنفسنا لأهلكنا بعدله.
ومثل ذلك في أمر الآخرة، بل هو أوضح وأجلى.
فالله تعالى يقول:﴿مَنْ جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾[الأنعام: 160].
فنجد التعامل مع السيئة بالعدل، ومع الحسنة بالفضل.
بل نجد ما يشير إلى أن بعض الحسنات قد تصل إلى سبعمائة ضعف أو أكثر، كما في النفقة في سبيل الله:﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنۢبُلَةٍۢ مِّاْئَةُ حَبَّةٍۢ ۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾[البقرة: 261].
يؤكد هذا قول الله تعالى:﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا﴾[النساء: 40].
وقد جاء في بعض الآثار الإلهيَّة أن الله تعالى يقول: «الحسنة عندي بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف أو أزيد. والسيئة عندي بواحدة أو أعفو»(26).
ونجد أنَّ الله تعالى جعل دعاء الصالحين ينفع الإنسان، ولو بعد موته:﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّۭا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ﴾[الحشر: 10].
وهذا من فضل الله تعالى على أهل الإيمان. وكأنَّ هذا الدعاء لون من الشفاعة عند الله من أهل الإيمان لإخوانهم الَّذين سبقوهم، يدعون لهم بالمغفرة. ولهذا نجد الأنبياء يدعون الله بالمغفرة لهم ولآبائهم وللمؤمنين عامة:﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ﴾[إبراهيم: 41].
وفي جانب الفضل نجد أن الحسنات إذا أديت على وجهها: لا يحبطها إلَّا الردة، والعياذ بالله تعالى، كما قال 8 :﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ﴾[البقرة: 217]. وقال تعالى:﴿وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ﴾[المائدة: 5].
أمَّا السيئات، فقد فتح الله لإزالتها والتطهر من آثارها أبوابًا كثيرة، أحصاها شيخ الإسلام ابن تيمية فكانت عشرة، وسمَّاها ابن القيِّم «أنهارًا» للاغتسال منها: من التوبة، والاستغفار، وعمل الصالحات: من الوضوء والصَّلاة والصيام والصدقة والحج والعمرة والدعاء وتلاوة القرآن، والجهاد. ومن بلايا الدنيا ومصائبها، إلى العقوبات الشرعيَّة، إلى سكرات الموت، إلى فتنة القبر. ومنها: دعاء المؤمنين واستغفارهم له، وصدقتهم عنه بعد وفاته، وصلاتهم الجنازة عليه. وكلها مكفرات ومطهرات، فمن لم يطهره نهر، طهره آخر، مغسلة بعد مغسلة، وفرصة بعد أخرى، حتَّى يلقى الله طاهرًا، إذا حالفه التوفيق.
وإنَّ الله تعالى قد دعا عباده ألَّا يكتفوا في التعامل بينهم بقانون العدل وحده، وإن كان هذا من حقهم، بل ينبغي أن يرتقوا إلى قانون الفضل، وهو أفضل وأمثل، كما قال تعالى:﴿وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌۭ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ﴾[الشورى: 40].
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌۭ لِّلصَّٰبِرِينَ﴾[النحل: 126].
فمعاقبة السيئة بمثلها هو ما يوجبه قانون العدل، والعفو عن السيئة هو ما يوجبه قانون الفضل، والمؤمنون مندوبون إليه:﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌۭ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌۭ﴾[فصلت: 34].
فإذا كان ربنا 8 قد ندبنا إلى أن نرتقي، فنتعامل فيما بيننا بالفضل، فكيف لا يفعل هو ذلك، وهو القادر عليه، وهو أهل لكل فضل وكمال؟
إنَّ شفاعة الشافعين في يوم الحساب ـ بعد أن تُنصب الموازين، وتُنشر الدواوين، وتُكشف الأوراق، وتُقرأ الكتب ـ أشبه بوضع «لجان الرأفة» في امتحانات الشهادات في الدنيا. إن المقاييس الَّتي وضعت للنجاح والرسوب مُحكَّمة في الجميع، ويُحاسَب كلُّ ممتحن على الدرجة، ونصف الدرجة، ولكن هناك من تستحق ورقته أن تعرض على «لجنة الرأفة» حيث يكون قريبًا من النجاح، وإن لم يستحقَّه بموجب العدل الصارم، بل بموجب الرحمة، فهذا يُقرِّب لنا مبدأ الشفاعة، فهي ليست لعتاة المجرمين، وطغاة الظالمين، فهؤلاء لا يقبل نبيّ ولا صديق أن يشفع لهم، إنَّما يشفعون للمقاربين، ممَّن ضعف عزمه، وزلت قدمه، ولم تسعفه التوبة.
رابعًا: إن الشفاعة إنَّما هي تكريم من الله تعالى شأنه لعباده المؤمنين: من الملائكة والأنبياء والصالحين، وأي غرابة في أن يكرم الله بعض عباده، فيمنحهم حق الشفاعة في بعض عباده، والملك ملكه والخلق خلقه؟ وقد شغل في الدنيا ملائكته بالدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم:
﴿ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍۢ رَّحْمَةًۭ وَعِلْمًۭا فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ٧ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ٨ وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوْمَئِذٍۢ فَقَدْ رَحِمْتَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ [غافر: 7 ـ 9].
أي غرابة في أن يكرم الله عبده ورسوله، وخيرة خلقه، وخاتم أنبيائه: محمدًا، فيعطيه حقَّ الشفاعة العظمى لإراحة الخلق من هول الموقف؟
وأي غرابة في أن يشفع عليه الصَّلاة والسلام لأهل الكبائر من أمته؟
وأي غرابة في أن يشفع بعض الربانيين من أمته في بعض العصاة الَّذين ماتوا على التوحيد؟
وأي غرابة في أن يشفع الشهداء من أمته لعدد كذا وكذا من أهلهم وأقاربهم، مكافأة لهم على استشهادهم وبذلهم لأرواحهم في سبيل الله؟
إنَّ العقل المؤمن لا يستغرب ذلك، ولا يستبعده، بل يجده ـ عند التدبر ـ مقتضى الكمال الإلهي الأعلى، ومقتضى الرحمة الَّتي وسعت كلَّ شيء، ومقتضى الفضل الإلهي الَّذي يعطي من يشاء بغير حساب.
العقل وحده لا يغني في مسائل الغيب:
إنَّ مشكلة الدكتور مصطفى محمود رغم إخلاصه فيما أعلم: أنه استخدم عقله وحده، دون أن يرده إلى مسلّمات العقيدة، ويضبطه بمحكمات الشريعة، وقواطع الأصول. والعقل وحده يمكن أن يشرد ويضل، إذا لم يهتد بمنارات الطريق، والعواصم من القواصم:﴿وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ﴾[آل عمران: 101].
إنها شطحة من شطحات «العقلانية» المتأثِّرة بنزعات المعتزلة، الَّذين بعدوا ـ في شؤون الإيمان بالغيب وأحوال الدار الآخرة ـ عن الصراط المستقيم، صراط التوازن والاعتدال، فأوَّلوا كثيرًا ممَّا ورد في: الصراط والميزان والشفاعة، ورؤية الله، وتفاصيل الثواب والعقاب، تأويلًا فيه كثير من التكلُّف الَّذي لا ينشرح به صدر اللغة، ولا يستريح إليه أهل الشَّرع، وردُّوا كثيرًا من صِحاح الأحاديث لمجرد الاستبعاد. والغرور بالعقل وحده؛ دون الاهتداء بالشرع: خطر على الإنسان.
لقد غلَّب المعتزلة العقل على النقل، والعدل على الرحمة، والوعيد على الوعد.
ولو أنَّهم أعملوا ـ وأعمل معهم أخونا الدكتور ـ العقل في ضوء النقل، وضموا إلى قانون العدل: قانون الرحمة والفضل، وجمعوا بين الوعيد والوعد، ليتجلّى لهم الكمال الإلهي على حقيقته، كما وصفه كتاب الله:﴿ٱعْلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ﴾[المائدة: 98].
﴿وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌۭ شَدِيدٌۭ وَمَغْفِرَةٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنٌۭ﴾[الحديد: 20]، ﴿نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٤٩ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ﴾[الحجر: 49، 50].
فجعل المغفرة والرحمة من أسمائه، والعذاب من أفعاله، وما أعظم الفرق بين الأمرين.
وأنا من الَّذين يشددون في ضرورة فهم السُّنَّة في ضوء القرآن، كما بينت ذلك في كتابي «كيف نتعامل مع السُّنَّة النبويَّة» ولكنِّي ناديت كذلك بضرورة التدقيق في هذه الدعوى، فكثير من النَّاس يزعمون تعارض السنة مع القرآن، وهي ليست كذلك، إنَّما هي من باب الخاص مع العام، أو المقيد مع المطلق، أو المفصَّل مع المجمل، ولا تعارض بين هذه بعضها وبعض.
ويسرني أن أنقل من هذا الكتاب ما ذكرته في قضية الشفاعة عند المعتزلة.
التدقيق في دعوى معارضة القرآن:
وهنا لا بدَّ أن نحذِّر من التوسع في دعوى معارضة القرآن، دون أن يكون لذلك أساس صحيح.
فقد ركب المعتزلة متن الشطط، حين اجترؤوا على رد الأحاديث الصحيحة المستفيضة في إثبات الشفاعة في الآخرة للرسول عليه الصَّلاة والسلام، ولإخوانه الأنبياء والملائكة وصالحي المؤمنين، في عصاة الموحدين، فيكرمهم الله تعالى بفضله ورحمته وشفاعة الشافعين، فلا يدخلون النَّار أصلًا، أو يدخلونها ويخرجون منها بعد حين، ويكون مصيرهم إلى الجنة.
وهذا من كرم الله تبارك وتعالى على عباده، الَّذي أعلى جانب الرحمة على جانب العدل؛ فجعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف أو يزيد، وجعل السيئة بمثلها أو يعفو، وجعل للسيئات مكفِّرات عدَّة من: الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة، وصيام رمضان، وقيامه، والصدقات والحج والعمرة، والتسبيح والتهليل، والتكبير والتحميد، وغيرها من الأذكار والدعوات، وما يصيب المسلم من نصب أو وصب أو غم أو حزن، أو أذى حتَّى الشوكة يشاكها. فكل هذا يكفر الله به من خطاياه. على حين لم يجعل شيئًا يحبط الحسنات غير الردة عن الدين، والعياذ بالله.
كما جعل دعاء المؤمنين له، من أهله وغير أهله، بعد وفاته ينفعه في قبره.
فلا بدَّ من أن يكرم الله عباده المصطفين الأخيار، فيشفعهم فيمن شاء من خلقه ممَّن ماتوا على كلمة التوحيد، وهذا ما تكاثرت حوله الأحاديث: «يخرج قوم من النَّار بشفاعة محمَّد ﷺ فيدخلون الجنة، يسمّون الجهنميين»(27).
«يخرج من النَّار قومٌ بالشفاعة كأنَّهم الثَّعَارِير»(28).
«يدخل الجنَّة بشفاعة رجلٍ من أُمَّتي أكثر من بني تميم»(29).
«يشفع الشهيدُ في سبعين من أهل بيته»(30).
«أسعد النَّاس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلَّا الله خالصًا من قلبه»(31).
«لكلِّ نبيٍّ دعوة، فأريد إن شاء الله، أن أختبئ دعوتي شفاعة لأُمَّتي يوم القيامة»(32).
«كلُّ نبيٍّ قد سأل سؤالًا، أو قال: لكلِّ نبيٍّ دعوة، دعا بها فاستجيب، فجعلت دعوتي شفاعة لأُمَّتي يوم القيامة»(33).
وفي حديث أبي سعيد عند الشيخين: «فيشفع النبيُّون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبَّار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النَّار فيخرج أقوامًا قد امتحشوا ـ أي احترقوا ـ فيلقون في نهر بأفواه الجنَّة يُقال له: ماء الحياة...» الحديث(34).
«لكلِّ نبيٍّ دعوة مستجابة، فتعجَّل كلُّ نبيٍّ دعوتَه، وإني خَبَأتُ دعوتي شفاعةً لأُمَّتي يوم القيامة، فهي نائلة ـ إن شاء الله ـ من مات من أُمَّتي، لا يشرك بالله شيئًا»(35).
والمعتزلة ـ لتغليبهم الوعيد على الوعد، والعدل على الرحمة، والعقل على النقل ـ أعرضوا عن هذه الأحاديث، مع قوة ثبوتها، ووضوح دلالتها، واستفاضتها عند علماء الأُمَّة.
وكانت شبهتهم في ردها: أنَّها تعارض القرآن الَّذي نفى شفاعة الشافعين.
ومن قرأ القرآن لم يجد فيه إلَّا نفي «الشفاعة الشركيَّة» الَّتي كان يعتقدها المشركون من العرب، والمحرفون من أصحاب الديانات الأخرى.
أجل نفى القرآن أن تكون للآلهة الزائفة شفاعة، وأن يكون للمشركين شفيع يطاع، كما قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍۢ وَلَا شَفِيعٍۢ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18].
والقرآن يُعَبِّر كثيرًا عن الشرك بالظلم، وعن المشركين بالظالمين، فإن الشرك ظلم عظيم.
فالقرآن إذن لم ينفِ مطلق الشفاعة، كما زعم من زعم، بل نفى الشفاعة الَّتي ادعاها المشركون والمحرِّفون، والتي كانت من أسباب فساد كثير من أتباع الديانات، الَّذين يقترفون الموبقات، متَّكلين على أنَّ شفعاءهم ووسطاءهم سيرفعون عنهم العقوبة لا محالة، كما يفعل الملوك الظلمة، وحكام الجور في الدنيا. انتهى.
إنَّ المسلم الحق لا يضرب النصوص بعضها ببعض، ولكن يرد المتشابهات إلى المحكمات، ويحمل المطلق على المقيد، ويفسر العام بالخاص، ويأخذ بها جميعًا، بحيث يضع كلًّا منها في موضعه الصحيح، وهذا هو الَّذي هُدي إليه العلماء الربانيون من هذه الأُمَّة.
موقف د. محمود من السُّنَّة:
ومن المؤسف أن الجدل في هذه القضية ـ قضية الشفاعة ـ قد أدى بالدكتور مصطفى محمود إلى إنكار «السُّنَّة النبويَّة» ـ الَّتي يعبِّر عنها دائمًا بـ «السيرة» ـ والسيرة جزءٌ يسيرٌ من السنة. وقد خاض فيها بجسارة ما كان ينبغي لمثله أن يخوضها، كما يخوض الغريب عن العلم «الغشيم» فيما لا يحسنه. فيخلط حابلًا بنابل، وحقًّا بباطل. وكنت أود أن يتريث في هذا الأمر، ويراجع بعض العلماء الثقات الَّذين يجمعون بين القرآن والسُّنَّة، وبين الحديث والفقه.
وسأذكر هنا نبذة قليلة ممَّا وقع فيه الدكتور من أخطاء، راجيًا أن يراجع نفسه فيها، فالحق أحق أن يُتَّبع، وليس في العلم كبير، وفوق كلِّ ذي علم عليم.
1 ـ قال الدكتور: إنَّ الله لم يضمن لنا حفظ كتاب إلَّا كتابه، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾[الحجر: 9]. ولم يتكفل لنا بحفظ البخاري ولا غيره من الكتب الَّتي صنفها البشر.
وهذا صحيح في الجملة، ولكن المحقِّقين من العلماء، أمثال الإمام أبي إسحاق الشاطبي، بينوا بالأدلة: أنَّ حفظ القرآن يتضمن ويستلزم حفظ السُّنَّة؛ لأن حفظ المبيّن يقتضي حفظ بيانه، وإلا بقي بلا بيان.
يريد أن الله تعالى قال:﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾[النحل: 44].
ولقد بيَّن الرسول القرآن بقوله وفعله وتقريره، وهيَّأ الله من الأسباب، وبعث من العلماء من قاموا بحفظ السنة وجمعها ونخلها من المدسوس عليها، وحمل علم النُّبوَّة من كلِّ خلفٍ عُدُوله، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين.
ولولا السُّنَّة ما عرفنا كيف نصلِّي أو نؤذِّن، أو نزكِّي أو نحُجُّ، فالسُّنَّة هي الَّتي فصَّلت لنا مُجمل القرآن، ووضحت لنا الكثير ممَّا تضطرب الأفهام فيه.
2 ـ اعتمد الدكتور على حديث أبي سعيد الخدري: «لا تكتبوا عنِّي شيئًا غير القرآن، ومن كتب شيئًا غير القرآن فليمحُه»(36). وهو حديث رواه مسلم، ولم يروه البخاري، فقد كان يراه موقوفًا، أي من كلام أبي سعيد نفسه. والدكتور يدعي أنه متواتر، ولم يقل بذلك عالم! ولو صحَّ هذا الحديث، فقد كان ذلك في أوَّل الأمر، حتَّى تتوافر الجهود كلُّها لكتابة القرآن، وحتى لا تقوم أي شبهة في التباس القرآن بغيره، وخصوصًا إذا كُتب مع غيره في صحيفة واحدة.
والواقع أنَّ أشياء كثيرة قد كتبت في العهد النبوي مثل الصحيفة الَّتي عدت بمثابة دستور لأهل المدينة، وكتب الصدقات، ورسائله عليه الصَّلاة والسلام إلى الملوك والأمراء، وصحيفة عبد الله بن عمرو، وغيرها. وأما طور التدوين الرسمي ـ أي بأمر الدولة ـ فقد بدأ في عهد عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى للهجرة.
ولقد بذل علماء الأُمَّة من الجهود والرحلات العلمية، منذ عهد الصحابة في جمع السُّنَّة وضبطها وتنقيتها من الدخيل عليها، ما لم يُعرف مثله في أُمَّة من الأمم. وخلَّفوا لنا في ذلك تراثًا هائلًا، لا ينكر قيمته إلَّا جاهل أو مكابر.
ولا يجوز لنا ـ بعد أربعة عشر قرنًا أو تزيد ـ أن نهيل التراب على هذا التراث العظيم، ونقول: حسبنا القرآن، فقد فصَّل الله فيه كلَّ شيء، ونُضلِّل الأُمَّة طَوال تاريخها، بأنَّها اعتمدت على السُّنة وجعلتها المصدر الثاني لفقهها وتشريعها، ولتوجيهها وتثقيفها، كما لمسنا ذلك عند الفقهاء والأصوليين، والدعاة والمربِّين، والمحدِّثين والمفسِّرين، والمتكلِّمين والصوفيِّين، كلُّهم جعلوا السُّنَّة ـ بعد القرآن ـ عمدتهم.
ومن أشدِّ الأمور خطرًا على اتجاه الأُمَّة الفكري والسلوكي: إسقاط «عصمة الأُمَّة» وإلقاء تراثها في سلة المهملات، والبدء من الصفر، أو باتِّباع أُمَّة أخرى، وسلوك سبيلها، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، بدعوى «القراءة الجديدة» للقرآن، أو بما شابه ذلك من الدعاوى.
فالأُمَّة إنَّما تبقى أُمَّة إذا بنى لاحقها على ما أسسه سابقها، مع ملاحظة تغير الزمان والمكان والإنسان، وهو ما ننادي به من وجوب التجديد والاجتهاد من أهله في محله.
أما إذا أراد اللاحقون أن يهدموا ما بناه السابقون من صروح، فليس هذا من التجديد المطلوب، بل هو هدم لمقومات الأُمَّة، وإلغاء لهويتها.
والآفة هنا تتمثل في العجلة في الحكم، والتسرع في النفي والإثبات، ولا سيما إذا دخل المرء في غير اختصاصه، وأقحم نفسه فيما يحتاج إلى مراجعة الثقات من أهل الذكر، كما قال تعالى:﴿فَسْـَٔلْ بِهِۦ خَبِيرًۭا﴾[الفرقان: 59]، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍۢ﴾[فاطر: 14].
خذ مثلًا ما ذكره د. محمود من رد حديث عائشة # : مات رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين وَسْقًا من شعير في نفقة عياله(37).
فقد اعتبر هذا الحديث مكذوبًا على رسول الله، لماذا؟ لأن الرسول في أواخر حياته فتح الفتوح، وغنم الغنائم، وكان سيد الجزيرة، فكيف يحتاج إلى يهودي ليتسلف منه، ويرهنه درعه، ويموت وهي مرهونة؟
والحديث متفق على صحته، ولم يطعن فيه أحد من قبل فيما أعلم، ولو طعن فطعنه مردود. والفقهاء جميعًا قد استنبطوا منه أحكاما عدة.
منها: جواز التعامل مع غير المسلمين، ولا سيما أهل الكتاب.
ومنها: جواز التعامل مع من يشوب ماله بعض الحرام، مثل اليهود.
ومنها: جواز الرهن في الحضر، فإنَّ القرآن ذكر الرهن في السفر.
ومنها: وجود بعض اليهود في المدينة. إلى غير ذلك من الأحكام.
وكون الرسول ﷺ كان له الخمس في الغنائم، فقد كان يصرف هذا الخمس في مصالح الأُمَّة، وما كان له منه خاصة، فقد قال: «لو كان لي مثل أُحُدٍ ذهبًا، ما أحبُّ أن يمرَّ عليَّ ثلاث وعندي منه شيء، إلَّا شيئًا أرصده لدَيْن»(38). فقد كان ينفق بسخاء، ويعطي عطاء من لا يخشى الفاقة كما وصفوه ﷺ.
فلا مانع أن يأتي وقت ينفد فيه الشعير ـ الَّذي يتخذون منه الخبز ـ في المدينة، وهي بلد نخيل، لا بلد محاصيل، ولا يوجد من يدخر الشعير، إلَّا مثل هذا اليهودي، وقد استلف منه ثلاثين وسقًا لزوجاته. وطلب منه اليهودي ضمانًا، فرهنه درعه، وكان ذلك في أواخر حياته 0 : ، فمات ودرعه عند اليهودي.
أي غرابة في هذا؟ وأي منافاة للعقل أو للمنطق؟ وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلًا فَأَغْنَىٰ﴾ في سورة الضحى، وهي من أوائل ما نزل من القرآن، لم يمنع أن يأتي على الرسول أيام يشد فيها الحجر على بطنه من الجوع، وأخرى أكل فيها أوراق الشجر، كما في أيام المقاطعة الشهيرة في السيرة النبويَّة.
إنّي أعتقد أن الأخ الدكتور مصطفى محمود رجل مخلص، وأملي في إخلاصه أن يقف لمراجعة نفسه فيما كتب عن الشفاعة، وبخاصة ما كتبه عن السُّنة، فلن يستفيد منه إلَّا خصوم الإسلام الَّذين وقف قلمه لكشف زيفهم، وهدم باطلهم.
ويظهر لي أنه قرأ شيئًا من كتاب أبي رية في الطعن على السُّنة ورجالها، بدليل بعض النقول الَّتي ذكرها، وأنصحه أن يقرأ الَّذين ردوا على أبي رية، وحسبي هنا أن يقرأ كتابًا واحدًا في هذا الموضوع، وهو كتاب الفقيه الداعية الشيخ مصطفى السباعي: «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي» فسيجد فيه من البينات ما يشفي الصدور.
إني أربأ بالأخ الدكتور أن يردد ما قاله أعداء السنة من دعاوى، فرغ العلماء المختصون من الرد عليها من زمن طويل، مثل ما قالوه: إنَّ أبا حنيفة لم يصح عنده إلَّا سبعة عشر حديثًا، وهو أمر ذكره ابن خلدون بصيغة التمريض، ورد عليه ردًّا علميًّا رصينًا. ويكفينا ما روي عن أبي حنيفة من مسانيد، وما ملئ به مذهبه من أحاديث.
أسأل الله لنا وللدكتور الهداية إلى الَّتي هي أقوم، وأن يغفر لنا وله ما مضى، ويصلح لنا جميعًا ما بقي،﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ﴾[آل عمران: 8].
1. رواه مسلم في الإيمان (204)، وأحمد (8402)، عن أبي هريرة.
2. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3475)، ومسلم في الحدود (1688)، عن عائشة.
3. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في فضائل القرآن (5058)، ومسلم في الزكاة (1064)، عن أبي سعيد الخدري.
4. حديث طويل رواه الحاكم في قتال أهل البغي (2/151)، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
5. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في المساقاة (2365)، ومسلم في السلام (2242)، عن ابن عمر.
6. رواه مسلم في اللباس (2128)، وأحمد (8665)، عن أبي هريرة.
7. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في التوحيد (7439)، ومسلم في الإيمان (183)، عن أبي سعيد.
8. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3340)، ومسلم في الإيمان (194)، وفيه: «يا محمد ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعطه».
9. رواه مسلم في الإيمان (195) بلفظ: «يجمع الله تبارك وتعالى الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة».
10. رواه أحمد (15)، وقال مخرِّجوه: إسناده حسن. وصحَّح إسناده الشيخ أحمد شاكر في تخريج المسند، وفيه: «ارفع رأسك يا محمد، وقل يسمع، واشفع تشفع».
11. رواه الطبراني (6/247)، وصحَّح إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (5502)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3638)، بلفظ: «فينادى: ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع، فذلك المقام المحمود».
12. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في التفسير (4476)، ومسلم في الإيمان (193)، وفيه: «يا محمد، ارفع رأسك، قل تسمع، سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي».
13. رواه أحمد (21245)، وقال مخرِّجوه: صحيح لغيره. والتِّرْمِذي في المناقب (3613) وقال: حسن صحيح غريب. وابن ماجه في الزهد (4314) بلفظ: «إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم غير فخر».
14. رواه أحمد (22943)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. بلفظ: «إني لأرجو أن أشفع يوم القيامة، عدد ما على الأرض من شجرة، ومدرة».
15. رواه أحمد (3787)، وقال مخرِّجوه: إسناده ضعيف. وفيه: «وإني لأقوم المقام المحمود يوم القيامة».
16. رواه أحمد (15783)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح على شرط مسلم. وابن حبان في التاريخ (6479)، بلفظ: «ثم يُؤذن لي، فأقول ما شاء الله أن أقول فذاك المقام المحمود».
17. رواه أحمد (21737)، وقال مخرِّجوه: حسن لغيره؛ بلفظ: «أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه».
18. تفسير ابن كثير (5/105 ـ 112).
19. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في التفسير (4712)، ومسلم في الإيمان (194).
20. رواه البخاري في التفسير (4718).
21. رواه البخاري في الزكاة (1474، 1475).
22. رواه مسلم في الطهارة (233)، وأحمد (9197)، عن أبي هريرة.
23. شرح المقاصد في علم الكلام للتفتازاني (2/239).
24. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في التوحيد (7422)، ومسلم في التوبة (2751)، عن أبي هريرة.
25. المستصفى للغزالي صـ 6، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1413هـ ـ 1993م.
26. رواه البزار (3988)، والبيهقي في شعب الإيمان (6646)، عن أبي ذر. وفي الصحيحين عن أبي هريرة: «إذا أحسن أحدكم إسلامه: فكل حسنة يعملها تُكتب له بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها». رواه البخاري (42)، ومسلم (129)، كلاهما في الإيمان.
27. رواه البخاري في الرقاق (6566)، عن عمران بن حصين.
28. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (6558)، ومسلم في الإيمان (191)، عن جابر. والثعارير: هي القثاء الصغار، شبهوا بها لأن القثاء ينمي سريعًا. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (ث. ع. ر). وقيل: يشبه نبات الهليون.
29. رواه أحمد (15857)، وقال مخرِّجوه: إسناده صحيح. والتِّرْمِذي في صفة القيامة (2438) وقال: حسن صحيح غريب. والحاكم في معرفة الصحابة (3/408) وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، عن عبد الله بن أبي الجدعاء.
30. رواه أبو داود في الجهاد (2522)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2277)، عن أبي الدرداء.
31. رواه البخاري في العلم (99)، وأحمد (8858)، عن أبي هريرة.
32. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الدعوات (6304)، ومسلم في الإيمان (198)، عن أبي هريرة.
33. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الدعوات (6305)، ومسلم في الإيمان (200)، عن أنس.
34. سبق تخريجه صـ 172.
35. رواه مسلم في الإيمان (199)، وأحمد (9504)، عن أبي هريرة.
36. رواه مسلم في الزهد والرقائق (3004)، وأحمد (11158)، عن أبي سعيد الخدري.
37. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الجهاد (2916)، ومسلم في المساقاة (1603)، عن عائشة.
38. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الاستقراض (2389)، ومسلم في الزكاة (991)، عن أبي هريرة.