المقالات

❓ هل يتزوج الجني الإنسية ويتزوج الإنسي الجنية؟

📅 2026-06-04 👁 875 مشاهدة

نص السؤال:

نرجو من سماحتكم: أن تبينوا لنا بالأدلة الشرعيَّة، قضية ما يشيع بين النَّاس من تزوج الجني بالإنسية، وتزوج الإنسي بالجنية؟ وكيف يتم العقد بينهما؟ وكيف يتعايشان؟ وهما مختلفا الطبيعة؟
وما الدليل على ذلك من كتاب الله أو السُّنَّة الصحيحة لرسول الله ؟
نطمح ألَّا تضنُّوا علينا ببيان يشفي الصدور، ويزيح الغموض عن هذه الأمور. وفقكم الله، وأجرى العلم النافع على لسانكم وقلمكم. آمين
(ي. ا. هـ)
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فلا أعلم نصًّا من كتاب الله تعالى، ومن السُّنَّة الصحيحة لرسول الله ، تفيد وقوع هذا الزواج، أو يدلُّ على مجرد جوازه ومشروعيته، بل وجدت ما يدلُّ على عكس ذلك.
فإنَّ الله تعالى قد جعل الزواج ـ كما بيَّن في القرآن ـ بين أفراد الجنس الواحد، لتنشأ بينهم السكينة والمودة والرحمة، الَّتي هي أركان الأسرة المؤمنة، الَّتي يسعى القرآن لإنشائها، كما قال تعالى:﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾[الروم: 21].
ومعنى: ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾، أي من جنسكم؛ لأن الجنس يأنس إلى جنسه، ويسكن إليه، بخلاف الجنس الأجنبي، الَّذي لا تأتلف طبيعته مع طبيعته.
وقد حدَّثنا الله عن الإنسان الأول، فقال:﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾[الأعراف: 189]، ومعنى:﴿وَجَعَلَ مِنْهَا﴾، أي من جنسها ليتحقَّق سكونه إليها، وأنسه بها.
أما زواج الجني بالإنسية، والإنسي بالجنية، فكيف يتصور لقاؤهما وتعايشهما وتلاصقهما، ويتحقَّق قوله تعالى:﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾[البقرة: 187]، وهما جنسان مختلفان، كما يعبر عن ذلك أصل خلقتهما، فهذا خُلق من نار، وذلك خُلق من طين.
وأكثر الفقهاء لا يجيزون التزاوج بين الجنِّ والإنس، وبعضهم خشي من وراء دعوى الزواج بالجن: أن تنحرف المرأة وتسقط في فاحشة الزنى، ويظهر أثر ذلك بالحبل، فتدعي أن جنيًّا تزوجها! وأن حملها من هذا الجني، الَّذي لا تستطيع أن تستجوبه، ولا أن تحقَّق معه الشرطة أو النيابة، أو يمثل أمام القاضي؟
روى أبو عثمان سعيد بن داود الزبيدي قال: كتب قوم من أهل اليمن إلى مالك، يسألونه عن نكاح الجن! قالوا: إن هاهنا رجلًا من الجنِّ يزعم أنه يريد الحلال! فقال: ما أرى بذلك بأسًا في الدين. ولكن أكره إذا وجدت امرأة حامل، قيل: من زوجك؟ قالت: من الجن! فيكثر الفساد في الإسلام(1).
ولا أدري كيف يتم هذا الزواج؟ فكيف يحدث التعارف؟ وكيف تقع الخطبة؟ ومن أين يستدعى الشهود؟ وكيف يتم الإيجاب والقبول والإشهاد؟ وكيف يمكن إعلان النكاح الَّذي أمر به النَّبيّ ؟ وما موقف أولياء المرأة من هذا الزواج؟ وإذا علموا به وأرادوا أن يفسخوا هذا الزواج، فلمن يرفعون أمره؟ وليس بين الإنس والجن أية مؤسسات مختلطة؟
هذه إشكالات حقيقية تلزم الَّذين يقرون بشرعية هذا الزواج: أن يخرجوا منها، وأن يحدِّدوا لها حلًّا أو جوابًا مقنعًا.
وقد رأيت بعضهم يستدلون على شرعية ذلك بقوله تعالى:﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ﴾[الأنعام: 128].
استدلُّوا بقولهم:﴿ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾، فأخذوا من العبارة: أنَّها استمتاع بالزواج، فهو الَّذي ذكره القرآن في مقام الاستمتاع، كما في قوله:﴿فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾[النساء: 24].
والحق: أنَّ الاستمتاع في الآية بعيد عن ذلك، ولو كان المراد به الزواج المشروع، ما أجابهم بقوله:﴿قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ﴾[الأنعام: 128].
وإنما معنى استمتاع بعضهم ببعض: أن الشياطين استمتعت بإضلالهم وأمرهم بالسوء والفحشاء، واستجابة الآخرين، فهذا يمتعهم ويسرهم ويرضي غرورهم، إن أمروهم فأطاعوا. وأما استمتاع الأنس، فبما هووا إليه من اتباع الشهوات، واقتراف المحرمات، الَّتي غرقوا فيها، وظنوها دائمة، وهي متاع الغرور.
كما استدلَّ بعضهم بقوله تعالى في وصف حور الجنان:﴿فِيهِنَّ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌۭ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّۭ[الرحمن: 56].
والمراد: لم يجامعهن أحد قبل ذلك بمن يقدر على الجماع من إنسٍ أو جنٍّ. قال العلَّامة ابن عاشور في تفسيره: قوله: ﴿وَلَا جَآنٌّ: تتميم واحتراس، وهو إطناب دعا إليه: أنَّها دار ثواب لصالحي الإنس والجن، فلما ذكر «إنس» نشأ توهم أن يمسهن جن، فدفع ذلك التوهم بهذا الاحتراس(2).
وقال بعضهم: الجنُّ في الجنَّة لهم قاصرات الطرف من الجنِّ نوعهم، فالمعنى: لم يطمث الإنسيَّات أحد من الإنس، ولا الجنيَّات أحد من الجنِّ قبل أزواجهم(3).
← العودة لقسم السمعيات