المقالات

❓ موقف الإسلام العقدي من اليهود والنَّصارى

📅 2026-06-04 👁 961 مشاهدة

نص السؤال:

قرأنا في جريدة «الوطن» القطرية مقالًا ذيله صاحبه بهذا التوقيع «سراب الحافظ» يردُّ على فضيلتكم في رأي ذكرتم فيه أنَّ النَّصارى واليهود كفَّار. فما ردُّ فضيلتكم على ما ذكره الكاتب؟ وهذه أهمُّ النقاط والأدلَّة الَّتي ذكرها:
يقول الكاتب: إنَّ المفهوم الأساسي للإيمان في القرآن والسُّنَّة النبويَّة المشرَّفة هو: الإيمان بالغيب، أي الإيمان بالله واليوم الآخر، على ملَّة إبراهيم ، والكفر هو عكس الإيمان بالغيب، أي الكفر بالله واليوم الآخر، والشرك بالله هو في حكم الكفر به.
وذكر في ذلك آيات كريمة تدل على وجوب الإيمان بالله واليوم الآخر.
ويقول: لقد كلَّف الله المؤمنين من أُمَّة محمَّد ، بالإيمان بالشرائع الَّتي أوحيت إلى الإنسانية من قبل القرآن الكريم، لدخول ذلك ضمن دائرة استطاعتهم، انطلاقًا من كون القرآن ركز فيما يقارب ثلثيه على قصص الأنبياء والرسل السابقين، خصوصًا قصص إبراهيم وموسى وعيسى 1 ، والكتاب الحق الَّذي نزل إليهم، والتوراة والإنجيل.
أمَّا المؤمنون أصحاب الشرائع السابقة، فمن المنطق ألَّا يُكَلِّفهم تعالى الإيمان بما أنزل إلى الإنسانية من شرعة بعد شرعتهم، أي بشرعة القرآن الكريم، حيث يكون ذلك خارج دائرة استطاعتهم، انطلاقًا من كون قصص القرآن كلها وأحكامه، لم تذكر في كتبهم المقدسة، وما ذكر فيها سوى بشارة ببعثة الرسول الكريم أحمد  ، إلخ.
ويقول: إنَّ القرآن يدعو كل أُمَّة للعمل بما جاء في شرعتها من مبادئ وأحكام وفرائض، إن كانت راغبة عن شرعة القرآن الكريم، وقد قال الله تعالى لرسوله:﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا[المائدة: 48].
ويقول الله تعالى:﴿قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ[المائدة: 68]، فالآية هنا تطلب من أهل الكتاب إقامة التوراة والإنجيل، وألا يزيدوا على أحكامها، أي الحكم بما جاء إليهم فيهما، إن كانوا راغبين عن اتباع شرعة القرآن الكريم، الَّتي أنزلت على محمَّد .
ثم شكّك الكاتب في تحريف الإنجيل، وقال: ولو سلمنا جدلًا أنه حرف، فهل يعاقب الله النصراني على جريمة لم يرتكبها هو، إنَّما ارتكبها السابقون منهم؟!
ويقول: عندما يصدر الفقه الإسلامي حكمًا عامًّا بالكفر أو بالشرك بالله على أهل الكتاب جميعًا، فإن هذا يجعلهم في مرتبة واحدة مع الكفَّار والمشركين، حيث لا ينفع في دين الإسلام منح منزلة خاصَّة لأُمَّةٍ ما، مع فساد عقيدتها. ممَّا يعطي التبرير الكافي لأعمال التشدد والعنف، والاقتتال الطائفي ضد إخواننا المسيحيِّين، حيث يطبق عليهم قصار النظر من المسلمين قوله تعالى: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۢ ۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5].
ويقول الكاتب: يواجه الفقه الإسلامي إشكالية حقيقية، حين يعتبر اليهود والنَّصارى كفَّارًا أو مشركين بالله على وجه العموم، في الوقت الَّذي يبيح فيه زواج المسلم من نسائهم؛ إذ كيف يصح هذا مع تحريم زواج المسلمين من الكفَّار والمشركين والمشركات في قوله تعالى:﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌۭ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكَةٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟ ۚ وَلَعَبْدٌۭ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِۦ ۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ[البقرة: 221].
هذه أهم النقاط الَّتي ذكرها الكاتب، ومرسل إليكم المقال بالكمال، وجزاكم الله خيرًا.
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإنَّ من أخطر القضايا الَّتي نبهت عليها في أكثر من كتاب لي: محاولة خصوم الفكر الإسلامي التشكيك في «المسلَّمات» وبذل الجهد في تحويل «اليقينيَّات» إلى «ظنيَّات»، و«القطعيَّات» إلى «محتملات» قابلة للأخذ والرد، والجذب والشد، والقيل والقال.
وحسبهم الوصول إلى هذه النتيجة «زحزحة الثوابت» أو مناطحتها بغية «تذويبها» حتَّى لا تقف سدًّا منيعًا أمام الَّذين يريدون أن يهدموا حصون الأمَّة، أو على الأقل: يخترقوا أسوارها.
وقد وجدنا في عصرنا من يشكك في تحريم الخمر أو الربا، أو في إباحة الطلاق وتعدد الزوجات بشروطه، بل من يشكك في حجية السُّنة النبويَّة، بل وجدنا من يدعو إلى أن نطرح علوم القرآن كلها، وكل مواريثنا من الثقافة القرآنية، ونلقيها في سلة المهملات، لنبدأ قراءة القرآن من جديد قراءة معاصرة، غير مقيدة بأي قيد، ولا ملتزمة بأي علم سابق، ولا بأية قواعد أو ضوابط؛ ممَّا قرَّره علماء الأمَّة على توالي القرون.
والليالي من الزمان حَبَالَى
مُثْقِلاتٌ، يلدن كلَّ عجيبِ!(1)
ومما ولدته الليالي الحاملة بالعجائب: ما يذهب إليه بعض النَّاس الَّذين أقحموا أنفسهم على الثقافة الإسلاميَّة، دون أن يتأهلوا لها بما ينبغي، من علم القرآن والسُّنَّة، ولغة العرب وعلومها، وأصول الفقه، وتراث السلف، فدخلوا فيما لا يحسنون، وخاضوا فيما لا يعرفون، وأفتوا بغير علم، وحكموا بغير بينة، ودعوا على غير بصيرة، وقالوا على الله ما لا يعلمون.
ومن ذلك: زعمهم أنَّ أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى ليسوا كفارًا، فإن كانوا يقصدون أنَّهم ليسوا ملحدين منكرين للألوهيَّة والوحي، فهذا ادعاء صحيح، ولا يجوز الخلاف فيه.
وإن كانوا يقصدون أنَّهم ليسوا كفارًا بدين محمَّد ورسالته وقرآنه ـ وهو المراد من إطلاق الكفر عليهم ـ فهذه دعوى باطلة من غير شك.
فإن كفر اليهود والنَّصارى من أوضح الواضحات؛ بالنسبة لأي مسلم عنده ذرة من علم الإسلام، ومما أجمعت عليه الأمَّة على اختلاف مذاهبها وطوائفها، طوال العصور، لم يخالف في ذلك سني ولا شيعي ولا معتزلي ولا خارجي، وكل طوائف الأمَّة الموجودة اليوم من أهل السُّنَّة والزيدية والجعفرية والإباضية، لا يشكون في كفر اليهود والنَّصارى، وكل من لا يؤمن برسالة محمَّد عليه الصَّلاة والسلام، فهذا من المسلمات الدينية المتفق عليها نظرًا وعملًا(2)، بل هي من «المعلوم من الدِّين بالضرورة» أي ممَّا يتَّفق على معرفته الخاصَّ والعامَّ، ولا يحتاج إلى إقامة دليلٍ جزئيٍّ للبرهنة على صحَّته.
وسرُّ ذلك: أنَّ كفر اليهود والنَّصارى لا يدلُّ عليه آية أو آيتان، أو عشرة أو عشرون، بل عشرات الآيات من كتاب الله، وعشرات الأحاديث عن رسول الله .
كما يشهد بذلك كل من قرأ القرآن أو درس الحديث. وما كنت أظن أن أجد مسلمًا يعارض صريح كتاب الله تعالى وقواطع النصوص برأيه وهواه.
وأنا أقصد بالحكم عليهم بالكفر: ما يتعلَّق بأحكام الدنيا، فالنَّاس ينقسمون عندنا إلى قسمين لا ثالث لهما، إمَّا مسلم وإمَّا كافر، فمن ليس بمسلمٍ فهو كافر، ولكنَّ الكفَّار أنواع ودرجات، منهم أهل الكتاب، ومنهم المشركون، ومنهم الجاحدون الدهريُّون، وكذلك منهم المسالمون، ومنهم المحاربون، ولكلٍّ منهم حُكْمَه.
أمَّا فيما يتعلَّق بأحكام الآخرة، وهل هذا الكافر ناجٍ أو معذَّب؟ فهذا موكول إلى علمه تعالى وعدله. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا[الإسراء: 15]. فأما الكافر الَّذي لم تبلغه الدعوة أصلًا، أو لم تبلغه بلوغًا مشوِّقًا، يحملُ على النظر والبحث، أو حالت حوائل قاهرة دون دخوله في الإسلام، فهذا لا يكون من المعذَّبين حسَب وعد الله تعالى وعدله.
والقرآن إنَّما توعد الَّذين شاقُّوا الرسول من بعد ما تبيَّن لهم الهدى، كبرًا وعلوًّا، أو حسدًا وبغيًا، أو حبًّا للدنيا، أو تقليدًا أعمى، إلخ، كما قال تعالى:﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا[النساء: 115].
يقول شيخنا شلتوت رحمه الله تعالي؛ مبيِّنًا الحدَّ الفاصل بين الإيمان والكفر:
وعليه، فمن لم يؤمن بوجود الله، أو لم يؤمن بوحدانيَّته وتنزيهه عن المشابهة والحلول والاتحاد، أو لم يؤمن بتفرده بتدبير الكون والتصرف فيه، واستحقاق العبادة والتقديس، واستباح عبادة مخلوق ما من المخلوقات؛ أو لم يؤمن بأن لله رسالات إلى خلقه، بعث بها رسله، وأنزل بها كتبه عن طريق ملائكته، أو لم يؤمن بما تضمَّنته الكتب من الرسل، أو فرَّق بين الرسل الَّذين قصَّ علينا، فآمن بالبعض وكفر بالبعض، أو لم يؤمن بأن الحياة الدنيا تفنَى، ويعقبها دار أخرى هي دار الجزاء ودار الإقامة الأبدية، بل اعتقد أن الحياة الدنيا حياة دائمة لا تنقطع، أو اعتقد أنَّها تفنى فناء دائمًا لا بعث بعده، ولا حساب ولا جزاء، أو لم يؤمن بأنَّ أصول شرع الله فيما حرم وفيما أوجب، هي دينه الَّذي يجب أن يُتَّبع، فحرم من تلقاء نفسه ما رأى تحريمه، وأوجب من تلقاء نفسه ما رأى وجوبه. من لم يؤمن بجانب من هذه الجوانب، أو حلقة من هذه الحلقات: لا يكون مسلمًا، ولا تجري عليه أحكام المسلمين فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم بعضهم وبعض.
وليس معنى هذا أن من لم يؤمن بشيء من ذلك يكون كافرًا عند الله، يخلد في النَّار، وإنَّما معناه ألَّا تجري عليه في الدنيا أحكام الإسلام، فلا يُطالب بما فرضه الله على المسلمين من العبادات، ولا يُمنع ممَّا حرمه الإسلام كشرب الخمر، وأكل الخنزير والاتجار بهما، ولا يغسله المسلمون إذا مات ولا يصلُّون عليه، ولا يرثه قريبه المسلم في ماله، كما لا يرث هو قريبه المسلم إذا مات.
أما الحكم بكفره عند الله، فهو يتوقَّف على أن يكون إنكاره لتلك العقائد أو لشيء منها، بعد أن بلغته على وجهها الصحيح، واقتنع بها فيما بينه وبين نفسه، ولكنَّه أبى أن يعتنقها ويشهد بها عنادًا واستكبارًا، أو طمعًا في مال زائل، أو جاه زائف، أو خوفًا من لوم فاسد، فإذا لم تبلغه تلك العقائد، أو بلغته بصورة منفَّرة أو صورة صحيحة ولم يكنْ من أهل النظر، أو كان من أهل النظر ولكن لم يوفق إليها، وظل ينظر ويفكر طلبًا للحق، حتَّى أدركه الموت أثناء نظره ـ فإنه لا يكون كافرًا يستحق الخلود في النَّار عند الله.
ومن هنا كانت الشعوب النائيَّة الَّتي لم تصل إليها عقيدة الإسلام، أو وصلت إليها بصورة سيِّئة منفِّرة، أو لم يفقهوا حُجَّته مع اجتهادهم في بحثها؛ بمنجاة من العقاب الأخروي للكافرين.
والشرك الَّذي جاء في القرآن أن الله لا يغفره، هو الشرك الناشئ عن العناد والاستكبار؛ الَّذي قال الله في أصحابه: ﴿وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًۭا وَعُلُوًّۭا﴾ [النمل: 14](3) اهـ .
هذا، ولقد كنت عرضت بسرعة للحديث عن كفر أهل الكتاب في أحد دروس صلاة التراويح في شهر رمضان بالمسجد الكبير بالدوحة، ولم أكن أعلم أن هناك من عقَّب على هذا الأمر، حتَّى أخبرني به بعض الإخوة الفضلاء من قريب، فسعيت إلى استحضاره، لأعلم ماذا قيل في ذلك.
وقد عجبتُ كل العجب من هذا المقال المطول الَّذي نشرته صحيفة الوطن القطرية باسم «سراب الحافظ» وكنت أظنُّه «اسمًا مستعارًا» وقلت في نفسي: إنَّ صاحب المقال اختار اسمًا يعبِّر عن حقيقة مقولته، فهي «سراب» بقِيعةٍ يحسبه الظمآنُ ماءً، حتَّى إذا جاءه لم يجدْه شيئًا.
ولكنَّ بعض الإخوة قالوا لي: إنَّه اسم حقيقي، وإنَّه اسم لسيدة وليس لرجل.
وعلى كلِّ حالٍ نحن نناقش القول، ولا يهمُّنا القائل. والحقُّ أنِّي تحاملت على نفسي لأكتب هذا الردَّ، إيضاحًا للحقيقة، وإقامة للحجة، وإعذارًا إلى الله تعالى:﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ[الأنفال: 42].
ولعلَّ الأخت الكاتبة التبس عليها الأمر بسبب قراءة ناقصة للنصوص غير مستوعبة، أو قراءة انتقائية لبعض النصوص دون بعض، أو بسبب فهمٍ غير سليم لبعض المفاهيم الإسلاميَّة، فإن كانت تَنْشُد الحقَّ فستجد في تعقيبي هذا ما يهديها إليه، وينير لها الطريق إن شاء الله، وإن كانت متعصِّبة لرأيها، فحسْبي أنِّي بلَّغتُ وبيَّنتُ، ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا﴾ [الأنعام: 104].
حقيقة الإيمان بالغيب:
تقول الكاتبة: إنَّ المفهوم الأساسيَّ للإيمان في القرآن والسُّنَّة النبويَّة المشرَّفة هو: الإيمان بالغيب، أي الإيمان بالله واليوم الآخر، على ملَّة إبراهيم 0 : ، والكفر هو عكس الإيمان بالغيب، أي الكفر بالله واليوم الآخر، والشرك بالله هو في حكم الكفر به.
وذكرت في ذلك آيات كريمة تدلُّ على وجوب الإيمان بالله واليوم الآخر.
ونحن نرى معها ضرورة الإيمان بالغيب، ومنه الإيمان بالله واليوم الآخر، ولكنا ننكر عليها: إخراجها الإيمان بالنبوَّة والرسالة من الإيمان بالغيب، مع أنَّ الإيمان بكتب الله تعالى ورسله هو جزء من الإيمان بالغيب لا ريب فيه.
وكأنَّ الكاتبة تتوهَّم أنَّ الإيمان بالكتب هو إيمان بالورق الَّذي كتبت عليه، والمداد الَّذي كتبت به، فلهذا لم تعتبره من الإيمان بالغيب، وكذلك توهمت أن الإيمان بالرسل يعني: الإيمان بأشخاصهم المنظورة والمتحركة أمام الأعين، فلهذا لم تعدها من الإيمان بالغيب. مع أنَّ المقصود من ذلك هو: الإيمان بأن الله تعالى أوحى إلى رسله، وأنزل عليهم كتبًا، وبلغهم أوامر ونواهي، عن طريق ملائكته، أو عن طريق الإلهام المباشر، وهذه كلها من أمور الغيب، فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كلّها من الإيمان بالغيب.
وقد استشهدت الكاتبة ببعض الآيات والأحاديث الَّتي اكتفت في مجال الإيمان بذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، ولم تذكر الإيمان برسل الله 1 ، وحسبت أن ذلك حجة قاطعة لها. وهي مخطئة في ذلك بيقين.
فالنصوص القرآنية والحديثية تُجْمِلُ أحيانًا، وتُفصِّل أحيانًا حسَب المقام.
فأحيانًا تذكر كلَّ متعلَّقات الإيمان وأركانه، مثل قوله تعالى:﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّۦنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ[البقرة: 177]، ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ[البقرة: 285].
وأحيانًا يذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، كما في الآيات الَّتي ذكرتها الكاتبة وغيرها؛ ذلك أنَّ الإيمان بالله والإيمان بالجزاء الأخروي هما أعظم أركان الإيمان.
وأحيانًا يذكر الإيمان بالله ورسله، كما في قوله تعالى:﴿سَابِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ[الحديد: 21]، ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ[الحديد: 19].
وأحيانًا يذكر الإيمان بالله تعالى وبما أنزل على رسله، كما في قوله تعالى:﴿قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ وَإِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِىَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ[البقرة: 136].
وأحيانًا يذكر الإيمان بما أنزل الله فقط، كما في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًۭا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا﴾[النساء: 47]. وقوله تعالى لبني إسرائيل:﴿وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا وَإِيَّٰىَ فَٱتَّقُونِ﴾[البقرة: 41].
وأحيانًا يذكر الإيمان بالله تعالى دون غيره من بقية الأركان، كقوله تعالى:﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾[آل عمران: 110]، وقوله سبحانه:﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ﴾[التغابن: 11]، ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ﴾[البقرة: 256]، ﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَٰلِحًۭا يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ قَدْ أَحْسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزْقًا﴾[الطلاق: 11].
بل أحيانًا يذكر كلمة الإيمان مجردة من متعلَّقاتها، كما في النداء القرآني المتكرر: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟﴾، وقوله:﴿ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾[البقرة: 257]، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟﴾[الحج: 38]. وهذا كثير في القرآن.
وهذا الاكتفاء في بعض المواضع ببعض أركان الإيمان لا يعني الاستغناء عن بقية الأركان، فالقرآن يفسر بعضه بعضًا، ويصدق بعضه بعضًا، فما أُجمل في مكان فُصِّل في آخر، وما أُبهم في موضع بُيِّن في غيره، وما أُطلق في موقع قُيِّد في موقع آخر، ولا بدَّ أن يؤخذ القرآن كلُّه، ولا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض،﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا﴾[النساء: 82].
ومن ذلك: الاكتفاء بشهادة أن لا إله إلَّا الله في بعض النصوص، وذلك لأنَّ الكلام كان مع مشركي العرب، والمعركة الأساسيَّة معهم كانت على التوحيد، فإذا قالوا: لا إله إلَّا الله، فقد استجابوا لمحمد ، ولم يفهم أحد في الأوَّلين ولا الآخرين أنَّهم إذا قالوا: لا إله إلَّا الله، وكفروا بمحمد، كانوا مؤمنين ناجين.
وكنتُ أودُّ من الكاتبة الَّتي ذكرت بعض أحاديث البخاري ومسلم، الَّتي اكتفت بإعلان «لا إله إلَّا الله» أن تذكر الأحاديث الأخرى، الَّتي اشترطت كل أركان الإيمان.
وذلك مثل الحديث المشهور المعروف بحديث جبريل، حين سأل النَّبيّ عن الإيمان، فقال: «الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالبعث بعد الموت»(4).
ومثل ما رواه عنه ابن عمر: «أُمِرْتُ أن أقاتل النَّاس حتَّى يشهدوا أنْ لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة»(5).
وما رواه عنه عُبَادة بن الصامت: «من شهد أن لا إله إلَّا الله، وحدَه لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريمَ ورُوح منه، والجنَّة حقٌّ، والنَّار حقٌّ، أدخله الله الجنَّة على ما كان من العمل»(6).
وما رواه ابن عبَّاس، أنَّ رسول الله قال لمعاذ بن جبل، حين بعثه إلى اليمن: «إنَّك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، فإنْ هم أطاعوك بذلك، فأخبرهم أنَّ الله قد فرض عليهم خمس صلوات...» الحديث(7).
وما رواه أبو هُرَيْرة: «والَّذي نفْسُ محمَّد بيده، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمَّة يهوديٌّ أو نصرانيٌّ، ثمَّ يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به، إلَّا كان من أصحاب النَّار»(8).
ثم إنَّ الكاتبة تشترط أن يكون إيمان المؤمن من أهل الكتاب على ملَّة إبراهيم 0 : ، ولا أدري من أين تعرف ملَّة إبراهيم، وأي مصدر تعتمد عليه في ذلك؟
إنَّ المصدر الفذَّ لملَّة إبراهيم هو المصدر الإسلامي، أي هو القرآن، وما يُبَيِّنه من السُّنة، فالقرآن هو الوثيقة السماوية الوحيدة الَّتي نأمن أن نأخذ منها معارفنا، دون أن نخشى تسلُّل الباطل والوهم والتحريف إليها.
اتِّباع المتشابهات:
ولقد كنتُ نبَّهتُ في كتابي: «المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسُّنَّة» وأكدت ذلك في كتابي «كيف نتعامل مع القرآن العظيم» على قضية في غاية الخطر، وهي التعويل على «المتشابهات» من النصوص، والإعراض عن «المُحْكمات»؛ فهذا شأن الَّذين في قلوبهم زيغ كما نص القرآن في سورة آل عمران: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ[آل عمران: 7].
وليس هذا شأن الراسخين في العلم، المتمكِّنين في الدين، فإنَّهم يردون المتشابهات إلى المحكمات، ذلك أن المحكمات هي الأصل، وهي أم الكتاب ومعظمه، فيجب أن تفهم المتشابهات في ضوئها، وفي إطارها، فهي الَّتي تضبطها وتحكمها. ولكن هؤلاء ـ للأسف الشديد ـ يعكسون القضية، اتباعًا لأهوائهم، أو لأهواء الَّذين لا يعلمون.
وقد رأينا الكاتبة ـ هدانا الله وإياها ـ تركض وراء المتشابهات من النصوص، تريد أن تتخذ منها أساسًا لمقولتها، وتغفل النصوص القطعية، الَّتي لا شبهة في دلالتها، ولا يتطرَّق إليها احتمال يوهي من قيمتها؛ وبخاصة أنَّها تستند إلى هذه المتشابهات، ولا تُعنى بنقل رأي علماء الأمَّة في فهمها ودلالتها. مرة واحدة نقلت عن ابن عطية، ولم يغنها نقلها من الحق شيئا.
اعتمدت على قول الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ[المائدة: 43]. مع أن المقصود بحكم الله في الآية، هو حكم الرجم الَّذي حاولوا التهرب منه، كما ذكرت الباحثة ذلك نقلًا عن صحيح البخاري.
واعتمدت كذلك على قوله سبحانه: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ[المائدة: 47]. والمراد: الحكم بما أنزل الله فيه من البشارة بمحمد ورسالته، وغير ذلك من الأحكام والوصايا الأخلاقية.
وكان الأولى بها إن كانت تنشد الحق أن ترجع إلى أهل الاختصاص من الأئمَّة والمفسرين من السلف والخلف، لمعرفة ماذا قالوا في الآيتين.
أم تريد أن تقول: إنَّها لا تحتاج إلى ذلك؟ فهي أعلم من كل علماء الأمَّة: مفسِّرين، ومحدِّثين، ومتكلِّمين، وفقهاء!
ما قاله صاحب المنار في تفسير الآيات:
اقرأ معي في تفسير المنار حول الآيات الَّتي استشهدت بها الكاتبة، وهي قوله تعالى:﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ﴾.
يقول صاحب المنار: هذا تعجب من الله لنبيه؛ ببيان حال من أغرب أحوال هؤلاء القوم، وهو أنَّهم أصحاب شريعة يرغبون عنها، ويتحاكمون إلى نبيّ جاء بشريعة أخرى، وهم لم يؤمنوا به. أي: وكيف يحكمونك في قضية كقضية الزانيين أو قضية الدية؛ والحال أن عندهم التوراة الَّتي هي شريعتهم، فيها حكم الله فيما يحكمونك فيه، ثمَّ يتولون عن حكمك بعد أن رضوا به وآثروه على شريعتهم؛ لموافقته لها؟ أي: إذا فكرت في هذا رأيته من عجيب أمرهم، وسببه أنَّهم ليسوا بالمؤمنين إيمانًا صحيحًا بالتوراة ولا بك، وإنَّما هم ممَّن جاء فيهم: ﴿وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. فإنَّ المؤمن الصادق بشرع لا يرغب عنه إلى غيره؛ إلَّا إذا آمن بأن ما رغب إليه شرع من الله أيضًا أيَّد به الأول، أو نسخه لحكمة اقتضت ذلك؛ باختلاف أحوال عباده.
وهؤلاء تركوا حكم التوراة الَّتي يدَّعون الإيمان بها واتباعها؛ لأنَّه لم يوافق هواهم، وجاؤوك يطلبون حكمك؛ رجاء أن يوافق هواهم، ثمَّ يتولون ويعرضون عنه إذا لم يوافق هواهم؛ فما هم بالمؤمنين بالتوراة ولا بك، ولا بمَن أنزل على موسى التوراة وأنزل عليك القرآن، وقد يقولون: إنَّهم مؤمنون، وقد يظنون أيضًا أنَّهم مؤمنون، غافلين عن كون الإيمان يقينا في القلب، يتبعه الإذعان بالفعل، ويترجم عنه اللسان بالقول. ولكن اللسان قد يكذب عن عِلم وعن جهل؛ فمن أيقن أذعن، ومن أذعن عمل؛ لأن الإيمان الإذعاني هو صاحب السلطان الأعلى على الإرادة، والإرادة هي المصرفة للجوارح في الأعمال.
أما حكم الرجم في التوراة الَّتي بين أيدينا اليوم، فهو خاص ببعض الزُّناة. قال في الفصل 22 سفر التثنية بعد بيان: أنَّ من تزوج فوجدها ثيِّبًا تُرجم عند باب بيت أبيها: «22 إذا وُجد رجلٌ مضطجعًا مع امرأةٍ، زوجةِ بعلٍ يُقتل الاثنان: الرجل المضطجع مع المرأة، والمرأة، فتنزع الشر من إسرائيل 23 إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل، فوجدها رجل في المدينة فاضطجع معها، فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتَّى يموتا: الفتاة من أجل أنَّها لم تصرخ في المدينة، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه، فتنزع الشرَّ من وسطك» ثمَّ ذكر أحكاما أخرى في الزِّنى، منها قتل أحد الزانيَيْن، ومنها دفع غرامة والتزوُّج بالمزنيِّ بها.
ومما يجب التنبيه له هنا أن دعاة النصرانيَّة يحتجون بهذه الآية وما في معناها على كون التوراة الَّتي في أيديهم وأيدي اليهود هي ما أنزله الله تعالى على موسى، لم يعرض لها تغيير ولا تحريف. ذلك أنَّهم كأولئك اليهود الَّذين يأخذون من القرآن ما يوافق أهواءهم، ويردون ما يخالفها جدلًا. والمؤمنون يؤمنون بالكتاب كله، فالكتاب بيَّن لنا أن عندهم التوراة: أي الشريعة، وأن فيها حكم الله في القضية الَّتي تحاكموا فيها إلى النَّبيّ ، وقد صدق الله تعالى وهو أصدق القائلين، وبيَّن لنا أيضًا أنَّهم حرفوا الكلم عن مواضعه ومن بعد مواضعه، وأنَّهم نسوا حظًّا ممَّا ذُكِّروا به وأنَّهم إنَّما أوتوا نصيبًا من الكتاب إذ نسوا نصيبًا آخر وأضاعوه. وقد صدق الله تعالى في ذلك أيضًا.
ولما خرجت أمَّة القرآن بالقرآن من الأمية، وعرفوا تاريخ أهل الكتاب وغيرهم كالبابليين: ظهر لهم أنَّ إخبار القرآن بذلك كان من معجزاته الدالة على أنه من عند الله؛ إذ ظهر لهم أن اليهود قد فقدوا التوراة الَّتي كتبها موسى ثمَّ لم يجدوها، وإنَّما كتب لهم بعض علمائهم ما حفظوه منها؛ ممزوجًا بما ليس منها، والتوراة الَّتي في أيديهم تثبت ذلك، كما بيناه في غير هذا الموضع.
ومنه تفسير أوَّل سورة آل عمران، وتفسير الآية 14 و15 من هذه السورة[يعني: المائدة].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًۭى وَنُورٌۭ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ[المائدة: 44]. إلى قوله تعالى:﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ[المائدة: 47].
قال صاحب المنار: هذه الآيات من سياق الَّتي قبلها والتي بعدها، والغرض منها بيان كون التوراة كانت هداية لبني إسرائيل، فأعرضوا عن العمل بها لما عرض لهم الفساد، وبيان مثل ذلك في الإنجيل وأهله، ثمَّ الانتقال من ذلك إلى ما سيأتي من ذكر إنزال القرآن ومزيته وحكمة ذلك. ومنه يعلم أن العبرة بالاهتداء بالدين، وأنه لا ينفع أهله الانتماء إليه إذا لم يقيموه؛ إذ لا يستفيدون من هدايته ونوره، إلَّا بإقامته والعمل به، وأن إيثار أهل الكتاب أهواءهم على هداية دينهم، هو الَّذي أعماهم عن نور القرآن والاهتداء به. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًۭى وَنُورٌۭ [المائدة: 44]. أي إنَّا نحن أنزلنا التوراة على موسى؛ مشتملة على هُدى في العقائد والأحكام، خرج به بنو إسرائيل من وثنية المصريين وضلالهم، وعلى نور أبصروا به طريق الاستقلال في أمر دينهم ودنياهم،﴿يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟. أنزلناها قانونًا للأحكام يحكم بها النبيون ـ موسى ومن بعده من أنبياء بني إسرائيل ـ طائفة من الزمان، انتهت ببعثة عيسى ابن مريم 0 : . وهم الَّذين أسلموا وجوههم لله مخلصين له الدين، على ملَّة إبراهيم عليهم الصَّلاة والسلام، فالإسلام دين الجميع، وكل ما استحدثه اليهود والنَّصارى من أسباب التفرق في الدين، فهو باطل وضلال مبين. وإنَّما يحكمون للذين هادوا أي اليهود خاصة؛ لأنَّها شريعة خاصَّة بهم لا عامة، ولذلك قال آخرهم عيسى: لم أرسل إلَّا إلى خراف إسرائيل الضالة. ولم يكن لداود وسليمان وعيسى من دونها شريعة.
وقال تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ قرأ الجمهور:﴿وَلْيَحْكُمْبصيغة الأمر، وهو حكاية حذف منها لفظ القول ـ ومثله كثير في القرآن ـ أي: وقلنا: ليحكم أهل الإنجيل بما أنزله الله فيه من الأحكام، أي أمرناهم بالعمل به، فهو مثل قوله في أهل التوراة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ  كذا وكذا. وقرأ حمزة: «وَلِيَحْكُمَ» بكسر اللام(9)، أي ولأجل أن يحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، وجوزوا أن يكون قوله: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةًمفعولا لأجله. وعطف ﴿وَلِيَحْكُمَ عليه مع إظهار اللام لاختلاف الفاعل. وكيفما قرأت وفسرت لا تجد الآية تدل على أن الله تعالى يأمر النَّصارى في القرآن بالحكم بالإنجيل، كما يزعم دعاة النصرانيَّة بما يغالطون به عوام المسلمين. ولو فرضنا أنه أمرهم بذلك بعبارة أخرى لتعين أن يكون الأمر للتعجيز وإقامة الحجة عليهم، فإنَّهم لا يستطيعون العمل بالإنجيل ولن يستطيعوه. وسيأتي لهذا البحث تتمة.
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾، أي: فأولئك هم الخارجون من حظيرة الدين، الَّذين لا يعدون منه في شيء، أو الخارجون من الطاعة له المتجاوزون لأحكامه وآدابه.
وقال تعالى بعد ذلك:﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ٤٨ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩ أَفَحُكْمَ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًۭا لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ﴾[المائدة: 48 ـ 50].
يقول صاحب المنار: هذه الآيات تتمة السياق: بين الله تعالى شأنُه إنزال التوراة ثمَّ الإنجيل على بني إسرائيل، وما أودعه فيهما من هُدى ونور، وما حتَّم عليهم من إقامتهما، وما شدَّد عليهم من إثم ترك الحكم بهما، فناسب بعد ذلك أن يذكر إنزاله القرآن على خاتم النبيين والمرسلين، ومكانه من الكتب الَّتي قبله، وكون حكمته تعالى اقتضت تعدد الشرائع ومناهج الهداية؛ فتلك مقدمات ووسيلة، وهذا هو المقصد والنتيجة، قال: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، أي: وأنزلنا إليك الكتاب الكامل الَّذي أكملنا به الدين، فكان هو الجدير بأن ينصرف إليه معنى الكتاب الإلهي عند الإطلاق، وهو القرآن المجيد ـ هذه حكمة التعبير بالكتاب بعد التعبير عن كتاب موسى باسمه الخاصِّ (التوراة)، وعن كتاب عيسى باسمه الخاص (الإنجيل) ـ ومثل هذا إطلاق لفظ النَّبيّ حتَّى في كتبهم ـ وقوله: بالحق إلخ، معناه أنزلناه متلبسًا بالحق، مؤيدًا به، مشتملًا عليه، مقررًا له، بحيث لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، مصدقًا لما تقدمه من جنس الكتب الإلهيَّة كالتوراة والإنجيل؛ أي: ناطقًا بتصديق كونها من عند الله، وأن الرسل الَّذين جاؤوا بها لم يفتروها من عند أنفسهم.
وأما قوله: ومهيمنا عليه ـ أي على جنس الكتاب الإلهي ـ فمعناه أنه رقيب عليها وشهيد، بما بينه من حقيقة حالها، في أصل إنزالها، وما كان في شأن من خوطبوا بها، من نسيان حظ عظيم منها وإضاعته، وتحريف كثير ممَّا بقي منها وتأويله، والإعراض عن الحكم والعمل بها، فهو يحكم عليها لأنَّه جاء بعدها. روى ابن جرير عن ابن عبَّاس أنه قال: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ يعني أمينا عليه، يحكم على ما كان قبله من الكتب(10). وفي رواية عنه عند الفريابي وسعيد بن منصور والبيهقي ورواة التفسير المأثور قال: مؤتمنًا عليه(11). وفي رواية أخرى قال: شهيدًا على كل كتاب قبله(12) اهـ .
هل تكفي «لا إله إلَّا الله» وحدها؟
واعتمدت الكاتبة كذلك على الأحاديث الَّتي جعلت نجاة الإنسان وخلاصه في قول: «لا إله إلَّا الله» أي: في عدم الشرك، ولم تذكر شهادة أنَّ محمدًا رسول الله. وذكرت لنا جملة أحاديث صحاح وردت بذلك.
ولسنا ننكر صحَّة هذه الأحاديث، ولكننا ننكر ما فهمته منها، فهو فهم خاطئ لعدة أدلة:
أولها: أنَّ في مقابل هذه الأحاديث أحاديث صحاحًا جمَّة أخرى، تشترط الشهادتين للنجاة، وقد ذكرنا بعض هذه الأحاديث في موضع آخر. والأمانة العلمية تقتضي أن تذكر هذه الأحاديث بجانب تلك، لا أن تنتقي ما يفيد دعواها، وتغض الطرف عمَّا ينقضها.
وثانيها: أنَّ بعض هذه الأحاديث هو اختصار من الرواة في بعض الروايات، وفيها روايات أُخرى تذكر الشهادتين جميعًا، كما في حديث معاذ، في أن من قال: «لا إله إلَّا الله» دخل الجنَّة. أو حرَّمه الله على النَّار. أو نحو ذلك، جاء في بعض الروايات في صحيح البخاري بالشهادتين جميعًا، كما رواه في كتاب العلم أنه قال له: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، صادقًا من قلبه، إلَّا حرَّمه الله على النار». قال معاذ: يا رسولَ الله، أفلا أخبرُ به النَّاس فيستبشروا؟ قال: «إذن يتَّكلوا». وأخبر بها معاذ عند موته تأثُّمًا(13).
وثالثها: أنَّ العلماء بيَّنوا السرَّ في هذا الاختصار، فذكروا في حديث: «من قال: لا إله إلَّا الله؛ دخل الجنة». قالوا: والمراد: مع قوله: محمَّد رسول الله. لكن قد يُكتفَى بالجزء الأول من كلمتي الشهادة؛ لأنَّه صار شعارًا لمجموعهما(14).
ورابعها: أنَّ هذا الاقتصار على شهادة التوحيد (لا إله إلَّا الله) أو على ترك الشرك (من لقي الله لا يشرك به شيئًا) لا يفيد الكاتبة فيما تدعيه للمسيحيِّين، من صحَّة إيمانهم وأنَّهم من أهل التوحيد، أو أهل «لا إله إلَّا الله»؛ إذ إنَّ أهل هذه الكلمة هم أمَّة محمَّد وحدهم، أمَّا المسيحيُّون، فقد قال الله تعالى في شأنهم:﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًۭا ۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ[التوبة: 31].
نسبهم الله صراحة إلى الشرك، وإن لم يسمَّوا «المشركين» تمييزًا لهم عن عبدة الأوثان.
ولهذا كان يختم الرسول دعوته إلى ملوك النَّصارى وأمرائهم بالآية الكريمة:﴿قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًۭٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ[آل عمران: 64].
الإيمان بالرسل ركن أساسي في العقيدة:
ومن المسلَّمات البدهية في دين الإسلام، الَّتي اعتبرها ركنًا أساسيًّا من أركان الإيمان والعقيدة: الإيمان بالنبوَّة والوحي، والتصديق برسالات الله، وبرسله إلى خلقه، الَّذين بعثهم مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للنَّاسِ على الله حجة بعد الرسل.
فلا يصح إيمان مؤمن، ولا يدخل في دين الله، ولا يقبل في جماعة المؤمنين، ما لم يُؤمن بكل كتاب أُنزل، وبكل نبيّ أُرسل.
وهذا أمر في غاية الوضوح في كتاب الله وسنَّة رسوله، لا يرتاب فيه مسلم، ولا يتردد فيه عقل، ولا يتلجلج به لسان.
يقول تعالى مبينًا حقيقة البر وأركان الإيمان، ردًّا على اليهود الَّذين أثاروا ضجة حول تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة:﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ[البقرة: 177].
وقال سبحانه:﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ[البقرة: 285].
فذكر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله صراحة، وأشار إلى الإيمان باليوم الآخر بقوله:﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ.
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا[النساء: 136]. وقد أثارت الكاتبة شبهة حول هذه الآية، ونقلت ـ لأول مرة ولآخر مرة ـ كلامًا عن بعض المفسرين، وأن المراد بالخطاب فيها المسلمون، فهم الَّذين آمنوا حقًّا. وأنا أسلِّم بهذا، ولكن أين هي من دلالة قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ ...، فهذه تعم الجميع مسلمين وغير مسلمين؛ لأن لفظة «من» من ألفاظ العموم، كما هو معلوم.
ويقول تعالى:﴿سَابِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ[الحديد: 21].
وفي السنَّة في حديث جبريل المشهور، عندما سأله عن الإيمان قال: «الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر»(15).
وإنَّما لم يذكر القرآن الإيمان بالقدر؛ لأنَّه من جملة الإيمان بالله تعالى، فهو إيمان بمقتضى الكمال الإلهي، وأنَّه علم كل شيء وأراده قبل أن يقع،﴿وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ[الأنعام: 59].
المهمُّ أنَّ الإيمان بالرسل لا ريب فيه، ولا خلاف عليه، ولهذا ورد أن النَّاس يوم القيامة، يسألون سؤالين رئيسين:
أولهما: ماذا كنتم تعبدون؟
والثاني: بماذا أجبتم المرسلين؟
ويقول تعالى:﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ ٦٥ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَنۢبَآءُ يَوْمَئِذٍۢ فَهُمْ لَا يَتَسَآءَلُونَ[القصص: 65، 66].
ولقد ردَّ القرآن على المكذِّبين، الَّذين استبعدوا أن يرسل الله إليهم رسولًا، يبشِّرهم وينذرهم، ويهديهم إلى صراط مستقيم.
قال تعالى على لسان نوح 0 : :﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا۟ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[الأعراف: 63].
وقال 8 على لسان هود 0 : : ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَـٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ❁ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ❁ أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّـهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 67 ـ 69].
وقال تعالى في شأن خاتم رسله محمد:﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ[يونس: 2].
وقد بيَّن علماء المسلمين قديمًا وحديثًا حاجة البشر إلى الوحي والرسالة، ومن أروع ما كتب عن ذلك في العصر الحديث: ما كتبه الإمام محمَّد عبده في «رسالة التوحيد».
المهمُّ أنَّ الإيمان برسل الله جميعًا: عقيدة إسلاميَّة أساسية، ومن كذَّب رسولًا واحدًا من رسل الله حقًّا، فكأنَّما كذَّب المرسلين جميعًا.
وهذا ما يُقرِّره القرآن حينما قال في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ[الآية: 105]، وهم لم يكذبوا إلَّا نوحًا؛ ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ[الآية: 123]، وهم لم يكذبوا إلَّا هودًا؛ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ[الآية: 141]، وهم لم يكذبوا إلَّا صالحًا، وكذلك قال عن قوم لوطٍ وقوم شعيب، وإنَّما نسب إليهم تكذيب المرسلين؛ لأنَّهم كذَّبوا واحدًا منهم، فكأنَّهم جحدوا مبدأ الرسالة نفسه.
فمن زعم أنه آمن بالله تعالى، ولكنَّه كذَّب رسله أو واحدًا منهم؛ ممَّن ثبتت رسالته، فهو كاذب في دعوى الإيمان؛ إذ الإيمان الحق: ما جاء على لسان الرسول الصادق المؤيد بالآيات، ومن قال: أومن بواحد أو بمجموعة، ولا أومن بغيره أو بغيرهم؛ ممَّن هو مثلهم أو أعلى منهم، فهو كاذب في دعوى إيمانه، بل القرآن يقول عن مثله إنه الكافر حقًّا.
اقرأ معي قول الله تعالى:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍۢ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍۢ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا۟ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ حَقًّۭا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَٰفِرِينَ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا[النساء: 150، 151].
وهاتان الآيتان نزلتا في شأن اليهود والنَّصارى، فاليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد، والنَّصارى آمنوا بموسى وعيسى وكفروا بمحمد. والمسلمون وحدهم هم الَّذين آمنوا بالجميع، وبكل نبيٍّ أرسله الله، وبكل كتاب أنزله الله؛ كما قال تعالى:﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمْ يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ أُو۟لَٰٓئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا[النساء: 152].
رسالة محمَّد للعالمين، ومنهم اليهود والنَّصارى:
ومما لا ريب فيه، ولا خلاف عليه، وهو من بدهيات الإسلام المعروفة للجميع: أن رسالة محمَّد رسالة للعالم كله، وليست رسالة للعرب وحدهم، الَّذين بُعث منهم، ونشأ فيهم، واليهود والنَّصارى جزء من هذا العالم الَّذي بُعث محمَّد ليهديه من الضلالة، ويخرجه من الظلمات إلى النور.
وهذا أمر مقطوع به، ومن ضروريات دين الإسلام، والأدلَّة عليه أكثر من أن تحصى.
ونحن نتبرع بذكر بعض الدلائل على ذلك.
يقول تعالى مخاطبًا رسوله:﴿وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةًۭ لِّلْعَٰلَمِينَ[الأنبياء: 107].
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةًۭ لِّلنَّاسِ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا[سبأ: 28].
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا[الأعراف: 158].
﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَٰلَمِينَ نَذِيرًا[الفرقان: 1].
وفي أكثر من سورة جاء عن القرآن: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَٰلَمِينَ[ص: 87]. وجاء في ثلاث آيات من القرآن قوله تعالى:﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ[التوبة: 33، الفتح: 28، الصف: 9]. ومعنى هذا غلبة الإسلام على كل الأديان ومنها دين أهل الكتاب.
وأكثر من ذلك تصريح القرآن بإرسال محمَّد إلى أهل الكتاب خاصة، وإعلان هذه الحقيقة واضحة بارزة للعيان، يقول تعالى:﴿يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍۢ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍۢ وَلَا نَذِيرٍۢ ۖ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌۭ وَنَذِيرٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ[المائدة: 19].
﴿يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَٰبٌۭ مُّبِينٌۭ ١٥ يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍ[المائدة: 15، 16].
وتتوالى آيات القرآن الكريم تدعو أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى إلى الإيمان برسالة محمَّد ، وبما أنزل الله عليه من الكتاب، مصدقًا لما بين يديه من الكتب، ومهيمنًا عليها، أي مصححًا لها ومتمِّمًا، وتحذرهم من التخلف عن هذا الإيمان.
يقول الله تعالى لبني إسرائيل: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ❁ وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ❁ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 40، 42].
فهنا يأمرهم الله تعالى أن يؤمنوا بما أنزل الله من القرآن مصدقًا لما معهم، ولا يكونوا أوَّل الكافرين به.
ويقول تعالى مندِّدًا بموقف اليهود من القرآن:﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَهُمْ[البقرة: 91].
وقال تعالى مبينًا موقف بني إسرائيل من رسل الله: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ ۖ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًۭا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًۭا تَقْتُلُونَ ٨٧ وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًۭا مَّا يُؤْمِنُونَ ٨٨ وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَٰبٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ ٨٩ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍۢ ۚ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌۭ مُّهِينٌ[البقرة: 87 ـ 90]. فقد كان اليهود قبل البعثة المحمدية إذا تقاتلوا مع العرب يقولون لهم: قد قرب مبعث رسول من عند الله، سنؤمن به، ونقاتلكم معه، وننتصر عليكم.
ويقول تعالى:﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍۢ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلْفَٰسِقُونَ ٩٩ أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُوا۟ عَهْدًۭا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌۭ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٠٠ وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌۭ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌۭ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ[البقرة: 99 ـ 101].
وفي سورة النساء يوجه الله 4 نداء صريحًا إلى أهل الكتاب أن يؤمنوا بما أنزل الله على محمد، ويهددهم بالمسخ واللعن إن لم يفعلوا. يقول تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًۭا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا[النساء: 47]. وهذا نص واضح كالشمس في رابعة النهار.
ومن أجل ذلك أرسل النَّبيّ رسله إلى ملوك أهل الكتاب من النَّصارى يحملون رسائله إليهم، يدعوهم فيها إلى الإسلام، وترك ما هم فيه من الكفر والضلال، فكما أرسل إلى كسرى ملك فارس، ورئيس المجوس الَّذين يعبدون النَّار، أرسل إلى قيصر ملك الروم ـ وهو المعروف باسم «هرقل» ـ وكذلك أرسل إلى النجاشي ملك الحبشة، وإلى المقوقس والي مصر من قبل الدولة الرومية، وإلى أمراء في بلاد الشام، وكلهم من أهل الكتاب من النَّصارى، يدعوهم أن يُسلموا ليسلموا، ويؤتيهم الله أجرهم مرتين: مرة على دينهم قبل أن تبلغهم دعوة الإسلام، ومرة بدخولهم في دين الإسلام، ثمَّ كان يختم رسائله إليهم بهذه الآية من سورة آل عمران:﴿قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًۭٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ[الآية: 64].
وهذه الآية تشير بوضوح إلى أن هؤلاء النَّصارى قد خلطوا توحيدهم بالشرك بالله، واتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، فانحرفوا عن الصراط المستقيم لملة إبراهيم الحنيفية. وهذا واضح بيّن ممَّا سجله القرآن عليهم من قولهم: إن الله ثالث ثلاثة، إن الله هو المسيح ابن مريم، وإن المسيح ابن الله، ويقول تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًۭا ۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31].
دلائل أخرى على كفر أهل الكتاب:
ومن الدلائل الأخرى على كفر أهل الكتاب قوله تعالى:﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ[البقرة: 120].
وهذا يدلُّ على أن لهم مِلَّة أخرى غير ملَّة الإسلام الَّتي هي ملَّة إبراهيم حنيفًا، وهي الَّتي قال الله لرسوله في شأنها:﴿قُلْ إِنَّنِى هَدَىٰنِى رَبِّىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ دِينًۭا قِيَمًۭا مِّلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًۭا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ[الأنعام: 161].
وقال جل شأنه:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌۭ ۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍۢ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَٰدِمِينَ[المائدة: 51، 52].
ومعلوم أنَّ الله لا ينهى عن اتخاذ المؤمنين أولياء، إنَّما ينهى عن اتخاذ الكفَّار أولياء من دون المؤمنين، كما قال تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًا[النساء: 144].
﴿بَشِّرِ ٱلْمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ١٣٨ ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا[النساء: 138، 139].
وفي السياق نفسه الَّذي نهى فيه عن اتخاذ اليهود والنَّصارى أولياء، يقول تعالى لرسوله:﴿قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَٰسِقُونَ ٥٩ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٦٠ وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ[المائدة: 59 ـ 61].
ويقول سبحانه:﴿قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ[المائدة: 68].
بيَّن الله سبحانه أنَّ أهل الكتاب ليسوا على شيء من الدين، حتَّى يقيموا التوراة والإنجيل، وما أُنزل إليهم من ربهم، أي: القرآن العظيم.
الإيمان لا يتجزأ:
بل الإيمان يوجب على كل مؤمن أن يأخذ بدينه كله، ولا يرفض شيئًا أساسيًّا مقطوعًا به من دينه، وإلا فهو مرتد عن دينه، مارق منه، كما يمْرُق السهم من الرَّمِيَّة. وقد عاب القرآن على بني إسرائيل إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض، حين انتقدهم بشدَّة، موبِّخًا لهم على أخذهم من الدين ما يروق لهم، وإعراضهم عمَّا لا يحلو لهم، فأصبحوا هم الَّذين يتحكمون في الدين، وليس الدين هو الَّذي يحكمهم ويضبط مسيرتهم.
يقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ❁ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: 85، 86].
وعلى هذا الأساس، لو أن المسلم أنكر آية واحدة من القرآن الكريم، أو سورة قصيرة من سوره مثل: الإخلاص، أو العصر، أو الكوثر، أو إحدى المعوذتين، فإنَّه يكون كافرًا مرتدًّا، والعياذ بالله، ولو أنكر حكمًا واحدًا من أحكام الإسلام القطعية، المعلومة من الدين بالضرورة، لكان كافرًا مرتدًّا.
لهذا نكفِّر اليهود والنَّصارى:
فاليهود والنَّصارى كُفَّار في اعتقاد المسلمين؛ لأنَّهم لم يؤمنوا برسالة محمد، الَّذي أُرسل إلى النَّاس كافة، وإليهم خاصة، كما ذكرنا في الآيات الصريحة البينة:﴿يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍۢ مِّنَ ٱلرُّسُلِ[المائدة: 19].
وقد آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، فهم بنص القرآن الصريح:﴿هُمُ ٱلْكَٰفِرُونَ حَقًّۭا[النساء: 151].
وهم لم يكتفوا بالكفر برسالة محمد، والإعراض عنها، بل كادوا له، ومكروا به، وصدوا عن سبيله. كما قال تعالى:﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ[التوبة: 32].
واليهود والنَّصارى كفار؛ لأنَّهم قالوا على الله بغير علم، وشوهوا حقيقة الألوهيَّة في كتبهم، ووصفوا الله بما لا يليق بجلاله وكماله، ونسبوا إليه نقص البشر، وعجز البشر، وجهل البشر، وهذا ثابت في «أسفار التوراة» الَّتي يؤمن بها اليهود والنَّصارى جميعًا، فكلُّ ما يؤمن به اليهود في شأن الألوهيَّة والنبوَّة يؤمن به النَّصارى؛ لأنَّ التوراة المحرفة الموجودة الآن في أيديهم «كتاب مقدس» عند الطائفتين جميعًا.
ويزيد النَّصارى على اليهود ما انفردوا به في شأن المسيح؛ حيث اعتبروه إلها، أو ابن إله أو واحدًا من ثلاثة أقانيم تكوِّن «الإله».
هذا وقد قرَّر القرآن بوضوح بيِّن، وبيان واضح: أنَّه كفر. كما قال تعالى في سورة المائدة، وهي من أواخر ما نزل من القرآن: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ في آيتين من السورة[المائدة: 17، 72]، ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ[المائدة: 73].
وفي سورة التوبة ـ وهي من أواخر ما نزل أيضًا ـ جاء قوله تعالى:﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ ۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ٣٠ ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓا۟ إِلَّا لِيَعْبُدُوٓا۟ إِلَٰهًۭا وَٰحِدًۭا ۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشْرِكُونَ[التوبة: 30، 31].
النَّصارى أبعد عن ملَّة إبراهيم من اليهود:
وأحبُّ أن أنبِّه بعض الإخوة الَّذين يدافعون عن النَّصارى، أو عن المسيحيِّين كما يحبون أن يسموا أنفسهم اليوم، ويريدون أن يضفوا عليهم صفة الإيمان، ويدخلوهم في زمرة المؤمنين بإطلاق، في حين لا يصنعون ذلك مع اليهود.
وربَّما ضللهم عن الحقيقة سوء فهمهم لقوله تعالى:﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰ[المائدة: 82].
فقد فهموا من شدة عداوة اليهود للذين آمنوا وهم المسلمون، وقرب مودة النَّصارى لهم: أن اليهود أبعد عن ملَّة إبراهيم، وأعرق في الكفر من النَّصارى، مع أنه لا تلازم بين الأمرين.
فالواقع أنَّ اليهود ـ وإن وقعوا في التشبيه والتجسيم ـ لم يؤلهوا موسى، كما ألّه النَّصارى عيسى، ولم يقعوا في التثليث، الَّذي سقط فيه المسيحيون.
وفي الشريعة: وجدنا اليهود يختنون أبناءهم، كما هي سُنَّة إبراهيم، أمَّا النَّصارى فلا يختنون.
ووجدنا اليهود يذبحون ما يأكلون من الحيوانات والطيور، في حين لا يذبح النَّصارى، فقد قال لهم بولس: كل شيء طاهر للطاهرين.
واليهود يحرمون أكل الخنزير، والنَّصارى يبيحون الخنزير.
واليهود يحرمون التماثيل، والنَّصارى يجيزون التماثيل للمسيح الَّذي هو إله حق من إله حق، وللأنبياء والقديسين، ولذلك امتلأت كنائسهم بالصور والتماثيل.
تعبير أهل الكتاب لا يدلُّ على الإيمان:
وتسمية القرآن اليهود والنَّصارى بـ «أهل الكتاب» لا يعني أنَّهم مؤمنون، بل يعني أنَّهم في الأصل أهل دين سماوي، فلهم مزية على غيرهم، ونحن نعلم أن القرآن استخدم في التعبير عن اليهود والنَّصارى عدَّة صيغ، بعضها صيغة مدح، وبعضها صيغة ذم، وبعضها يحتمل الأمرين. وهذا قد عُرف بالتتبع والاستقراء.
الصيغة الأولى: صيغة «الذين آتيناهم الكتاب»، فهذه صيغة مدح في القرآن.
والصيغة الثانية: صيغة «الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب»، فهذه صيغة ذم حيثما ذكرت في القرآن.
والصيغة الثالثة: صيغة «أهل الكتاب»، أو «الذين أوتوا الكتاب»، فهذه تذكر في موضع المدح حينًا، وفي موضع الذمِّ حينًا آخر.
ولا بأس بذكر ما يدلُّ على ذلك من كتاب الله تعالى.
ففي الصيغة الأولى: نجد قوله تعالى:﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ[البقرة: 121]. فالمقصود بهؤلاء: من هداهم الله إلى الإيمان بمحمد ورسالته وكتابه.
ومثل ذلك قوله تعالى:﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤْمِنُونَ ٥٢ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِۦ مُسْلِمِينَ[القصص: 52، 53].
وقوله تعالى:﴿وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌۭ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ[الأنعام: 114].
وقوله تعالى:﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ[العنكبوت: 47]. إلى غير ذلك من الآيات.
وفي الصيغة الثانية: نجد قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ٢٣ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَٰتٍۢ ۖ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ[آل عمران: 23، 24]. وواضح أن المراد بهم اليهود، فهم الَّذين قالوا هذا القول.
وفي سورة النساء:﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا ٥١ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا[النساء: 51، 52]. وواضح أيضًا أن المراد بهم اليهود، كما دلَّ السياق، ودلت أسباب النـزول، حين قال مشركو مكة الوثنيون لليهود: أنحن أهدى أم محمد؟ فقالوا: بل أنتم.
وفي الصيغة الثالثة: نجد في المدح قوله تعالى:﴿لَيْسُوا۟ سَوَآءًۭ ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌۭ قَآئِمَةٌۭ يَتْلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ١١٣ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ[آل عمران: 113، 114].
ولكن المدح ـ كما هو واضح ـ لجماعة منهم.
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ[آل عمران: 199]. والمدح أيضًا لجماعة منهم، هم الَّذين آمنوا بالكتابيْن.
وفي الذم نجد قوله تعالى:﴿مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ[البقرة: 105].
﴿وَدَّ كَثِيرٌۭ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًۭا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ[البقرة: 109].
﴿يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ٧٠ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ[آل عمران: 70، 71].
﴿قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ ٩٨ قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًۭا وَأَنتُمْ شُهَدَآءُ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ[آل عمران: 98، 99].
وسورة آل عمران جاء نصفها الأول في محاجة أهل الكتاب، وخصوصًا النَّصارى، بعد زيارة وفد نصارى نجران للرسول ، وقد أكرم وفادتهم، وأحسن معاملتهم، حتَّى فرش لهم عباءته، وأدخلهم مسجده، وأذن لهم أن يصلوا فيه. ولكنَّه لم يحكم عليهم بأنَّهم مؤمنون، بل نزلت الآيات تفند شبهاتهم، وتقيم عليهم الحجة البالغة، وتبين بطلان دعاويهم في ألوهيَّة المسيح أو بنوته لله، وجاء في ذلك قوله تعالى في السورة:﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٥٩ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ٦٠ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ[آل عمران: 59 ـ 61]،﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِٱلْمُفْسِدِينَ ٦٣ قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًۭٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٦٤ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوْرَىٰةُ وَٱلْإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ[آل عمران: 63 ـ 65].
وفي السورة: ﴿وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍۢ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍۢ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًۭا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا۟ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٌۭ[الآية: 75]. وسورة آل عمران أكثر سورة ذكرت فيها كلمة:﴿أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ.
وأطفال المسلمين يحفظون من قصار السور: سورة «البيِّنة» وفيها يقول الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ ١ رَسُولٌ مِّنَ اللَّـهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً[البينة: 1 ـ 2]، وفيها أيضًا:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ[البينة: 6].
نبهت الآيتان هنا، وما شابههما بأنَّ هناك كفَّارًا من أهل الكتاب، وكفَّارًا من المشركين، وكلاهما من أهل الكفر.
ونجد نحو ذلك في صيغة:﴿ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ، فبعضها فيه مدح، مثل:﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ[البقرة: 144].
وبعضها يحمل الذم، مثل:﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍۢ مَّا تَبِعُوا۟ قِبْلَتَكَ، وفيها:﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ[البقرة: 145].
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تُطِيعُوا۟ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَٰنِكُمْ كَٰفِرِينَ[آل عمران: 100].
﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ[آل عمران: 187].
﴿قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ[التوبة: 29].
خليط من الأغلاط والأوهام:
تقول الكاتبة: لقد كلَّف الله المؤمنين من أمَّة محمَّد بالإيمان بالشرائع الَّتي أوحيت إلى الإنسانية من قبل القرآن الكريم، لدخول ذلك ضمن دائرة استطاعتهم، انطلاقًا من كون القرآن ركز فيما يقارب ثلثيه على قصص الأنبياء والرسل السابقين، خصوصًا قصص إبراهيم وموسى وعيسى 1 ، والكتاب الحق الَّذي نزل إليهم، والتوراة والإنجيل.
أمَّا المؤمنون أصحاب الشرائع السابقة، فمن المنطق ألَّا يكلفهم تعالى الإيمان بما أنزل إلى الإنسانية من شرعة بعد شرعتهم، أي بشرعة القرآن الكريم، حيث يكون ذلك خارج دائرة استطاعتهم، انطلاقًا من كون قصص القرآن كلها وأحكامه، لم تذكر في كتبهم المقدسة، وما ذكر فيها سوى بشارة ببعثة الرسول الكريم أحمد ، إلخ.
أقول: هذا الكلام يشتمل على أغلاط وأوهام كثيرة، التبس على صاحبه فيه الحق بالباطل، والهدى بالضلال؛ نحاول إجمالها فيما يلي:
أولًا: كأنَّ الكاتبة تظنُّ أنَّ أمَّة محمَّد هم العرب أو الوثنيون منهم، ناسية أنَّ أمَّة محمَّد هم العالم كله، هم أمَّة الدعوة، والله تعالى يقول:﴿قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا[الأعراف: 158].
ثانيًا: ترى الكاتبة أنَّ الإيمان بما أنزل الله من كتب وما بعث من رسل، يخرج عن دائرة استطاعة البشر، وهي دعوى لا تستند إلى أي منطق ديني أو عقلي، أي صعوبة في أن يعتقد المرء أن الله لم يدع عباده هملًا، ولم يتركهم سُدًى، وإنَّما بعث إليهم رسله مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكموا بين النَّاس فيما اختلفوا فيه. هذا هو المطلوب من المكلفين أن يؤمنوا به، فهل في هذا صعوبة، بله الاستحالة؟!
إنَّ المهمَّ هنا هو الإيمان بالمبدأ، أمَّا أسماء الرسل، فيؤمن بما جاء به الوحي المعصوم منهم. وأما الإيمان برسالة محمَّد ، فهو إيمان برسالة قامت البراهين الناصعة على صدقها، وأقرب النَّاس إلى تصديقها هم أهل الكتاب، فقد جاء محمَّد مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، وفي هذه الكتب السابقة من البشائر والإشارات ما يجعل تصديقه أمرًا قريبًا ومعقولًا جدًّا؛ لأنَّه سيجد دينه وقد صُفِّي وهُذِّبَ وتُمِّمَ، فكيف يعرض عنه؟!
فإذا كان الوثني والمجوسي والملحد، مطالبًا بالإيمان بمحمد، فأولى بذلك أهل الكتاب، وقد قال تعالى:﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ[العنكبوت: 47].
﴿وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌۭ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ[الأنعام: 114].
ثالثًا: إنَّ الإيمان حقيقة واحدة لا تتغير بتغير العصور؛ لأنه يتضمن الاعتقاد الجازم بحقائق ثابتة عن الله تعالى، وعن الكون المخلوق الَّذي نعيش فيه، وعن الإنسان المستخلف من الله في هذا الكون، وعن مصيره، وعن رسالته، وعلاقته بخالقه وبنفسه، وبما حوله ومن حوله.
وهذه حقائق لا تكذب ولا تتطور، فالمفروض أن يطالب المؤمنون في كل عصر بالإيمان بهذه الحقائق.
رابعًا: كيف يكون من المنطقي ألَّا يكلِّف أصحاب الكتب والشرائع السابقة اتباع شرعة القرآن، والله تعالى لم يتكفل بحفظ كتبهم، بل استحفظها أهلها، ولهذا حرفت تلك الكتب وبدلت، وذلك لأن هذه الشرائع كانت محدودة في المكان وفي الزمان، فكل هؤلاء الرسل بُعثوا إلى أقوامهم، لا إلى النَّاس كافة، وبُعثوا لهم في فترة معيَّنة، لا برسالة خاتمة ولا خالدة، بل كل منهم بَشَّر بنبي يأتي بعده.
استدلال بما يدلّ على عكسه:
تقول الكاتبة: إنَّ القرآن يدعو كل أمَّة للعمل بما جاء في شرعتها من مبادئ وأحكام وفرائض، إن كانت راغبة عن شرعة القرآن الكريم.
وكأنَّها تعتبر العمل بشرعة القرآن أمرًا تطوعيًّا أو اختياريًّا، وقد استدلَّت على دعواها بما ينقضها، لا بما يؤيِّدها. فذكرت قول الله تعالى لرسوله:﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةًۭ وَمِنْهَاجًۭا[المائدة: 48].
أ ـ فهذه الآية تقرر أن القرآن مهيمن على ما سبقه من الكتب، فهو يحكمها ولا تحكمه، وهو الَّذي يصحح ما دخلها من أغلاط البشر، وأهواء البشر.
ب ـ ثمَّ هي تأمر النَّبيّ أن يحكم بينهم بما أنزل الله، أي بحكم القرآن الَّذي حفظه الله من التحريف والتبديل.
ج ـ وهي بعد ذلك تحذره من أن يتبع أهواءهم، ويدع هدى الله سبحانه.
د ـ وقد أكد هذه الآية آيتان تاليتان بعدها تقول:﴿وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩ أَفَحُكْمَ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًۭا لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ[المائدة: 49، 50].
وتستدل الكاتبة أيضًا على دعواها بقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 68]. تقول: تطلب الآية من أهل الكتاب إقامة التوراة والإنجيل، وألا يزيدوا على أحكامها، أي الحكم بما جاء إليهم فيهما، إن كانوا راغبين عن اتباع شرعة القرآن الكريم الَّتي أنزلت على محمَّد  .
وأقول متعجِّبًا: كيف أغفلت الكاتبة هذه الفقرة الواضحة في الآية، وهي قوله تعالى: بعد التوراة والإنجيل: ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ، أي القرآن الكريم، فليسوا على شيء من الدين يعتد به إذا لم يقيموا ما بقي من أحكام التوراة والإنجيل وما أنزل الله من أحكام القرآن مصدِّقًا ومصححًا ومتمِّمًا.
ولا يقال: كيف يكون القرآن منزلًا إليهم، وإنَّما أنزل إلى أمَّة محمَّد؟ ونقول: هم من أمَّة محمَّد ، أعني: أمَّة الدعوة، لا أمَّة الإجابة، كما هو معروف عند علماء المسلمين من قديم؛ لأن محمدًا مبعوث إلى النَّاس كافة، وهم منهم، فهم مخاطبون بقوله تعالى:﴿ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ[الأعراف: 3].
فهذه آيات محكمات صريحات الدلالة، لا يجوز أن تعرض عنها، وتتعلق بآيات متشابهات، معروف عند أهل العلم المراد منها. مثل قوله تعالى:﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ[المائدة: 43].
المسيحيون والتثليث:
تريد الكاتبة: أن تُبرّئ المسيحيِّين من تأليه المسيح، ومما هو معروف عندهم من عقيدة التثليث، والقول بأنَّ المسيح ابن الله، وتدلِّل على ذلك بثلاثة أدلة:
1 ـ قول الوصية الأولى من الوصايا العشر: «أنا هو الرب إلهك، لا يكن لك إله غيري»(16).
وهذه حجَّة عليهم لا حجة لهم؛ لأنَّهم تركوها وراءهم ظهريا، واتخذوا آلهة أخرى من خلقه.
2 ـ تقول: إذا كان المسيحيون يصفون السيد المسيح بـ «ابن الله» فإنَّهم يصفون المؤمنين جميعًا بأبناء الله، كما في قول إنجيل متَّى (5: 9): «طوبى لصانعي السلام؛ لأنَّهم أبناء الله يدعون» ونحن نقرُّ هذا، ولكنهم لا يعترفون بأن المسيح كسائر النَّاس، إنَّه «الربُّ» إنَّه إله الحق من إله حق. ومن المصطلحات المعروفة المكرورة عندهم: الإله الأبُ، والإله الابن.
فهل تكون الكاتبة مَلَكيَّة أكثر من الملك، أو تقوِّل المسيحيِّين ما لا يقولونه؟
تحريف الإنجيل وتبعة المسيحيِّين المعاصرين:
3 ـ تقول الكاتبة: إذا سلمنا جدلًا أنَّ الأناجيل محرَّفة، فإنَّه يمتنع على عدل الله المطلق أن يعاقب المسيحي اليوم بما اقترف آباؤه وأجداده من تحريف للكتب في قديم الزمان. حيث لا تزر وازرة وزرة أخرى.
وأنا أعجب من قول الكاتبة: إذا سلمنا جدلًا! كأنَّها تنكر ذلك، وقد أثبت المسلمون من قرون مضت تحريف التوراة والإنجيل، وكذلك في العصر الحديث، كما يتجلى ذلك في الكتاب العلمي القيم «إظهار الحقِّ» للشيخ رحمة الله الهندي، وكما وضح ذلك في مناظرات وكتابات الشيخ أحمد ديدات، كما أنَّ الباحثين المحايدين من الغربيِّين أنفسهم قد كتبوا في ذلك كتابات لها وزنها.
ويكفي أنَّ الإنجيل الَّذي أنزل الله على عيسى لا يوجد الآن، إنَّما توجد سير له مشتملة على بعض مواعظه، كتبها بعض تلاميذه أو تلاميذ تلاميذه، أعني الأناجيل الأربعة المعروفة حاليًّا، والمعرفة بأسماء مؤلفيها: متَّى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا. والَّتي لا توجد نسخها بلغتها الأولى الَّتي كتبت بها، إنَّما توجد ترجمات لها، وهذه الأربعة اختيرت من بين سبعين إنجيلًا، وأحرقت الأخرى.
على كل حال لندع ذلك، ولنبحث في عدل الله في تحميل المسيحي وزر آبائه الَّذين حرَّفوا الكلم عن مواضعه، أقول: هذا بالمنطق المسيحي مقبول. فهم يحمّلون البشرية جمعاء وزر معصية أبيهم الأول آدم ـ حين أكل من الشجرة ـ مع أن هذا حدث منذ ألوف السنين الَّتي لا يعلمها إلَّا الله، ولا شهدها هو ولا آباؤه. ولا أجداده. ومع هذا قال المسيحيون: إن كل آدمي يولد وفي عنقه خطيئة أبيه آدم!
أما بمنطق الإسلام فلا يحمل أحد وزر غيره؛ إلَّا أن يرضى عن ذنبه، أو يتبناه، أو يدافع عنه، أو يستمر في طريقه، ففي هذه الحالة يتحمل وزر نفسه، وإن كان امتدادًا لعمل غيره ممَّن سبقه. وعلى ضوء هذا نجد القرآن يخاطب بني إسرائيل في أيام الرسول، ويحملهم آثام أجدادهم، ويخاطبهم كأنَّهم هم الَّذين اقترفوها؛ لأنَّهم رضوها، بل مضوا على سنة آبائهم، وافتخروا بهم، وعظموهم، فكان لا بدَّ أن يبوؤوا بإثمهم. يقول تعالى: ﴿وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾، إلى قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّـهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة: 51 ـ 55].
إلى آخر الآيات الَّتي تحملهم جرم آبائهم؛ لأنَّهم على آثارهم مقتدون.
موقف الإسلام من أهل الكتاب والمشركين:
تقول الكاتبة: عندما يصدر الفقه الإسلامي حكما عاما بالكفر أو بالشرك بالله على أهل الكتاب جميعًا، فإن هذا يجعلهم في مرتبة واحدة مع الكفَّار والمشركين، حيث لا ينفع في دين الإسلام منح منزلة خاصَّة لأمَّةٍ ما، مع فساد عقيدتها. ممَّا يعطي التبرير الكافي لأعمال التشدد والعنف، والاقتتال الطائفي ضد إخواننا المسيحيِّين، حيث يطبق عليهم قصار النظر من المسلمين قوله تعالى:﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۢ ۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ ...[التوبة: 5].
ونقول للكاتبة: ليس علماء الفقه الإسلامي هم الَّذين أصدروا هذا الحكم على أهل الكتاب بالكفر، بل أصدره الله سبحانه في آيات كتابه، وعلى لسان رسوله ، ولهذا أجمع عليه علماء الفقه، وعلماء التوحيد، وعلماء التفسير، وعلماء الحديث، وكل علماء الأمَّة في شتَّى الاختصاصات.
وقد ترتَّب على هذا الحكم الأصلي فروع كثيرة، كما في الميراث؛ حيث لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، فلا يرث اليهودي والنصراني من المسلم، ولا العكس، وكذلك في الشهادة وفي الجنايات «لا يُقتل مسلمٌ بكافر» كما أخذ بظاهره جمهور الفقهاء، وغيرها.
وهذا لا يعني أنَّهم في مرتبة واحدة مع «المشركين»، الَّذين ذكرهم القرآن وعنى بهم «الوثنيين» من العرب وأمثالهم، وهم الَّذين نزلت فيهم آية سورة التوبة:﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ ...[التوبة: 5] الآية.
فإنَّ القرآن حرَّم نكاح المشركات، وأجاز نكاح الكتابيَّات، وهذه قمة في التسامح مع المخالفين في العقيدة، لم يرق إليها دين من الأديان.
كما أمر القرآن بجدالهم بالَّتي هي أحسن، كما قال تعالى:﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ[العنكبوت: 46].
ثمَّ إنَّ الكفَّار ـ حتَّى المشركين منهم ـ ليسوا في موقف واحد مع الإسلام، فمنهم المسالمون، ومنهم المحاربون. وحسب موقفهم من الإسلام والمسلمين، يتحدد موقف الإسلام منهم. وهذا قد وضحته آيتان في كتاب الله تعالى، تعتبران بمثابة الدستور في معاملة غير المسلمين، يقول تبارك وتعالى:﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٨ إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ وَظَٰهَرُوا۟ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ[الممتحنة: 8، 9].
قد بيَّن الله تعالى هنا أنه لم ينهَ عن البر بالمخالفين في الدين وإقامة القسط ـ وهو العدل ـ معهم، وإن كانوا مشركين، كالذين نزلت فيهم آيتا سورة الممتحنة. وقد استخدم القرآن لفظة «البِرِّ» وهي الكلمة الَّتي تُستخدم في أعظم الحقوق بعد حق الله، وهو حق الوالدين، فيقال: بر الوالدين. وهذا يرد على قول الكاتبة: لا ينفع في دين الإسلام منح منزلةٍ خاصَّة لأمَّةٍ ما، مع فساد عقيدتها.
وسيأتي مزيد بيان لأسس التسامح الإسلامي مع المخالفين، مع اعتقاد المسلم بطلان دينهم وفساد عقيدتهم.
وقد رأينا كثيرين من المسلمين تزوجوا مسيحيات وبقين على دينهن، وعشن في كرامة وقرة عين مع أزواجهم من المسلمين.
الفقه الإسلامي وإباحة الزواج بالكتابيات:
تقول الكاتبة: يواجه الفقه الإسلامي إشكالية حقيقية، حين يعتبر اليهود والنَّصارى كفارًا أو مشركين بالله على وجه العموم، في الوقت الَّذي يبيح فيه زواج المسلم من نسائهم؛ إذ كيف يصح هذا مع تحريم زواج المسلمين من الكفَّار والمشركين والمشركات في قوله تعالى:﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌۭ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكَةٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا۟ ۚ وَلَعَبْدٌۭ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ۗ أُو۟لَٰٓئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ۖ وَٱللَّهُ يَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِۦ ۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ[البقرة: 221].
ونقول للكاتبة: إنَّ الفقه لم يواجه أي إشكالية فيما ذكرت. فالقرآن حرَّم زواج «المشركات» ولم يحرم زواج الكتابيات وإن كن كافرات. ولو رجعت الكاتبة إلى القرآن ذاته لوجدته يعبِّر عن «عُبَّاد الأوثان» بالمشركين والمشركات، أو الَّذين أشركوا، وهذا واضح في مثل قوله تعالى:﴿مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ[البقرة: 105].
وقوله تعالى:﴿لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ[البينة: 1].
وقوله سبحانه:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ[البينة: 6].
فقد دلَّ عطف المشركين على الَّذين كفروا من أهل الكتاب: أن المشركين صنف آخر غيرهم؛ إذ العطف ـ كما هو معلوم ـ يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه.
وقال تعالى:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ[الحج: 17]. ذكرت الآية مع الَّذين آمنوا أصحاب الملل المختلفة، من اليهود والنَّصارى من أهل الكتاب، والمجوس عباد النَّار، والذين أشركوا عباد الأوثان. فدلت على أنَّ الَّذين أشركوا صنف آخر غير اليهود والنَّصارى.
وإباحة الإسلام زواج المسلم من كتابية ـ مع أنه يعتقد كفرها ـ يعتبر قمة في التسامح مع المخالفين، ونقلة نوعية في التعامل معهم، وهذا هو الرائع حقًّا: أن يتزوج المسلم من مسيحية، وإن كان يؤمن أن عقيدتها في التثليث وتأليه المسيح وغيرها: باطلة، وأن من اعتقدها فهو كافر، ومع هذا يتخذها شريكة حياته، وربة بيته، وأم أولاده، ويسكن إليها، ويكون بينهما مودة ورحمة، كما شرع الله 8 . ثمَّ يترتب على ذلك الزواج قرابة المصاهرة وآثارها، حيث يكون أهل الزوجة أحماء زوجها، وأبوها جد أولاده، وأمها جدتهم، وأخوها خالهم، وأختها خالتهم، وهؤلاء لهم حقوق ذوي القربى، وأولي الأرحام.
هذا ما عليه جماهير المسلمين منذ عهد الصحابة، ولم يخالف في ذلك إلَّا عبد الله بن عمر، الَّذي أنكر زواج المسيحية، واعتبرها مشركة، وقال: وأيُّ شرك أكبر من أن تقول: إن ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله(17)؟!
حقائق يجب التنبيه عليها:
وأود أن أنبِّه هنا على جملة حقائق قد يغفل عنها بعض النَّاس، وهي من الأهمية بمكان.
كفر أهل الكتاب ليس كفر إلحاد:
الأولى: أنَّ الكفر الَّذي ننسبه إلى أهل الكتاب ليس هو كفر الجحود بالألوهية، فكفرهم ليس كفر إلحاد، ككفر الشيوعيين، والماديين بصفة عامة، الَّذين ينكرون كل ما وراء الحس، وما وراء المادة، ولا يؤمنون بأي غيب. وذلك أنَّهم يؤمنون بالله في الجملة، أي وإن كان في إيمانهم به شوائب تنكرها العقيدة الإسلاميَّة. كما أنَّهم يؤمنون بالوحي والنبوَّة في الجملة أيضًا، وإن كفروا بنبوة محمَّد عليه الصَّلاة والسلام، وأساؤوا إلى صورة الأنبياء في كتبهم. وكذلك يؤمنون بالآخرة والجزاء الإلهي فيها، وإن دخل على هذه العقيدة ما دخل عليها ممَّا لا يوافق عليه الإسلام.
وهذا هو الَّذي جعل لأهل الكتاب منـزلة خاصَّة في الإسلام دون غيرهم من أصحاب الملل الوثنية والوضعية، وأجاز الإسلام مؤاكلتهم ومصاهرتهم، وهذه قمة في التسامح لم يصل إليها دين من الأديان.
ومن أجل هذا نزلت الآيات الأولى في سورة الروم تبين أن الروم ـ وهم نصارى ـ أقرب إلى المسلمين من الفرس، وهم مجوس يعبدون النَّار. فقال تعالى: مبشرًا المسلمين:﴿الٓمٓ ١ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ٢ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣ فِى بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍۢ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٤ بِنَصْرِ ٱللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ[الروم: 1 ـ 5].
ومن أجل ذلك رحبنا بالدعوة إلى الحوار بين الأديان الكتابية، لوجود أرضية مشتركة يمكن أن تجمع بينهم، وتجعل منهم كتلة ضد الإلحاد وضد الإباحية، والانسلاخ من الإيمان والفضائل.
مخاطبة اليهود والنَّصارى بأهل الكتاب:
الحقيقة الثانية: أنَّنا وإن قلنا: إنَّ اليهود والنَّصارى كفَّار بديننا، فلا يجوز أن نناديهم بـ «يا أيها الكفَّار» أو «الكافرون»؛ لأنَّ القرآن الكريم لم ينادِ أي طائفة من طوائف المشركين ولا غيرهم بوصف الشرك أو الكفر، بل يقول في نداء المشركين: «يا أيها الناس» أو «يا بني آدم» أو نحو ذلك.
كما ينادي اليهود والنَّصارى بهذا النداء الَّذي يقرِّب بين القلوب ولا يباعدها: «يا أهل الكتاب».
ولم يجئ في القرآن «يا أيها الَّذين كفروا» إلَّا في آية واحدة في سورة التحريم، حيث يُنادَى بها الكفَّار بعد دخولهم النَّار، والعياذ بالله، يقال لهم:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَعْتَذِرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ[التحريم: 7].
وجاءت آية واحدة تخاطب الرسول بقوله: ﴿قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْكَٰفِرُونَ ١ لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ[الكافرون: 1، 2]. وكان لها مناسبة أراد الله تعالى بها أن تكون حاسمة في سدِّ الباب أمام المشركين، وقطع أطماعهم في استجابة الرسول لهم: أن يعبد آلهتهم فترة من الزمن، ويعبدوا إلهه فترة مماثلة. فاستخدم هذه اللفظة في تلك المرَّة، ولم تتكرَّر بعد ذلك في القرآن: مكيِّه، أو مدنيِّه.
أساس التسامح الإسلامي:
والحقيقة الثالثة، هي كيف نوفِّق بين اعتقادنا بكفر أهل الكتاب ودعوتنا إلى التسامح معهم؟
وأقول هنا: أن كل ذي دين، بل كل ذي مبدأ: يؤمن بأنَّه على الحق، وأنَّ من عداه على الباطل، أي كما قال القرآن: ﴿قَدْ تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256].
فهو يؤمن بدينه ومبدئه، ويكفر بما سواه، وإلا كان إيمانه مدخولًا.
فمن آمن بالمادية كفر بالألوهية، ومن آمن بالألوهيَّة كفر بالمادية، ومن آمن بالرأسمالية، كفر بالشيوعية، ومن آمن بالشيوعية كفر بالرأسمالية. ومن آمن بالديمقراطية كفر بالدكتاتورية، والعكس بالعكس.
ومن هنا نجد المسيحي يؤمن حسب عقيدته بأنَّ المسلمين كفار، لا يعني أنَّهم كفار بالله، بل كفار بعقيدته المسيحية بما فيها من التثليث وغيره.
وهذا صحيح، وإذا لم يعتقدوا ذلك في المسلمين كانوا كاذبين في دينهم، أو مجاملين للمسلمين.
وكذلك يعتقد المسلم في النَّصارى أو المسيحيِّين بأنَّهم كفَّار، ولا يعني هذا أنَّهم ملحدون، بل كفار بعقيدة الإسلام، وبرسالة محمد.
ولأنَّ المسيحيِّين يعتبرون المسلمين كفارًا وضالين، يبذلون جهودًا جبارة من أجل تنصيرهم، وإخراجهم من ضلالتهم، ولا يجهل أحد الجهود التنصيرية ـ أو التبشيرية كما يسمونها ـ الَّتي بدأت مع عصر الاستعمار، وسارت في ركابه، وتمتعت بحمايته، في البلاد الإسلاميَّة المختلفة، في آسيا وإفريقيا، حتَّى إنَّهم عملوا لتنصير إندونيسيا ـ أكبر بلد إسلامي ـ في مدة خمسين سنة، ووضعوا لذلك خططهم، وكثَّفوا نشاطهم.
ولا زالوا إلى اليوم يعملون وينفقون ويحاولون، وقد تابعنا مؤتمر المبشرين الأمريكان الَّذي عُقد في ولاية «كولورادو» بأمريكا سنة 1978، تحت عنوان «تنصير المسلمين في العالم» وقدَّم أربعين دراسة في ذلك، وأنشأ معهدًا لذلك سمَّوْه «معهد زويمر» ورصدوا لذلك ألف مليون دولار.
ونحن لا نلومهم لاعتبارنا كفَّارًا ضالِّين؛ لأن هذه طبيعة كل دين، كما قلنا: يعتقد المؤمن به أنَّه وحده على الهُدى، وأنَّ غيره على الضلال، إلَّا إذا نافق أو جامل.
وهنا يتبادر سؤال مهمٌّ يحتاج إلى جواب.
وهو: كيف حلَّ الإسلام هذه العقدة؟ أعني كيف يتسامح المسلم مع من يعتقد أنَّه كافر في دينه؟
هنا تتجلَّى حكمة الإسلام وعظمته في معاملة غير المسلم برغم اعتقاد المسلم بكفره. وهذا ما بيَّنْتُه من قديمٍ في كتابي «غير المسلمين في المجتمع الإسلامي»، تحت عنوان «أساس التسامح الإسلامي».
ولُبُّ هذا التسامح أنَّ الإسلام زوَّد المسلم بفلسفة معيَّنة أو بمفاهيم فكرية، تزيح من صدره النفور والغضب والضيق بغير المسلمين، وتفتح له باب حسن العشرة معهم، والبر بهم، والإقساط إليهم، فإنَّ الله يحبُّ المقسطين.
أهم هذه المفاهيم هي:
1 ـ اعتقاد كل مسلم بكرامة الإنسان، أيًّا كان دينه أو جنسه أو لونه؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ[الإسراء: 70]. وهذه الكرامة المقررة توجب لكل إنسان حق الاحترام والرعاية.
ومن الأمثلة العمليَّة ما رواه البخاري: أنَّ جنازة مرت على النَّبيّ ، فقام لها واقفًا، فقيل له: يا رسولَ الله، إنَّها جنازة يهودي! فقال: «أليست نفْسًا؟!»(18). بلى، ولكلِّ نفْس في الإسلام حُرمة ومكان. فما أروع الموقف، وما أروع التفسير والتعليل!
2 ـ اعتقاد المسلم أنَّ اختلاف النَّاس في الدين واقع بمشيئة الله تعالى، الَّذي منح هذا النوع من خلقه الحرية والاختيار فيما يفعل ويدع، ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ[الكهف: 29]، ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ١١٨ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ[هود: 118، 119]. قال المفسرون: أي وللاختلاف خلقهم؛ لأنه منحهم العقل والإرادة، فاقتضت مشيئته أن يختلفوا.
والمسلم يوقن أنَّ مشيئة الله لا راد لها ولا معقب؛ كما أنه لا يشاء إلَّا ما فيه الخير والحكمة، علم النَّاس ذلك أو جهلوه. ولهذا لا يفكر المسلم يوما أن يُجبر النَّاس ليصيروا كلهم مسلمين، كيف وقد قال الله تعالى لرسوله الكريم:﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ[يونس: 99].
3 ـ ليس المسلم مكلفًا أن يحاسب الكافرين على كفرهم، أو يعاقب الضالين على ضلالهم، فهذا ليس إليه، وليس موعده هذه الدنيا، إنَّما حسابهم إلى الله في يوم الحساب، وجزاؤهم متروك إليه في يوم الدين. قال تعالى:﴿وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ٦٨ ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ[الحج: 68، 69].
وقال يخاطب رسوله في شأن أهل الكتاب:﴿فَلِذَٰلِكَ فَٱدْعُ ۖ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ ۖ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٍۢ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَآ أَعْمَٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَٰلُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ ٱللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ[الشورى: 15].
وقد قال عيسى 0 : لربِّه يوم القيامة:﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ[المائدة: 118].
وبهذا يستريح ضمير المسلم، ولا يجد في نفسه أي أثر للصراع بين اعتقاده بكفر الكافر، وبين مطالبته ببره والإقساط إليه، وإقراره على ما يراه من دين واعتقاد.
4 ـ إيمان المسلم بأن الله يأمر بالعدل، ويحبُّ القسط، ويدعو إلى مكارم الأخلاق، ولو مع المشركين، ويكره الظلم ويعاقب الظالمين، ولو كان الظلم من مسلم لكافر. قال تعالى:﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ[المائدة: 8].
وقال : «دعوةُ المظلوم ـ وإن كان كافرًا ـ ليس دونَها حجابٌ»(19).
وقال تعالى:﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ[الممتحنة: 8].
والحمد لله أولًا وآخرًا، وصلى الله على نبيه محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا.
← العودة لقسم 4- الأديان الكتابية