2026-06-04
879
موقفنا من اليهود والنَّصارى
فضيلة الشيخ، يتهمك بعض الجامدين ومحدودي الأفق بأنك متساهل مع اليهود والنَّصارى الكافرين. بدليل أنك ترى موالاة المسالمين منهم، وتدعو إلى احترام أديانهم السماوية «المحرَّفة» وتقول عنهم: إنَّهم إخوان لنا، كما تقول: إنَّ حربنا مع اليهود ليست من أجل العقيدة، فبماذا ترد على هؤلاء؟
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
ردِّي على هؤلاء واضح وضوح النهار، في الكتب الَّتي نقلوا عنها هذه الدعاوى، ولكنهم ـ واأسفاه لمرض في قلوبهم ـ يتعامون عن أدلتي الَّتي أذكرها على كل ما أدعيه ويخفونها عن القارئ العادي، الَّذي لم يقرأ كتبي، تضليلًا له، وحجبًا له عن الحقيقة، أو حجبًا للحقيقة عنه، وهذا ليس من أمانة العلم، ولا أخلاق العلماء، وإن كان هؤلاء لا يعدون من العلماء في العير ولا في النفير. كل ما عندهم من العلم كلمات يحفظونها، وعبارات يرددونها ترديد الببغاء، مع طول في اللسان، وقصر في العقل.
لقد تعودت ـ وهذا من فضل الله عليَّ ـ ألَّا أذكر قضية إلَّا بدليلها، ولو بالاختصار؛ لأني أعلم أنَّ العلم هو معرفة الحق بدليله. ولكن آفة هؤلاء أنَّهم لا يرون إلَّا الأدلَّة الَّتي توافق هواهم، وتتواءم مع مزاجهم، وقد ضاق أفقهم، فلا يعرفون إلَّا وجهًا واحدًا للقضايا، ورأيًا واحدًا في الفقه، وغاب عنهم ما عرفه أهل البصيرة من علماء هذه الأمَّة: إن الاختلاف في الفروع وما شابهها رحمة وضرورة وسعة، كما بينا ذلك في كتابنا: «الصحوة الإسلاميَّة بين الاختلاف المشروع والتفرُّق المذموم».
ولا غرو أن انتهى هؤلاء بتفكيرهم المحدود هذا إلى أن اعتبروا أنفسهم ـ وهم يمثلون أقل من (1 %) واحد في المائة من الأمَّة ـ أنَّهم وحدهم هم الفرقة الناجية، وبقيَّة الأمَّة هلكى في النَّار، وأن رأيهم وحدهم هو الصواب الَّذي لا يحتمل الخطأ، ورأي غيرهم هو الخطأ الَّذي لا يحتمل الصواب، على عكس ما قاله الأئمَّة الأثبات.
بل هناك من أئمتنا الأعلام من يرى تصويب آراء كل المجتهدين، وإن كان يخالف بعضها بعضًا؛ لأنَّه يرى أن حكم الله في المسألة: ما انتهى إليه رأي المجتهد، وهؤلاء يُسمَّوْن في علم أصول الفقه «المصوِّبة».
وسأتحامل على نفسي كارهًا لأردَّ ـ بإجمال ـ على دعاوى هؤلاء المرجفين، فوالله ما عندي متسع من الوقت ولا من الجهد، ولا من النفس، لأضيعه في الرد على مثل هذه الأقاويل. ولكن عسى الله 2 أن يجعل في ابتلائنا بهؤلاء المتنطعين مثوبة وأجرًا، وكفارة عن سيئاتنا، وما أكثرها!
موالاة اليهود والنَّصارى:
يزعم هؤلاء القوم أنِّي متساهل مع الكفَّار من اليهود والنَّصارى واستدلُّوا على ذلك بجملة أشياء، أولها: أنِّي أرى «موالاة المسالمين منهم».
ومفهوم كلام هؤلاء أنَّهم لا يفرقون بين المسالمين وغيرهم، فكل الكفَّار عندهم سواء. ولا أعرف مذهبًا ولا فقيهًا ولا متكلِّمًا، ولا مفسِّرًا أو مُحدِّثًا أو عالمًا من علماء الأمَّة، يُسوِّي بين الكافر المسالم والكافر المحارب.
وعلى كلِّ حالٍ لستُ أنا الَّذي فرَّق بين الصنفين، ولكن فرق بينهما ربنا عز شأنه، في كتابه العزيز في آيتين من كتاب الله تعالى تعتبران دستورًا في علاقة المسلم بغير المسلم، وذلك قوله تعالى في سورة الممتحنة:﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓاْ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٨ إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾[الممتحنة: 8، 9].
فحدَّدت الآية الثانية هنا صنف الكافرين الَّذين نهت عن موالاتهم: ﴿أَن تَوَلَّوْهُمْ﴾، وهم الَّذين قاتلونا في الدين وأخرجونا من ديارنا، وظاهروا على إخراجنا.
كما حدَّدت الآية الأولى هنا الصنف الآخر، الَّذين لم ينهنا الله تعالى أن نبرهم ونقسط إليهم، وهم الَّذين لم يقاتلونا في الدين، ولم يخرجونا من ديارنا، أي المسالمون لنا. فشرع لنا أن نقسط إليهم، أي نعدل معهم ونبرهم. والقسط أن نعطيهم حقهم، والبر أن نزيدهم فوق حقهم. والقسط: أن نأخذ منهم ما لنا من حق، والبر: أن نتنازل عن بعض ما لنا من حق، وبعبارة أخرى: القسط هو العدل. والبر هو الإحسان.
الله سبحانه هو الَّذي فرَّق بين المسالمين من غير المسلمين وغيرهم، سواء كانوا يهودًا أم نصارى أم مشركين، والآيتان في سورة الممتحنة نزلتا في شأن المشركين.
هؤلاء يحرِّمون مجرد المودة للكافر أي كافر، وأنا لا أحرمها إلَّا للكافر المعادي لله ولرسوله وللمسلمين، وهو الَّذي جاء في قوله تعالى:﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًۭا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾[المجادلة: 22].
أما غيره فمن حقك أن توده وتبش له وتحسن عشرته، ما دام حسن الخلق، حسن المعاملة؛ ومن هنا شرع الله تعالى نكاح الكتابية بقوله 8 :﴿وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ﴾[المائدة: 5].
ومن ثمرات هذا الزواج السَّكِينة والمودَّة والرحمة بين الزوجين. كما قال تعالى:﴿وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةًۭ وَرَحْمَةً﴾[الروم: 21].
أم يريد هؤلاء زواجًا لا مودَّة فيه، وأكثر من هذا: أنَّ مقتضى الزواج أن يثمر المصاهرة، وهي رابطة طبيعيَّة أخرى مع رابطة الدَّم والنَّسب، كما قال تعالى:﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَرًۭا فَجَعَلَهُۥ نَسَبًۭا وَصِهْرًۭا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًۭا﴾[الفرقان: 54].
ومن مقتضى هذه المصاهرة: أن يكون أهل الزوجة أصهارًا للزوج، ويكون أبوها جَدًّا لأولاده، وأمُّها جَدَّة لهم، وإخوانها أخوالًا لهم، وأخواتها خالات لهم، وهذه كلُّها توجب لهم حقوقًا من صلة الرحم، وإيتاء ذي القربى.
فهل يعارض هؤلاء ما شرعه الله ورسوله، وما استقرت عليه الأمَّة منذ خير قرونها إلى اليوم؟
وأمَّا «غير المسالمين» من اليهود والنَّصارى والمشركين، فلا يستطيع هؤلاء أن يزايدوا عليّ في ذلك. فخطبي ومحاضراتي وكتبي ورسائلي ومقالاتي كلها ألسنة من لهب، وشواظ من نار على أعداء الله وأعداء الأمَّة.
وكل النَّاس يعرفون مواقفي الواضحة من يهود فلسطين، وصرب البوسنة والهرسك وكوسوفو، وهندوس كشمير، والروس في الشيشان.
ولقد وقفتُ ـ ولا زلت ـ ضد مسيرة «الاستسلام» الَّذي يسمُّونه «السلام». و«التطويع» الَّذي يسمُّونه «التطبيع» ورفضتُ الصلح مع إسرائيل الَّذي معناه الاعتراف بها وبشرعية ما اغتصبت من أرض فلسطين.
هنا نحرِّم الموالاة والموادة والمقاربة والمسالمة لهؤلاء المعتدين، حتَّى يحكم الله بيننا وبينهم، إلَّا ما يكون من هدنة بين الطرفين، مدة تقصر أو تطول، إذا اقتضت ذلك مصلحة المسلمين.
احترام أديانهم السماوية:
وأما قولهم: إني أرى احترام أديانهم السماوية «المحرفة» ـ يعنون: اليهود والنَّصارى ـ فلست أنا الَّذي قرر ذلك، إنَّما قرر ذلك الإسلام وأحكامه، حين فرَّق بينهم وبين غيرهم من المشركين عباد الأوثان. وسمَّاهم «أهل الكتاب» وناداهم «يا أهل الكتاب» وجعل لهم من الأحكام ما يميزهم عن غيرهم؛ مثل أكل ذبائحهم، وتزوج نسائهم، كما قال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ﴾ [المائدة: 5].
وقد أشرنا إلى ما يقتضيه حل الزواج من نسائهم من روابط المصاهرة، وحقوق الأرحام وذوي القربى.
ومعنى هذا كله: أنَّهم أقرب إلينا من غيرهم من سائر الملل، ولهذا نهانا القرآن أن نجادلهم إلَّا بالتي هي أحسن، وذلك في قوله سبحانه:﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَٰحِدٌۭ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ﴾[العنكبوت: 46].
فنحن مأمورون إذن أن نحاورهم بأحسن الطرق، وأرق الأساليب، إيناسًا لهم، وتقريبًا لهم إلى ديننا، إلَّا الَّذين ظلموا كاليهود اليوم، فلا حوار بيننا وبينهم، ولهذا أنكرتُ «لقاء شيخ الأزهر والحاخام اليهودي الإسرائيلي»، الَّذي أراد أن يخترق حصن الأمَّة الثقافي العتيد (الأزهر) بدعوى الحوار الديني، وهو من الَّذين ظلموا وتعدوا الحدود، ونقضوا العهود، وشاركوا في كل عدوان على الأرض والعِرض والمقدسات.
واحترامي لأهل ديانتهم السماوية لا يعني أن عقيدتهم صحيحة، وأن إيمانهم مقبول عندنا، بل هم في اعتقادنا «كفَّار»؛ لأنَّهم لم يؤمنوا برسالة محمَّد ﷺ ، وكل من لم يؤمن به فهو كافر؛ إذ القسمة ثنائية، فإمَّا مسلم وإمَّا كافر، وقد كتبت في هذا فتوى مطولة نشرتها الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية، ونشرت في رسالة مستقلَّة: «موقف الإسلام العقدي من كفر اليهود والنَّصارى» بيَّنت فيها بما لا يدع مجالًا للشكِّ: أنَّ اليهود والنَّصارى كفار برسالة محمَّد ﷺ ، ورددت على الشبهات الَّتي أثارها بعض النَّاس حول هذه القضية.
ولا يعني حكمنا عليهم بالكفر أنَّهم ملاحدة، فهم لا شكّ يؤمنون ـ في الجملة ـ بالله واليوم الآخر، والوحي؛ ولكنهم آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض؛ ولهذا نحن نعتبرهم كفَّارًا بديننا، وهم يعتبروننا كفَّارًا بدينهم. وهذا صحيح، فنحن ـ وإن كنَّا نؤمن بالمسيحية الأصلية ـ نكفر بالمسيحيَّة الحاليَّة بما فيها من تثليث وتحريف.
هل المسيحيون إخوان لنا؟
وأما دعواهم أنِّي أقول: المسيحيون إخوان لنا، فذلك قلته في مقامٍ معيَّن عن المسيحيِّين المصريِّين (الأقباط) فقد قلت: إنَّهم إخوان لنا في الوطن.
وهذا تعبير صحيح ولا غُبار عليه، فالأخوّة أنواع ومستويات، أعلاها بلا ريب: «الأخوة الدينية» الَّتي تقوم على العقيدة الواحدة، وهي الَّتي جاء فيها قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌۭ﴾[الحجرات: 10]. وهي الَّتي امتنَّ الله بها على عباده فقال:﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًۭا وَلَا تَفَرَّقُواْ ۚ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءًۭ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِۦٓ إِخْوَٰنًۭا﴾[آل عمران: 103].
وقال تعالى:﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ﴾[الأنفال: 62، 63].
وقال ﷺ : «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسْلِمه»(1).
ولكن هناك أنواع أخرى غير هذه الأخوة ودون هذه الأخوة، ولكنها موجودة في الحياة، ولها حقوقها وآثارها.
من هذه «الأخوَّة القوميَّة» الَّتي تقوم على رابطة العِرق الواحد أو الجنس الواحد، مثل رابطة «العروبة» بين العرب على اختلاف أديانهم.
وهناك «الرابطة الوطنية» الَّتي تقوم على أساس الوطن الواحد والإقليم الواحد، مثل رابطة المصريين في مصر، والسوريين في سوريا، والعراقيين في العراق، وهكذا.
وهناك «الأخوَّة الإنسانيَّة» العامَّة، الَّتي تربط البشر بعضهم ببعض؛ باعتبار الآدمية المشتركة.
وأنا حين قلت عن المسيحيِّين العرب الَّذين يشاركوننا في الانتماء إلى العروبة، أو المصريِّين الَّذين يعايشوننا في وطن واحد هو وطننا ووطنهم: إنَّهم إخوان لنا، لم أقصد أنَّهم إخوان في الدين، فديننا ـ قطعًا ـ مختلف. ولكن قصدت أنَّهم إخوة لنا في الانتماء القومي أو الانتماء الوطني، وإطلاق الأخوة بهذا المعنى جائز ومشروع.
وهذا الإطلاق له أصل من القرآن الكريم، هو الَّذي دعاني أن أقول ذلك، منذ سنين، وقد كنت قبل ذلك أتردد في إطلاقه.
هذا الأصل هو أنَّ كتاب الله تعالى وصف أنبياء الله المرسلين إلى أقوامهم بأنَّهم «إخوانٌ لهم» مع أنَّهم كفروا بهم، وكذبوهم وعصوهم. نقرأ في هذا قوله تعالى:﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٠٥ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾[الشعراء: 105، 106].
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٢٣ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: 123، 124]، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٤١ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَٰلِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: 141، 142]، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٦٠ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: 160، 161]، ﴿كَذَّبَ أَصْحَٰبُ لْـَٔيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ ١٧٦ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: 176، 177].
فنجد في هذه الآيات كلها يذكر القرآن تكذيب القوم لرسولهم؛ الَّذي عبر عنه القرآن بتكذيب المرسلين؛ لأن من كذَّب رسولًا واحدًا، فقد كذب المرسلين جميعًا؛ إذ لا فرق بين رسول ورسول، ثمَّ بعد ذلك يقول: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾. كيف يكون أخاهم وهم مكذبون برسالته كافرون؟ إنَّها أخوة قومية، أي أن هؤلاء القوم هم قومه، وهو واحد منهم، ولهذا يخاطبهم عادة بقوله:﴿يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ﴾[الأعراف: 59].
والملاحظ هنا أنَّ رسولًا واحدًا من هؤلاء الَّذين ذكرتهم سورة الشعراء؛ وهو شعيب، حينما ذكر قصَّته مع «أصحاب الأيكة» خالف في التعبير عن علاقته بهم فلم يقل: «إذ قال لهم أخوهم شعيب» كسائر الرسل المذكورين، بل قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾. وسِرُّ ذلك: أن شعيبًا لم يكن من «أصحاب الأيكة» وإنَّما كان من «مَدْين»، ولهذا حين ذكر قصته في سورة الأعراف، وفي سورة هود، قال:﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾[الأعراف: 85 ـ هود: 84].
فدل هذا بوضوح على أنّ «الأخوَّة» الَّتي وصف الله بها علاقة هؤلاء الرسل بأقوامهم الكافرين بهم، المكذبين لهم، إنَّما هي الأخوة القومية، وهي الَّتي تجعل الرسول يعتمد عليها في تليين موقف قومه وتقربهم منه، حين يخاطبهم بقوله: يا قوم اعبدوا الله، يا قوم لا أسألكم عليه مالًا، إلخ.
هل نحارب اليهود من أجل العقيدة؟
وأما إنكارهم على قولي: إنَّنا لا نحارب اليهود من أجل العقيدة، فهذه حقيقة يصدقها الواقع.
فقد عاش اليهود بين ظهراني المسلمين قرونًا طويلة، لهم ذمة الله، وذمة رسوله، وذمة جماعة المسلمين، محميين في دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، متمتعين بالثروة والجاه والمنـزلة عند أهل الحكم من المسلمين. ولم يفكر أحد من المسلمين في حربهم، ولا كان اليهود قادرين على ذلك، أو راغبين فيه في العهود الماضية.
بل رأيناهم حينما طُردوا من إسبانيا وغيرها من أوربا، وسعتهم دار الإسلام وأوطان المسلمين، ووجدوا فيها كهف الأمن، ودار الإسلام.
حتى كان بعض العلماء قديمًا يتحير في معنى الحديث الصحيح المتَّفق عليه: «لا تقوم الساعة حتَّى تقاتلوا اليهود...» الحديث(2) ويقول: كيف نقاتل اليهود وهم في ذمَّتِنا؟!
فمتى بدأت الحرب إذن بيننا وبين اليهود؟
إنها بدأت في القرن العشرين، بعد أن ظهر المشروع الصهيوني إلى حيز الوجود، وأنشأ اليهود لهم عصابات إرهابية معروفة تستخدم القوة والعنف في فرض إرادتها وسيطرتها في فلسطين، وبدأت الهجرات الجماعية المنظمة إلى فلسطين، وبدأ التآمر المبيت لتهويد فلسطين، بمساعدة دولة الانتداب «البريطاني»، الَّتي انتدبتها «عصبة الأمم» لحكم فلسطين، بعد انتصار الحلفاء على الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، والاستيلاء على تركة الرجل المريض.
بدأت الحرب مع اليهود مناوشات وصدامات مسلحة مع أهل فلسطين، ثمَّ اتسعت بعد قيام دولة الكيان الصهيوني في سنة 1948م؛ فدخلت الجيوش العربية السبعة المعروفة، ولم تحقِّق للأسف ما كان مرجوًّا منها، وهزمت جيوشنا أمام العصابات الصهيونية. وقامت الدولة الجديدة على الأراضي الَّتي استولت عليها بالدم والرصاص والعنف، أو بالغدر والحيلة، من أرض فلسطين.
ولم تكتفِ بذلك، بل في كل حرب تكسب أرضًا، وتضم أملاكًا، وتقيم مستوطنات، والمعركة مستمرَّة بيننا وبينهم.
ترى لماذا كانت الحرب بيننا وبين اليهود إذن؟ هل حاربناهم لأنَّهم كفروا بالله ورسوله؟ أو لأنَّهم قالوا: العزير ابن الله، أو لأنَّهم حرَّفوا التوراة، أو لأنَّهم قتلوا الأنبياء بغير حق؟ بالقطع ليست الحرب لذلك، إنَّما حاربناهم، ولا زلنا نحاربهم، وسنظل نحاربهم؛ لأنَّهم اغتصبوا أرضنا، وشردوا أهلنا. اغتصبوا أرض الإسراء والمعراج، أرض المسجد الأقصى أولى القبلتين، وثالث المساجد المعظمة في الإسلام.
ولا يعني هذا أنّ حربنا مع اليهود بعيدة عن الدين. كلَّا، فإنَّ الدفاع عن الأرض الإسلاميَّة فريضة دينية، والقتال لتحريرها من أعظم الجهاد في سبيل الله.
ويفترض الإسلام على أهل كل بلد غزاه الكفَّار ـ فريضة عينية ـ أن يدافعوا عنه: رجالهم ونساؤهم، في نفير عام، لا يتخلف عنه أحد، حتَّى إن المرأة تخرج بغير إذن زوجها، والولد بغير إذن أبيه. وإذا لم يقدر أهل البلد وحدهم على رد العدو المغير عليهم؛ فعلى من حولهم من المسلمين أن ينضم إليهم، الأقرب فالأقرب، حتَّى يشمل المسلمين كافة.
هذا في أي أرض إسلاميَّة، فكيف إذا كانت هذه الأرض أرض النبوات والمقدسات، الأرض الَّتي بارك الله فيها للعالمين؟!
إنَّ المعركة ليست من أجل العقيدة، ولكنها معركة دينية من غير شك؛ لأنَّها دفاع عن دار الإسلام، بل دفاع عن المسجد الأقصى الَّذي بارك الله حوله.
ولا سيما أنَّ أعداءنا اليهود يحاربوننا بدوافع دينية، وأحلام توراتية، وتعاليم تلمودية، وهذا يحتم علينا أن نجعل الدين هو سلاحنا الأول في معركتنا معهم، ولا يفل الحديد إلَّا الحديد.
وقد قلت في أكثر من كتاب لي: إن حديدنا أقوى من حديدهم، فإذا حاربونا بالتـوراة حاربناهم بالقرآن، وإذا حاربونا باسم اليهوديَّة حاربناهم باسم الإسلام، وإذا قالوا السبت قلنا: الجمعة، وإذا قالوا: الهيكل، قلنا: الأقصى، وإذا ذكروا موسى، ذكرنا نحن موسى وعيسى ومحمدًا، ورسل الله جميعًا، فنحن أولى بموسى منهم.
1. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في المظالم (2442)، ومسلم في البر والصلة (2580)، عن ابن عمر.
2. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (2926)، ومسلم في الفتن (2922)، عن أبي هريرة.