2026-06-04
931
تعقيب على محاورة الأخ الدكتور محمَّد عبد الله الشباني حول العلاقة مع أهل الكتاب
أطلعني بعض الإخوة الأفاضل على عدد من مجلة «البيان» الَّتي تصدر في لندن العدد (112) أبريل ـ مايو 1997م، وفيها حوار أو مناقشة لبعض ما لخصه أحد الإخوة بمجلة «المجتمع» الكويتية من تعقيب لي، على محاضرة الأستاذ الدكتور رجاء جارودي، حينما دُعي إلى جامعة قطر بالدوحة. وكان كاتب المقال هو الدكتور محمَّد عبد الله الشباني، تحت عنوان: وقفات متأنية مع آراء فضيلة د. القرضاوي، في العلاقة مع أهل الكتاب.
وأنا أشكر للأخ د. الشباني حسن أدبه في تناول الموضوع، وأقدر له غيرته واجتهاده، وإن كنت أخالفه فيما انتهى إليه من آراء تخص موقفي.
أطلعني بعض الإخوة الأفاضل على عدد من مجلة «البيان» الَّتي تصدر في لندن العدد (112) أبريل ـ مايو 1997م، وفيها حوار أو مناقشة لبعض ما لخصه أحد الإخوة بمجلة «المجتمع» الكويتية من تعقيب لي، على محاضرة الأستاذ الدكتور رجاء جارودي، حينما دُعي إلى جامعة قطر بالدوحة. وكان كاتب المقال هو الدكتور محمَّد عبد الله الشباني، تحت عنوان: وقفات متأنية مع آراء فضيلة د. القرضاوي، في العلاقة مع أهل الكتاب.
وأنا أشكر للأخ د. الشباني حسن أدبه في تناول الموضوع، وأقدر له غيرته واجتهاده، وإن كنت أخالفه فيما انتهى إليه من آراء تخص موقفي.
التوحيد والأخلاق:
أولًا: أخذ عليَّ الأخ الشباني قولي: إنَّ رسالة الإسلام رسالة أخلاقية في الدرجة الأولى، وكأنه فهم من هذه الجملة أنِّي أعتبر «التوحيد» في الدرجة الثانية أو الثالثة، وطفق يذكر الأدلَّة على أهمية التوحيد، كأني أنكر ذلك أو أجهله.
والحق أنِّي أعتبر «التوحيد» ـ كما يعتبره كل مسلم ـ أساس الدين، بل أساس الديانات السماوية كلها، ولكنِّي أيضًا أعتبره من جملة الأخلاق؛ لأنَّه من «العدل» الَّذي يعطي كل ذي حق حقه، ولا حق لأحد أن يُعبد غير الله تعالى الرب الخالق المعلم للإنسان. ولا غرو أن اعتبر القرآن الشرك من «الظلم» بل هو ظلم عظيم، كما جاء في القرآن على لسان لقمان؛ إذ قال لابنه وهو يعظه: ﴿يَـٰبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌۭ﴾ [لقمان: 13].
وقد صحح الرسول الكريم ﷺ للصحابة فهمهم للآية الكريمة من سورة الأنعام:﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾[الأنعام: 82]، حين قالوا: وأيُّنا لم يظلم نفسه يا رسولَ الله؟ قال: «ليس كما فهمتم، إنَّه الشرك، ألم تقرؤوا قول العبد الصالح:﴿إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾[لقمان: 13]؟»(1).
ونجد القرآن الكريم يعتبر الإيمان والشعائر العبادية وعمل الصالحات، وفعل الخيرات والجهاد في سبيل الله ونحوها: من جملة الأخلاق المحمودة، ويصف أهلها من المؤمنين والأبرار والمتقين بصفات أخلاقية مثل «الصدق» وهو فضيلة أخلاقيَّة بلا ريب.
يقول تعالى:﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾[الحجرات: 15].
وقال 8 :﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُواْ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾[البقرة: 177].
ومن هنا أثنى الله على أولي العزم من الرسل، فوصفهم بصفات أخلاقية، كما قال عن نوح:﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبْدًۭا شَكُورًۭا﴾[الإسراء: 3].
وقال عن إبراهيم الخليل:﴿وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰٓ﴾[النجم: 37].
وخاطب خاتم رسله محمدًا بقوله:﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ﴾[القلم: 4].
ولا غرو أن قال ﷺ : «إنَّما بُعِثْتُ لأتمِّم مكارم الأخلاق»(2).
ولقد ذكر الإمام ابن القيِّم في «مدارج السالكين» ما نقله الكتَّاني عمَّن قبله أنَّهم قالوا: التصوُّف هو الخُلُق، فمن زاد عليك في الخُلُق، فقد زاد عليك في التصوُّف.
وعلَّق على ذلك ابن القيِّم بقوله: «الدِّين كلُّه خُلُق، فمن زاد عليك في الخُلُق، زاد عليك في الدِّين»(3).
وقد عرَّف بعضهم التصوُّف فقالوا: هو الصدق مع الحقِّ، والخُلُقُ مع الخَلْق(4).
ولا يخفى أنَّ الصدق خُلُقٌ أيضًا، فقد أصبح التصوُّف كلُّه خلقًا، بل هذا الدِّين كلُّه: أن تكون مع الله بالصِّدْق، ومع النَّاس بحُسْن الخلق.
أو تكون كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية مع الله بالتقوى، ومع النَّاس بالإحسان، كما يشير إليه قوله تعالى:﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾[النحل: 128].
وفي ضوء هذه المفاهيم الإسلاميَّة الصحيحة يجب أن يُفهم معنى قولي: إنَّ الإسلام رسالة أخلاقية في الدرجة الأولى. فأنا أدخل في هذا المفهوم: العقائد والعبادات، وعمل الصالحات، والدعوة إلى الله تعالى، والجهاد في سبيله. وقديما قال علماؤنا: لا مشاحّة في الاصطلاح.
معركتنا مع اليهود:
ثانيًا: علق الأخ الشباني على قولي: إنَّ معركتنا مع اليهود ليست من أجل العقيدة، بل من أجل الأرض الَّتي اغتصبوها، والحرمات الَّتي انتهكوها، والدماء الَّتي سفكوها. وقال: إنَّها تحتمل معنى صحيحًا لا غبار عليه، وهو أنَّ صراعنا مع اليهود في هذه المرحلة من أجل أرض فلسطين. وإذا كان هذا المعنى الصحيح محتملًا، فلماذا نفترض المعنى الآخر؟
والذي جعلني أقول هذا القول أنَّ اليهود يشيعون في أنحاء العالم أنَّهم جنس مضطهد مجني عليه، مظلوم من النَّاس كافة، وأنَّ اضطهاده إنَّما هو من أجل عقيدته وعنصره، أي لأنَّهم يهود، ولأنهم ساميون. ولذا نراهم يتاجرون بمعاداة السامية.
ونحن نريد أن نقول لهم: إنَّنا لن نحاربكم من أجل عقيدتكم اليهوديَّة، ولا عنصريَّتكم السامية، فنحن المسلمين نعتبركم أهل كتاب، حتَّى إنَّ القرآن أباح مؤاكلتكم ومصاهرتكم، ونحن العرب ساميُّون مثلكم، فأنتم أبناء عمومتنا. وبذلك نبطل الدعوى الَّتي يتشدَّقون، ويستدرُّون بها عطف الأمم كافَّة عليهم.
على أنِّي إذا قلت: إنَّ المعركة من أجل الأرض الَّتي بارك الله فيها للعالَمين، فهذا لا ينفي الطابع الدِّيني عن المعركة؛ لأنَّها معركة «في سبيل الله» يقينًا، معركة دفاع عن الحقِّ، والأرض والعرض، والشَّرف والدِّين، وكل المقدَّسات. وكل معركة يخوضها المسلم دفاعًا عن أرضه وحرماته هي معركة دينية؛ لأنَّها في سبيل الله لا في سبيل الطاغوت، وقد قال تعالى:﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَٰنِ ۖ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾[النساء: 76].
فكيف إذا كانت الأرض الَّتي يدافع عنها المسلم تتميَّز بأنَّها أولى القبلتين، وبها ثالث المسجدَيْن المعظَّمين، وهي أرض الإسراء والمعرج، وأرض النبوَّات والبركات، وأرض الرباط والجهاد؟ أجل، إنَّها معركة تحرير القدس وإنقاذ الأقصى!
ولا يتصوَّر من مثلي أن ينفي الطابع الدِّيني عن المعركة بيننا وبين اليهود، وأنا أنادي في كتبي وفي محاضراتي، وفي فتاواي وخطبي؛ منذ سنين طويلة بفرضيَّة الجهاد من أجل فلسطين، وضرورة «إسلاميَّة» المعركة، وأنَّنا لم نهزم إلَّا أنَّنا دخلناها عربًا ولم ندخلها مسلمين.
ويمكن أن يراجع من يشاء كتبي: «درس النكبة الثانية»، و«الحلول المستوردة»، و«أولويات الحركة الإسلاميَّة» وغيرها، وكذلك فتاواي حول الصلح مع إسرائيل، وعن زيارة القدس والصَّلاة في الأقصى في ظل الاحتلال، والمشاركة في انتخابات الكنيست، وردودي على سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وغيره، ليعرف منها حقيقة موقفي من إسلاميَّة المعركة مع الصهيونية الباغية المغتصبة.
هل هناك أصول مشتركة بيننا وبين أهل الكتاب؟
ثالثًا: أثار الأخ الشباني زوبعة حول ما نُقل عنِّي أنِّي قلت معقِّبًا على موقف جارودي ما معناه: لا مانع من وقوف أتباع الديانات السماوية في خندق واحد. أي في مواجهة الإلحاد والإباحية، وقد يختلفون في بعض الأمور، ولكن بينهم من الأصول المشتركة ما يجمعهم ضد الَّذين ينادون بوحدانيَّة الدولار، ووحدانيَّة السوق، ويعتبرون أنَّه «لا إله إلَّا المادَّة».
أنكر الأخ الكاتب هذا القول، وزعم أنه يناقض أصول الإسلام، وحقائق التوحيد. وقال: ليس بيننا وبين اليهود والنَّصارى أي أصول مشتركة، فهم مشركون كفرة، وقد حكم الله عليهم بالكفر، إلخ.
ولو كان ما قاله الكاتب صحيحًا، لم يكن هناك معنى ولا مبرر لأن يميزهم الإسلام عن غيرهم من سائر الكفار، ويعتبرهم «أهل كتاب» وأهل دين سماويٍّ ويناديهم:﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾. وأن يقول القرآن فيهم:﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ﴾[المائدة: 5].
فأباح مؤاكلتهم ومصاهرتهم، والمصاهرة أحد الرابطين الأساسيين الطبيعيين بين البشر:﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَرًۭا فَجَعَلَهُۥ نَسَبًۭا وَصِهْرًۭا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًۭا﴾[الفرقان: 54].
فكيف أجاز للمسلم أن تكون شريكة حياته، وربة بيته، وأم أولاده من أهل الكتاب؟ ومن لوازم ذلك: أن يكون أبو زوجته الكتابية وأمها جدين لأولاده، وإخوانها أخوالهم، وأخواتها خالاتهم، ولهؤلاء جميعًا وأولادهم حقوق الأرحام وذوي القربى؟
ولا ريب أنَّهم كفار؛ لأنَّهم لم يؤمنوا برسالة محمَّد ﷺ ، ولكنهم غير «المشركين» أو «الذين أشركوا» فهم صنف آخر، يُذكر معطوفًا عليهم في القرآن، والعطف يقتضي المغايرة، كما في قوله تعالى:﴿مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍۢ مِّن رَّبِّكُمْ﴾[البقرة: 105]، وقوله:﴿لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ﴾[البينة: 1]،﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ﴾[البينة: 6]،﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ﴾[الحج: 17].
فدلَّت هذه الآيات الكريمة على أنَّ أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى غير المشركين، الَّذين ذكرهم القرآن، ويقصد بهم عُبَّاد الأوثان، كما كان عليه مشركو العرب.
ولو لم تكن هناك أصول مشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب ما أجاز للمسلمين أن يصاهروهم، ولحرم ذلك عليهم كما حرم مصاهرة المشركين، حيث قال:﴿وَلَا تَنكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌۭ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكَةٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ۗ وَلَا تُنكِحُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ ۚ وَلَعَبْدٌۭ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌۭ مِّن مُّشْرِكٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾[البقرة: 221].
والواقع أنه توجد أصول مشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب في الجملة، منها: الإيمان بالله، والإيمان بوجوب التعبد له، والإيمان بالنبوَّة والوحي، والإيمان بالآخرة، والإيمان بالقيم الأخلاقية.
ومن ثَمّ يمكن أن يقف هؤلاء مع المسلمين في خندق واحد، لمقاومة النّـزعات الإلحادية، ودعوات الانحلال والإباحية، والوقوف في وجه المظالم والاعتداءات البشرية.
وهذا ما جعل الأزهر ورابطة العالم الإسلامي والفاتيكان، يقفون في صف واحد في مؤتمر السكان الَّذي انعقد بالقاهرة في صيف سنة 1994م ضد دُعاة الإجهاض والإباحية الجنسية.
وهو ما جعل الكثيرين من عقلاء المسلمين يرحبون بالحوار الإسلامي المسيحي، كما فعل ذلك وفد رابطة العالم الإسلامي برئاسة أمينها العام الشيخ محمَّد علي الحركان، وعدد من الأساتذة الكبار، حيث ذهبوا إلى الفاتيكان، وحاوروا كبار أساقفته، ووصلوا إلى نتائج مهمة سجلوها في كتاب نشرته الرابطة.
وكذلك قام حوار في ليبيا شارك فيه عدد من الشيوخ والمفكرين المسلمين، وقُدِّمت فيه بحوث من كلا الطرفين في أربعة موضوعات محددة، وانتهوا إلى توصيات مشتركة، أعتقد أنَّها نافعة.
ولو كان أهل الكتاب كالمشركين الأقحاح سواء بسواء، كما يقول الأخ المعقب، ما حزن المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ في مكة حين انتصر الفرس ـ وهم مجوس يعبدون النَّار ويقولون بإلهين اثنين ـ على الروم، وهم نصارى أهل كتاب، على عكس ما كان عليه المشركون من أهل مكة، الَّذين فرحوا بانتصار الفرس على الروم، معتبرين أن الروم أهل كتاب، فهم أقرب إلى المسلمين من المجوس.
وقد نزل في ذلك قرآن يُتلى يبشر المسلمين بأن هذه الغلبة للفرس لن تدوم، وأن اتجاه الريح سيتغير لصالح الروم في بضع سنين، وقال تعالى: ﴿الٓمٓ ١ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ ٢ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ٣ فِى بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍۢ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٤ بِنَصْرِ ٱللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الروم: 1 ـ 5].
إنَّ القرآن الكريم أمرنا ألَّا نجادل أهل الكتاب إلَّا بالتي هي أحسن، وأن نركز على القواسم المشتركة بيننا وبينهم، لا على نقاط التمايز والاختلاف، يقول تعالى:﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَٰحِدٌۭ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ﴾[العنكبوت: 46].
وما أحوج الدعاة اليوم إلى هذا الأدب القرآني في عصر تقارب فيه العالم حتَّى أصبح قرية كُبرى كما قال بعض الأدباء! وأنا أقول: إنه أصبح قرية صُغرى، نتيجة ثورة الاتصالات، ورسالة الدُّعاة اليوم يجب أن تركز على تبليغ دعوة الإسلام إلى العالم بلغاته المختلفة، عبر الإذاعات الموجهة، والأقمار الصناعية، وشبكة «الإنترنت»، والرسائل المكتوبة، وترجمة معاني القرآن إلى الألسنة المختلفة، وهذا هو الجهاد الأول اليوم، وهذا كله قد أخفق فيه المسلمون إخفاقًا بينا، ولكنهم نجحوا في استفزاز الآخرين، وإيغار صدورهم، وتخويفهم من ظهور الإسلام، الَّذي لن يعاملهم إلَّا بسل السيف على رقاب الجميع، وإعلان الحرب على البشرية كلها!
أسأل الله أن يرزقنا فقه الدعوة، وفقه الفتوى، حتَّى نفرق بين الثوابت والمتغيرات، فإنَّ الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، والعرف والحال وغيرها، فالدعوة وأساليبها أولى بالتغير بتغير الزمان والمكان والإنسان.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
1. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3360)، ومسلم في الإيمان (124)، عن ابن مسعود.
2. سبق تخريجه صـ 50.
3. مدارج السالكين لابن القيم (2/294)، تحقيق محمد المعتصم البغدادي، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ط 3، 1416هـ ـ 1996م.
4. من كلمات الإمام علي بن عبد الكافي السُّبكي، انظر: طبقات الشافعية الكبرى (10/295)، تحقيق محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو، نشر هجر للطباعة والنشر، ط 2، 1413هـ .