المقالات

❓ الفرق بين المذهب السُّنِّي والمذهب الشِّيعي الإمامي

📅 2026-06-05 👁 943 مشاهدة

نص السؤال:

أودُّ أن أعرض على فضيلتكم أمرًا أرجو أن تجيبوني فيه بصراحة تشفي الصدور، وتنقع الغُلَّة.
كنا هنا في مصر لا نعرف شيئًا عن المذاهب الأخرى، غير مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، الَّتي تنتسب إليه المذاهب الأربعة المشهورة، وأئمتها: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وعندنا في مصر منها الثلاثة الأُوَل. مذهب مالك في الصعيد وبعض بلاد الوجه البحري، ومذهب الشافعي في معظم بلاد الوجه البحري، ومذهب الحنفية لدى بعض الخاصة، متوارث من العهد العثماني؛ وكان القضاة يعينون من أتباعه.
وكنا لا نعرف عن الشيعة شيئًا، لعدم احتكاكنا بهم؛ إذ لم يكن يوجد في مصر شيعي واحد على ما أعلم، كل ما نعلمه عنهم أنَّهم يبالغون في حبِّ آل البيت والتعصُّب لهم، @ . ونحن المصريين ـ كما تعلم ـ نحبُّ آل البيت، ولهم عندنا مقامات معلومة تُزار، ولهم موالد يُحتفل بها، مثل سيدنا الحسين، والسيدة زينب في القاهرة، والسيد أحمد البدوي في طنطا، وغيرهم.
ولم يكن مشايخنا من علماء السُّنَّة يذكرون لنا الشيعة بمدح ولا بقدح؛ ولهذا نشأ جمهورنا في غفلة «شبه أُمِّيَّة» عن الشيعة وأصولها وأفكارها. حتَّى فوجئنا في السنوات الأخيرة أنَّ بعض المصريين قد تخلَّوا عن سُنِّيَّتهم، واعتنقوا مذهب الشيعة، وعندنا منهم مَن يكتب في الصحف، ومَن يصدر النشرات، ومَن يؤلف الكتب في انتقاص مذهب أهل السُّنَّة والجماعة، والدعوة إلى التشيُّع، الَّذي بدا لنا أنَّه يخالف ما كنَّا نفهمه عنه. ووجدنا في بعض المجالس أناسًا قالوا لنا: إنَّهم يعملون لحساب إيران، يهاجمون أهل السُّنَّة في الماضي والحاضر. واختلط علينا الأمر، فليس عندنا أيُّ ثقافة واقية، على حين أرى الآخرين مدرَّبين مجتهدين لإثارة الشبهات، وتحريف الكلم عن مواضعه، بل اختراع المفتريات، لغزو المجتمع السنيِّ، المشغول بنفسه ولقمة عيشه، وخلافاته الداخلية.
فهل هناك فرق واضح بين مذهبي السُّنَّة والشِّيعة؟ وفيم يتجسَّد هذا الفرق؟ وما موقف الشِّيعة حقيقة من القرآن والسُّنَّة والصحابة؟ وما منزلة الأئمَّة الاثني عشر عندهم؟
ولماذا تتركونا ـ معشر علماء السُّنَّة ـ دون حصانة فكرية ثقافية تمثل الحدَّ الأدنى الَّذي يجب على السُّنِّي أن يعرفه عن الشِّيعة؟
أعتقد أنَّ عليكم مسؤولية كبيرة أمام الله وأمام الأمَّة، وأنت خاصَّة عليك مسؤولية أكبر؛ لأنَّ النَّاس تثق بعلمك، وتثق بإنصافك، وتثق بشجاعتك، وتثق بغيرتك على دينك.
أرجو ـ ومعي كثير من زملائي ـ بيانًا شافيًا في الموضوع، يوضِّح الأمور، ويشرح الصدور، والله يهدي مَن يشاء إلى صراط مستقيم.
رجاؤنا ألَّا تهمل الموضوع أو تؤجِّله، حفظكم الله وسدد خطاكم.
د. عبد الله سالم
أستاذ جامعي
الجواب / الاستشارة
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فقد نكأ الأخ الكريم برسالته الصريحة القوية المباشرة: جرحًا، طالما سكتنا عليه، وحاولنا أن نكفكف من سيلانه، بالتغطية على الجرح، أو بمداواته بالمسكنات الَّتي لا تُعالج الجرثومة من جذورها. وكنَّا لعقود طويلة نحذِّر ونحذِّر من الدخول في هذه الموضوعات، حتَّى لا نثير خلافًا طائفيًّا، أو نوقظ فتنة نائمة. وتركنا إخواننا من أهل السُّنَّة غُفلًا من أيِّ ثقافة تحصينية، في حين كان هناك «كوادر» تُعَد وتهيَّأ وتُثقَّف وتُدرَّب للتبشير بالمذهب بين أهل السُّنَّة. فلما وُجدت الفرصة اغتنموها بسرعة، ورمَوا شباكهم على فرائسهم، فوقع فيها مَن وقع. صحيح أنَّهم عدد قليل، ولكن القليل قد يكثُر ما دام الباب مفتوحًا، وما دامت الأسباب قائمة. والمسؤولية الأولى مسؤوليتنا نحن علماء السُّنَّة، الَّذين أخذ الله علينا الميثاق أن نبيِّن للنَّاسِ الحقَّ ولا نكتمه. ويتأكَّد هذا الواجب إذا رأينا الخطر يتجسَّد أمامنا في حملات منظمة، يقوم عليها رجال متحمِّسون، وليسوا مجرَّد موظفين، وتحت أيديهم مليارات مرصودة لهذا الغرض، ومن خلفهم دولة عقائدية قوية وغنية تغذيهم وتسندهم.
ولقد اشتركت في مؤتمرات التقريب بين السنة والشيعة، في الرباط، وفي البحرين وفي دمشق، وفي الدوحة، وزرت إيران، ولقيت رئيس الجمهورية، الرجل المثقف السيد محمَّد خاتمي، ولقيت الملالي وآيات الله في أكثر من مدينة. وفي كلِّ هذه اللقاءات كنتُ أؤكِّد على جملة أمور:
1 ـ الإعلان بأنَّ القرآن ـ كما هو مطبوع في مصاحف المسلمين ـ هو كلام الله المنزل، وكتابه المحفوظ، الَّذي لا يقبل الزيادة ولا النقصان، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
2 ـ الكفُّ عن سبِّ الصحابة @ ، فهم الَّذين نقلوا إلينا القرآن، ورووا لنا السُّنَّة، وفتحوا الفتوح، وأثنى الله عليهم ورسوله.
3 ـ أن نكفَّ عن محاولة نشر المذهب في البلد الخالص للمذهب الآخر. وهو ما سماه العلامة الشيخ محمَّد مهدي شمس الدين في لبنان: الامتناع عن التبشير بالمذهب في بلاد المذهب الآخر.
4 ـ الاعتراف بحقوق الأقليَّة، سنيَّة كانت أو شيعيَّة.
ومع تصديق إخواننا الشيعة لمقولتنا نظريًّا، فإنَّهم لم يفوا بها عمليًّا، وخصوصًا بالنسبة للمبدأ الثالث هنا، التبشير بالمذهب، فقد رأيناهم ـ في غفلةٍ منَّا إلى حدِّ السذاجة ـ يخترقون مجتمعاتنا السنية، مستغلين إعجاب أهل السُّنَّة بمواقفهم السياسية والعسكرية، ليتسلَّلوا منها للدعاية للمذهب.
لقد كانت مصر بلدًا سنيًّا خالصًا، وكذلك السودان وليبيا والجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا، كلُّها ليس فيها شيعيٌّ واحد، برغم الحكم الفاطمي الَّذي سيطر عليها قرونًا، ولكن لم يستطع أن يؤثِّر في الشعب، برغم الإغراءات الكثيرة الَّتي كانت تُعرض على النَّاس، فقد كان الشعار المرفوع عندئذ في مصر: مَن لعن وسبَّ فله دينار وأردب. أي مَن لعن الصحابة وسبَّهم فله من النقود دينار ذهبي، ومن الحبوب أردب من القمح!
ومنذ حكم صلاح الدين الأيوبي مصر، أصبحت سنيَّة (100 %)، وأصبح أزهرها قلعة لمذهب السنة، ومضت القرون وهي كذلك، حتَّى كانت سنوات الفتنة الأخيرة، وفوجئ النَّاس ـ كما قال الأخ الدكتور في سؤاله ـ بمَن يعلن عن تشيعه، ومن يدعو إليه. فكان لا بدَّ من البيان، فهذا وقت الحاجة إليه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقته. وهنا وجب أن نجيب عن أسئلة الأخ الكريم.
هل هناك فرق واضح بين مذهب السنة ومذهب الشيعة؟ وفيم يتمثَّل ذلك؟
ونقول في الجواب: هناك من الشيعة من لا نرى بيننا وبينهم فرقًا يذكر، لا في الأصول ولا في الفروع، مثل الشيعة الزيدية، الَّذين يعيشون في اليمن، والذين يعترفون بكتب أهل السُّنَّة، مثل البخاري ومسلم وبقية الكتب الستة، والموطأ ومسند أحمد، وسائر دواوين كتب الحديث. وبعض كتبهم لا تختلف عن كتبنا في المصادر وفي الاتجاه، مثل «الروض النضير» في شرح مجموع الإمام زيد 3 . وقد يوجد خلاف في بعض فروع العقيدة، مثل بعض ما يوجد بين السنة والمعتزلة، ولكن الزيدية يترضّون عن الصحابة، ويؤمنون بأنَّ القرآن لا زيادة فيه ولا نقصان، إلخ.
ولكنَّ الخلاف في هذا المجال هو بين السُّنَّة والشِّيعة الإمامية الاثني عشرية، وهم الَّذين جاء السؤال بطلب الفرق بين مذهبنا ومذهبهم. والجواب بيِّنٌ واضح.
أمَّا في الأمور الفقهيَّة والأحكام الفرعية، فلا يوجد فرق يُذكر من الناحية العمليَّة، والفرق بين مذهب الإمامية أو الجعفرية وبين المذاهب السنية، كالفرق بين مذاهب السنة غالبًا بعضها وبعض، ونجد إمامًا كالشوكاني يذكر مذاهب آل البيت في كتابه «نيل الأوطار» ولا يجد السُّنِّي حرجًا من ذكرها، ولا يجد فرقًا كبيرًا بينها وبين غيرها.
هناك أشياء عمليَّة منكرة عند الشيعة مثل الشهادات الثلاث في الآذان، بزيادة: وأشهد أن عليًّا وليُّ الله! ولكنَّ علماءهم مجمعون على أنَّ هذه زيادة منكرة عندهم، ولا أصل لها في فقههم، وإنَّما تركوها خشية هياج العوام!
الخلاف الحقيقيُّ بين المذهبين إنَّما هو في الأصول لا الفروع، في المبادئ لا في التفصيلات. ولذا كان العنوان الأوضح لهذا الخلاف أنَّه بين الفرقتين: أهل السُّنَّة والجماعة من جانب، والشيعة الإمامية من جانب، وليس بين المذهبين الفقهيَيْن.
وأهل السُّنَّة مع الشيعة على أقسام ثلاثة: طرفين وواسطة.
مكفِّرو الشيعة:
فالطرف الأول، هم الَّذين يكفِّرون الشيعة، ويخرجونهم من ملَّة الإسلام، وهو اتجاه السلفيِّين عامَّة، وخصوصًا الغلاة منهم، الَّذين يكفِّرون كثيرًا من أهل السُّنَّة، ممَّن يخالفونهم في بعض الآراء، أو يرتكبون بعض المخالفات الَّتي تحتمل التأويل.
ولعلَّ أهم مَن كتب معبِّرًا عن ذلك كتابة علميَّة رصينة، لها اعتبارها، هو العلَّامة السيد محبُّ الدين الخطيب المؤرِّخ والمحقِّق، وصاحب مجلتي الفتح والزهراء، اللتين حملتا لواء الإصلاح في زمنهما، ورئيس تحرير صحيفة «الإخوان المسلمون» اليومية، ورئيس تحرير مجلة الأزهر لعدة سنوات.
كتب الأستاذ الخطيب رسالته المركزة الشهيرة تحت عنوان: «الخطوط العريضة للأسس الَّتي قام عليها دين الشيعة الإمامية الاثني عشرية»، وأثار قضايا خطيرة عن القرآن عند الشيعة والقول بتحريفه ونقصه، ومَن ألَّف في ذلك من الشيعة، وخصوصًا كتاب «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربِّ الأرباب» أي القرآن العظيم، للنُّوري الطبرسي، الَّذي احتفل الشيعة بوفاته احتفالًا كبيرًا، ودفنوه بالقرب من قبر الإمام علي 3 .
وبيَّن موقف الشيعة من السنة، وموقفهم من الصحابة، ومن التقية، ومن عدَّة أمور، باين فيها مذهبهم مذهب أهل السُّنَّة مباينة واضحة قاطعة.
وكتب محبُّ الدين الخطيب عدَّة كتب ورسائل يدافع فيها عن الصحابة، مثل تحقيقه وتعليقه ونشره للجزء الخاص بموقف الصحابة من كتاب العلامة المالكي القاضي أبي بكر بن العربي، المعروف باسم «العواصم من القواصم». ومثل حواشيه على كتاب «المنتقى» من منهاج الاعتدال للذهبي. كما كتب كتابًا سمَّاه «مع الرعيل الأول»، أبرز فيه مكانة الصحابة في الدين وجهادهم وجهودهم في نصرة خاتم النبيِّين.
وبعد ذلك بمدَّة، ظهر كتاب العالم الباكستاني الشهير إحسان إلهي ظهير، الَّذي وسَّع ما كتبه الخطيب، ودلَّل عليه من كتب الشيعة، ووقف بالمرصاد لردِّ دعاوى الشيعة، وإبطال شبهاتهم، حتَّى انتهى به الأمر إلى اغتياله في أحد الاحتفالات، وقد اتُّهم الشيعة بتدبير اغتياله.
ورأيي أنَّ في هذا الموقف بعض الغلو ضد عموم الشيعة، ولا سيما أن قضية التكفير ـ بمعنى الاتهام بالكفر الأكبر المخرج من الملة ـ قضية خطيرة، وقد كتبتُ فيها من زمن طويل: رسالتي «ظاهرة الغلو في التكفير»(1)، وأرى الواجب في هذا المقام وجوب التحرِّي والتدقيق والأناة وطول البحث والمشاورة، قبل الحكم على فردٍ بالكفر، فكيف بالحكم على جماعة تُعَد بعشرات الملايين؟!
ومهما يجد العالم المسلم من ثغرة للتأويل، يُخرج بها خصمه من الكفر فليفعلْ، ولا يُكفِّر إلَّا بالقطعي الَّذي لا يحتمل غير الكفر بحال، من الأقوال أو الأفعال. على أن من الإنصاف أن نقول: إنَّهم يكفرون العموم، ولا يكفرون المعيّن إلَّا بشروط.
وفي هذا الجزء من الفتاوى فتوى عن التكفير وضوابطه، وهي الفتوى السابقة، فلتراجع.
حتى حديث افتراق الأمَّة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النَّار إلَّا واحدة، نسب الفرق الهالكة إلى الأمَّة، ولم يخرجها منها حين قال: «ستفترقُ أُمَّتي»(2).
وأودُّ أن أقول: إنَّ لدى الشيعة أيضًا غلاة مكفِّرين لأهل السُّنَّة، نقلنا بعض أقوالهم في مناسبات أخرى. حتَّى إن منهم من كفر الصحابة @ ، ومنهم من كفر الأمَّة كلها إلَّا فرقتهم، كما في كتاب «الأنوار النعمانيَّة» للشيخ نعمة الله الموسوي الجزائري.
الذين ينظرون إلى الشيعة من خلال مواقفهم السياسية:
والطرف الثاني، المقابل لهؤلاء المكفِّرين الَّذين لا ينظرون إلى الشيعة من خلال معتقداتهم ولا أصولهم، الَّتي خالفوا بها جماهير الأمَّة المسلمة، ولا موقفهم من القرآن والسُّنَّة والصحابة، ولا إلى قولهم بأن الأئمَّة معصومون ويعلمون من الغيوب ما لا يعلمه الأنبياء، ولا إلى قولهم بأن إمامة هؤلاء من أصول الدين، ومن أنكرها فهو كافر، ولا إلى سلوكياتهم العجيبة الَّتي تحيِّر الألباب، مثل إحيائهم مأساة الحسين 3 ، كلَّ عام، بلطم الخدود، وضرب الصدور إلى حدِّ إسالة الدم، وشقِّ الجيوب، وقد مضى عليها أكثر من ثلاثة عشر قرنًا، ومثل إيمانهم بأن المهدي موجود، وأنه دخل سردابًا لم يخرج منه، منذ أكثر من أحد عشر قرنًا، وهو خلاف سُنَّة الله المعتادة في البشر عامة، وفي هذه الأمَّة خاصَّة.
أغفل هؤلاء كلَّ ذلك ونظروا إلى الإنجازات السياسية الَّتي قامت بها ثورة الإمام الخميني، وأبرز ما فيها تحدِّي أمريكا الشيطان الأكبر، وربيبتها إسرائيل، وتزعُّم «حزب الله» الشيعي المقاومة في لبنان، وتحقيق نصر عليها، خصوصًا في صيف سنة 2006م.
ومن أجل ذلك يجب أن نسكت عن مذهبهم وعن معتقداتهم، وعن خططهم لغزو المجتمعات السنية، وما رُصد لذلك من ملايين، بل بلايين، وما أُعد لذلك من رجال قادرين على النزال، في حين لا يوجد لدى أهل السُّنَّة أيَّ دفاع، كما قال الأخ السائل: إنَّ علماءهم لم يحصِّنوهم بأيِّ ثقافة واقية، وتركوا صدورهم عارية؛ لأيِّ سهام توجَّه إليهم من يمين أو شمال.
وأرى هنا ضرورة التفريق بين الموقف السياسي والمذهب العقائدي، نؤيدهم في موقفهم من أمريكا وإسرائيل، ونساندهم في موقفهم النووي، ونقاوم كلَّ محاولة للتدخل في حرمانهم من حقِّهم في الطاقة النووية، ونقف بكلِّ قوة ووضوح ضد أمريكا إذا هدَّدت بضربة عسكرية. وهو ما أعلنتُه بحمد الله بكل صراحة، وقلت: سنقاتل أمريكا إذا قاتلت إيران. وقد نشرت ذلك أجهزة الإعلام الإيرانية، وأثنوا عليه، واتصلوا بي ليشكروني. وأنا لم أقل إلَّا ما أعتقده حقًّا.
ولقد ناصرت حزب الله في حربه مع إسرائيل، ورددت على العالم السعودي الكبير الشيخ ابن جبرين، في حلقة كاملة من حلقات «الشريعة والحياة». وفي هذا الجزء فتوى حول هذا الموضوع.
ولكن يبقى تحفُّظنا على المذهب قائمًا، ويبقى موقفنا من أصوله واضحًا، ويبقى موقفنا من نشر المذهب في ديارنا السنيَّة ومجتمعاتنا المسالمة جليًّا وثابتًا.
فئة الوسط:
وبين الطرفين المذكورين تقوم الفئة الوسط، الَّتي تعارض الشيعة فيما تختصُّ به من معتقدات وأصول، وما تتفرَّد بها من سلوكيَّات أو شعائر. مثل الشهادات الثلاث في الأذان، ومثل إحياء البلوى بمصيبة الحسين كل عام؛ مع أن الَّذي جاءت به السنة: أن لا عزاء بعد ثلاثة أيام! ولكن هؤلاء لا يصلون بالشيعة إلى حدِّ الكفر البواح، أو الكفر الأكبر. إلَّا ما لا يحتمل التأويل ويقطع بكفر صاحبه.
وأنا من هؤلاء الَّذين لا يكفرون الشيعة، ولكن يخالفونهم في جملة قضايا أساسية:
1 ـ موقفهم من القرآن:
في موقفهم من القرآن، وإن كنتُ أكَّدتُ مرارًا أنَّهم يؤمنون بهذا القرآن الَّذي نحفظه جميعًا، ويعتقدون أنه كلَّه كلام الله، والمصحف الَّذي يطبع في إيران هو نفسه الَّذي يطبع في مكة والمدينة والقاهرة، وهو الَّذي يحفظه أبناؤهم في المدارس، والذي يستدل به علماؤهم في الأصول والفروع، والذي يفسره شيوخهم في كتبهم. ولكن لديهم مَن يقول: إن هذا القرآن لا يحوي كلَّ شيء، فهناك أشياء حُذفت منه سيأتي بها المهدي عند ظهوره.
وكثير من مشايخهم ـ بل ربَّما أكثرهم ـ لا يؤمنون بذلك، ولكنهم لا يكفِّرون مَن قال ذلك، وهو خلاف موقفنا أهل السُّنَّة؛ فمن يقول بالنقصان أو الزيادة في القرآن فهو كافر بلا ريب!
ثم إن هذه الأقوال موجودة في كتبهم المعتمدة مثل «الكافي» الَّذي هو كالبخاري عندنا، وهذه الكتب تُطبع وتُترجم، وتُنشر وتُوَزَّع في العالم على نطاق واسع، دون تعليق عليها أو نقد لها. وقد قيل: السَّاكت عن الحقِّ كالنَّاطق بالباطل!
2 ـ موقفهم من السنة:
وكذلك موقفهم من السُّنَّة، فنحن عندنا: السُّنَّة هي سنة محمَّد رسول الله . وهو الَّذي خصَّه الله بالعصمة، وأمر الأمَّة بطاعته بجوار طاعته 8 .
﴿قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا۟[النور: 54]، ﴿وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[النور: 56]، ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ[النساء: 59]، ﴿قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْكَٰفِرِينَ[آل عمران: 32].
﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ[النساء: 80]، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ ٣ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌۭ يُوحَىٰ[النجم: 3، 4]، إلى غيرها من الآيات الكثيرة الوفيرة.
ولكن عند الشيعة: السُّنَّة سُنَّة الرسول والمعصومين، أي سُنَّة الرسول والأئمَّة الاثني عشر أو الأحد عشر. فهؤلاء يجب أن يطاعوا، كما يطاع الله ورسوله المؤيد بالوحي. فقد أضافوا إلى ما أمر به القرآن من طاعة الله ورسوله، طاعة مخلوقين لم يأمر الله بطاعتهم.
فضلًا عمَّا نأخذه عليهم من الأخذ عن غير الثقات المشهورين بالعدالة وتمام الضبط.
ولذا لا تُقبل مصادرنا من كتب السنَّة عندهم، لا البخاري ولا مسلم، ولا بقيَّة الكتب الستَّة، ولا الموطأ ولا مسند أحمد، ولا غيرها.
3 ـ موقفهم من الصحابة:
الموقف من الصحابة: وهو موقف مبدئي وأساسي عند الشيعة، وهو فرع عن أصل ثابت، ونتيجة لمقدمة مسلمة. هذا الأصل أو المقدمة عندهم: أنَّ الرسول نص على أن يخلفه عليٌّ بعده، وأن الصحابة أخفوا هذه الوصية، وغصبوا عليًّا حقَّه جهارًا نهارًا، وخانوا رسولهم الَّذي هداهم الله به، وعاشوا حياتهم في نصرته، وفدَوه بأرواحهم، وما ملكت أيديهم. والعجيب أن يجمعوا على ذلك، وأن يسكت عليّ فارس الإسلام عن إعلان حقه، ويبايع أبا بكر، ثمَّ عمر، ثمَّ عثمان. ولم يقل لأي منهم: إن عندي وصية من رسول الله، فلماذا تتجاهلونها؟ ولماذا تجعلونها شورى في ستة وتشغلون أنفسكم: من الَّذي يقع عليه الاختيار، والأمر محسوم بالوصية النبويَّة؟ لماذا لم يصدع عليّ بما عنده من أمر؟ ثمَّ إذا كان الحسنُ بن عليٍّ منصوصًا على خلافته، كيف يتنازل عنها مختارًا، ويسلِّمها إلى معاوية؟! وهل يكون من حقِّه ذلك إذا كان مكلَّفًا من الله بذلك؟ وكيف يثني رسول الله عليه بتنازله عن مهمته المنصوص عليها؟!
أسئلة لا جواب عليها عند القوم.
وهذه الصورة عن الصحابة صورة قاتمة وزائفة، لا تمت إلى حقيقتهم بصلة، وهي مناقضة كل المناقضة لما ذكره الله عنهم في عدد من سور القرآن، مثل أواخر الأنفال: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ[الأنفال: 74]، وسورة التوبة: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَٰنٍۢ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَٰرُ[التوبة: 100]. حتَّى الَّذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وفي طليعة السابقين الأولين من المهاجرين: أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير. وفي سورة الفتح، في وسطها: ﴿لَّقَدْ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَٰبَهُمْ فَتْحًۭا قَرِيبًۭا[الفتح: 18]. وفي آخرها قوله سبحانه:﴿مُّحَمَّدٌۭ رَّسُولُ ٱللَّهِ ۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَىٰهُمْ رُكَّعًۭا سُجَّدًۭا يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًۭا ۖ سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِى ٱلْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسْتَغْلَظَ فَٱسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةًۭ وَأَجْرًا عَظِيمًۢا[الفتح: 29].
وسورة الحشر﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلْمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًۭا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ٨ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَٰنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةًۭ مِّمَّآ أُوتُوا۟ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌۭ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ[الحشر: 8، 9]، وغيرها.
وما ذكرته السُّنَّة المشرَّفة تنويهًا بفضلهم عمومًا وخصوصًا، واعتبار قرنهم خير القرون بعد رسول الله.
وما سجَّلته وقائع التاريخ عنهم، فهم الَّذين حفظوا القرآن، وعنهم تلقته الأمَّة.
وهم الَّذين رووا السُّنَّة، ونقلوها أقوالًا وأفعالًا وتقريرات إلى الأمَّة.
وهم الَّذين فتحوا الفتوح، وقادوا الأمم إلى التوحيد ورسالة الإسلام، وقدَّموا لها النماذج القرآنية الَّتي بها يُقتدَى فيُهتدى.
4 ـ إمامة عليٍّ والاثني عشر من ذريته من أصول الإيمان، ومن لم يؤمن بها فهو كافر:
ومما يخالف فيه الشيعة الإمامية الاثنا عشرية: أهل السُّنَّة والجماعة، في مجال العقيدة: اعتبارهم إمامة سيدنا علي وبنيه من ذرية الحسين، من أصول الإيمان، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. فلا يصح إيمان مسلم، ولا يقبل عند الله تعالى، إذا لم يؤمن بأنَّ عليًّا خليفة منصوص عليه من الله تبارك وتعالى، وكذلك الأحد عشر إمامًا من ذريته. ومن أنكر ذلك أو شكّ فيه فهو كافر مخلد في النَّار. وهذا ما نصوا عليه في رواياتهم المستفيضة في «الكافي» وغيره، وما نصت عليه كتب عقائدهم.
وعلى هذا الأساس نرى عامتهم يكفرون أهل السُّنَّة عامة؛ لأنَّهم يخالفونهم في هذه العقيدة، بل ينكرونها أصلًا، ويعتقدون أنَّها باطلة مكذوبة على الله ورسوله.
بل هم يكفرون الصحابة الَّذين لم يعترفوا بها لعليٍّ 3 ، ويكفرون الخلفاء الراشدين الثلاثة الَّذين سبقوا عليًّا: أبا بكر وعمر وعثمان، ومن رضي بهم من صحابة رسول الله. ونحن نعلم أنَّ كل الصحابة قد رضي بهم، حتَّى علي نفسه. تأخر في أوَّل الأمر عن مبايعة أبي بكر، ثمَّ بايعه.
وقال له: إنّا لا ننكر فضلك ومنزلتك يا أبا بكر، ولكن كنَّا نرى لنا في هذا الأمر حقًّا، لقرابتنا من رسول الله(3). ولم يذكر أنَّ لديه نصًّا، من الله ورسوله.
ونحن أهل السُّنَّة والجماعة ـ نرى قضية الإمامة وما يتفرع عنها ـ من فروع الدين العمليَّة، لا من أصوله الاعتقاديَّة، فأولى ما تبحث في كتب الفقه والأحكام العمليَّة، لا في كتب العقائد وأصول الدين. وإن كان أهل السُّنَّة اضطروا ـ من الناحية الواقعية ـ أن يتكلَّموا عنها في كتب العقائد ليردوا على نظريات الشيعة ومقولاتها فيها.
نقل العلَّامة الشيخ محمَّد عرفة عضو هيئة كبار علماء الأزهر في زمنه من كتب العقائد عند الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة: ما يؤكد ما قلناه عنهم:
قال 5 : «إذا رجعنا إلى كتب العقائد عندهم، وجدناها توافق الروايات الَّتي قيلت، وها نحن أولاء نهرع إليها، فننقل منها مذاهبهم في أشد ما ذكرناه خطورة، وهي «الإمامة» وما يتعلَّق بها من تكفير الصحابة والخلفاء الراشدين الثلاثة، ومن تكفير المسلمين من يوم توفي النَّبيّ  ، إلى يومنا هذا؛ لأنَّهم لم يقولوا بإمامة علي وإمامة الأئمَّة الاثني عشر، ننقله عن رئيس المحدّثين أبي جعفر الصدوق محمَّد بن علي بن الحسين بن بابويه القُمِّي المتوفى سنة (381هـ) ـ وهو ثاني المحمدين الثلاثة، وصاحب كتاب: «من لا يحضره الفقيه»، أحد الكتب الأربعة الَّتي يعتبرها الشيعة أصول مذهبهم ـ في «رسالة الاعتقادات» قال: «واعتقادنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والأئمَّة من بعده أنه كمن جحد نبوة جميع الأنبياء، واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمَّة أنه بمنزلة من أقر بجميع الأنبياء، وأنكر نبوة نبينا محمَّد  ». وقال في رسالة «الاعتقادات» أيضًا: قال النَّبيُّ  : «من جحد عليًّا إمامته بعدي فقد جحد نبوَّتي، ومن جحد نبوَّتي فقد جحد اللهَ ربوبيَّتَه».
وقال النَّبيُّ : «يا عليُّ، أنت المظلوم بعدي، ومن ظلمك فقد ظلمني، ومن أنصفك فقد أنصفني، ومن جحدك فقد جحدني».
وقال الصادق 0 : : المنكر لآخِرنا كالمنكر لأوَّلنا.
وقال النَّبيُّ : «الأئمَّة من بعدي اثنا عشر: أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وآخرهم المهدي القائم، طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي، من أنكر واحدًا منهم فقد أنكرني». وقال الصادق: من شكَّ في كفر أعدائنا والظالمين لنا، فهو كافر(4)»(5).
5 ـ دعوى الوصية النبويَّة لعلي فيها تهوين للأمَّة:
ثم إنَّ دعوى وصية رسول الله ، إلى علي بالخلافة، تسلب الأمَّة حقَّ الولاية على نفسها، في اختيار حكامها بنفسها، تحقيقًا لمبدأ الشورى الَّتي جعلها الله من خصائص مجتمع المؤمنين،﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ[الشورى: 38].
وكأنَّ الأمَّة قاصرة أبدَ الدَّهر، حتَّى يعيَّن لها بالنصِّ مَن يحكمها ويقودها. ويتحتَّم أن يكون حكَّامها من بيت معيَّن، ومن فرع خاصٍّ من هذا البيت، مع أن الأصل أن النَّاس جميعًا سواسية، وأن يقودهم مَن يرضونه لقيادتهم، وهو أقدر على تحمُّل المسؤولية، وقيادة السفينة.
أعتقد أن تصوُّر أهل السُّنَّة للدولة الإسلاميَّة هو التصوُّر المعبر عن حقائق الإسلام، الَّتي جاءت بها محكمات القرآن والسُّنَّة الصحيحة، وهو الأقرب لما ينادي به العالم اليوم من حق الشعوب في حكم نفسها، وأبعد عن الحكم الثيوقراطي، أو الحكومة الدينية الَّتي تحكم الأرض باسم السماء، وتتحكَّم في رقاب النَّاس وضمائرهم باسم الدين والكهنوت، الَّذي لا يملك النَّاس أمامه إلَّا أن يُذعنوا ويقولوا: سمعنا وأطعنا.
وقد شاء القدر أن يردَّ على الشيعة بحكم التاريخ والواقع الزمني، فقد اختفى الإمام الثاني عشر، كما زعموا، وبقي النَّاس بلا إمام معصوم أكثر من أحد عشر قرنًا، فكيف ترك الله النَّاس، ولا هادي لهم؟ إن قالوا: عندهم القرآن والسُّنَّة، فنحن نقول هذا من أوَّل الأمر!
6 ـ تميُّز فئة معيَّنة على سائر الأمَّة:
ثمَّ إنَّ فكرة المذهب الشيعيِّ قائمة على أنَّ فئة معيَّنة من البشر، متميِّزة على خلق الله جميعًا، ولها فضل عليهم جميعًا، بحكم خلقتها، وأنَّها تستحقُّ وحدَها أن تحكمهم وتتولَّى أمرهم وإن لم يختاروها؛ لأنَّها قد اختيرت من السماء.
وهذه الفكرة منافية لفكرة الإسلام العامَّة: أن النَّاس كلَّهم سواسية كأسنان المشط، وأنَّهم جميعًا ينتمون إلى خالق واحد، ويُنسبون إلى أبٍ واحد، وأنَّهم جميعًا خُلقوا من ماء مهين، فلا فضل لأحد منهم على آخر إلَّا بالتقوى. كما أعلن ذلك القرآن بجلاء ناصع:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۭ[الحجرات: 13].
وأنَّ النَّاس إنَّما يتفاضلون بأعمالهم لا بأنسابهم، ومن بطَّأ به عمله، لم يسرع به نسبه، والقرآن يقول: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ[المؤمنون: 101]. ثمَّ ذكر أن الحَكَم بين النَّاس هو الميزان، الَّذي يوضع يوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا. وأن النَّاس هم الَّذين يختارون أمراءهم في إطار الشورى، ويبايعونهم بيعة مشروطة بالالتزام بحدود الله، وحقوق النَّاس.
الرسول الكريم هو وحده الَّذي اصطفاه الله بالوحي،﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ[الأنعام: 124]، ومَن عداه فهو بشر من البشر.
ثمَّ إنَّ الواقع التاريخيَّ يدلُّ على أنَّ هؤلاء الَّذين زعموا أنَّهم منصوص على ولايتهم على الأُمَّة، لم يَلُوا من أمرها شيئًا، وعاشوا كغيرهم من النَّاس، يجري عليهم حكم الآخرين، ما عدا عليًّا 3 . وهم في العلم لم يُعرف عدد منهم بالتفوُّق والإمامة في العلم، وبعضهم كانوا من سادة الفقهاء كغيرهم من نظرائهم من نوابغ الأمَّة، كالباقر والصادق ^ .
7 ـ انتشار البدع الشركيَّة بين الشيعة:
ومما يؤخذ على الشيعة: انتشار البدع الشركيَّة بينهم، وتقديس القبور والمزارات والمشاهد لأئمتهم وشيوخهم، والسجود عندها، وطلب الشفاعة منها، وسؤالهم أن يجلبوا الخير لزائريهم، وأن يدفعوا الشر عنهم، فهم يملكون النفع والضر، والإفقار والإغناء، والإسعاد والإشقاء. وقد رأيت بعينَيْ رأسي في مشهد في زيارة قبر الإمام الرضا كيف يسجد الزائرون قبل القبر بعشرات الأمتار، ويزحفون ساجدين إليه، وهذا برضا علمائهم وتشجيعهم.
وهذا بخلاف ما قد يحدث عندنا أهل السُّنَّة من العوام في زيارة قبور الأولياء وآل البيت، فهناك انحرافات موجودة ومنكرة، ولكن علماء السُّنَّة ينكرون على فاعلها، ويغلظون في ذلك، وهذا الفرق المهم بيننا وبينهم: أن ما يقع من العوام عندنا ينكره العلماء عليهم ويشددون النكير، بل قد يوجد من يكفرهم! وما يوجد من انحرافات شركيَّة عندهم، إنَّما هي بتحريض من علمائهم، ورضا من جهتهم.
8 ـ الشيعة وتشويه التاريخ:
ثمَّ إنَّ مقولة الشِّيعة عن الصحابة وتابعيهم وأتباعهم واتهامهم بكل سوء: يشوه تاريخ الأمَّة في خير قرونها، قرون الفتوحات والانتصارات، وإدخال الأمم في الإسلام، وبناء الحضارة على أسس العلم والإيمان والأخلاق، والأمم الَّتي لها تاريخ مجيد، مثل أمَّة الإسلام، تسعى لبناء نهضتها على أساس من تاريخها، يصل حاضرها بماضيها، ويتخذ من أمجاد الآباء والأجداد سلّما لتحفيز الأبناء والأحفاد.
أمَّا هؤلاء، فتاريخ الأمَّة عندهم ظلمات بعضها فوق بعض، وهذا ما دفعني إلى أن أصدر كتابي: «تاريخنا المُفْتَرى عليه» لأنصف هذا التاريخ، وأرد على المفتريات والشبهات عنه. وهو ما لم يعجب الشيعة، بل أزعجهم، وكتب أحدهم كتابًا يرد عليَّ، سمَّاه «القرضاوي وكيل الله أم وكيل بني أمية؟»(6).
9 ـ التقيَّة:
ومما يُؤخذ على المذهب الشيعي في السلوك: اتخاذه «التقيَّة» مبدأ وأساسًا في السلوك والتعامل مع النَّاس. فهم يتدينون بهذا: أن يُظهر الشيعيُّ غير ما يبطنه، وأن يكون له وجهان يلقى بأحدهما بعض النَّاس، ويلقى آخرين بالوجه الآخر، وكذلك له لسانان.
وهم يستدلُّون على هذا بقول الله تعالى:﴿لَا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةًۭ[آل عمران: 28].
وواضح أن الآية تستثني حالة الضرورة الَّتي يلجأ فيها المسلم إلى مثل هذا الموقف، فرارًا من الهلكة، أو من ضرر كبير يحيق به، فهي حالة استثنائية أشبه بقوله تعالى:﴿مَنْ كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَٰنِ[النحل: 106].
فهذه حالات استثنائية لا تمثل قاعدة في السلوك، بل يُلجأ إليها عند الضرورات الَّتي تبيح المحظورات، وهي تقدر بقدرها، ولا يلحق بها غيرها؛ لأنَّ ما جاء على سبيل الاستثناء يُحفظ ولا يُقاس عليه.
ولكن الشيعة الإمامية جعلوا هذا أصلًا في تعاملهم ونقلوا عن أئمَّتهم ما يبرِّر لهم ذلك، فعن جعفر الصادق أنَّه قال: التقيَّة ديني ودين آبائي. قال ابن تيمية معلِّقًا على هذه الكلمة: وقد نزَّه الله أهل البيت عن ذلك، ولم يُحْوجهم الله إليه، فكانوا من أصدق النَّاس، وأعظمهم إيمانًا، فدينهم التَّقوى لا التقيَّة(7).
رأي كبار علماء الأزهر في الشيعة:
وأحبُّ أن أقول هنا: إنَّ هذا الَّذي سطرته هنا عن مذهب الشيعة الاثني عشريَّة ليس رأيي وحدي، ولكنَّه رأي كبار علماء الأزهر في الشيعة، من أمثال العلامة الشيخ حسنين محمَّد مخلوف مفتي الديار المصرية سابقا، والشيخ محمَّد عرفة عضو هيئة كبار العلماء، ومدير الوعظ والإرشاد في زمنه، والشيخ جاد الحق علي جاد الحق مفتي مصر، وشيخ الأزهر السابق، والشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى في الأزهر، والشيخ الدكتور عبد المنعم النمر، وكيل الأزهر، ووزير الأوقاف في وقته.
ولا يتَّسع المجال هنا لأنقل أقوال هؤلاء العلماء الكبار الَّذين كان لهم وزنهم العلمي ودورهم الإصلاحي في حياتهم، والذين لا يتوجَّه إليهم اتهامٌ بتحيُّز أو تعصُّب أو انغلاق.
وقد ذكر العلامة الشيخ مخلوف أنواع الشيعة، منهم: الشيعة الإمامية الاثنا عشرية. وأنَّهم يزعمون أنَّ الرسول نصَّ نصًّا جليًّا على إمامة علي بعده، وأنه هو وَصِيُّه، ويطعنون في سائر الصحابة، وخاصَّة الشيخين، بل منهم من يُكَفِّرهم. وزعموا انحصار الإمامة في الاثني عشر وآمنوا بعصمتهم، ورجعة المهدي المنتظر، إلخ.
قال الشيخ: وهذا المزيج لا يقره الدين الصحيح في جملته وتفصيله.
فلا عصمة لغير الأنبياء والرسل من الخلق.
ولا انحصار للإمامة في آل البيت، ولا في الاثنيْ عشر.
ولا وصية من الرسول لعلي؛ لا بنص جلي، ولا بنص خفي.
ولا أصل في الدين لخرافة المهدي المنتظر، الَّذي زعموا أنه اختفى، ولا يزال حيًّا في الأرض، وسيظهر في آخر الزمان.
ولا أصل لتقديس من عدا الرسول الأكرم من أهل العباء.
ولا أصل لشدِّ الرِّحال إلى كربلاء والنَّجَف وتقديسهما كما يزعمون.
ولا أصل لاتخاذ عاشوراء يوم حزن وعزاء، بل كل ما ورد في شأنه استحباب صومه.
هذا ما قاله العلامة الشيخ حسنين مخلوف، وقال معه مثله أو أكثر منه إخوانه من العلماء الكبار، كما نقل ذلك الدكتور محمَّد يسري في كتابه الَّذي جمع فيه هذه الأقوال تحت عنوان «فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف في الشيعة وفرقها». وقدَّم له الأستاذان الخُشوعي وقريشي من أساتذة الأزهر. وهي فتاوى علميَّة موثقة بالنقل من كتب الشيعة أنفسهم، ومصادرهم المعتمدة، لا من كتب خصومهم. وأنصح القارئ المسلم الَّذي ينشد الحق أن يقرأ هذه الفتاوى لهؤلاء العلماء في هذا الكتاب.
ولكنِّي أكتفي هنا من هذا الكتاب بتسجيل ما نقله عن الشيخ الدكتور عبد المنعم النمر؛ لأنَّه رجل معروف بانفتاحه على العالم، وانفتاحه على العصر، وقد زار كثيرًا من الأقطار الإسلاميَّة، وعمل مبعوثًا للأزهر في الهند، وألَّف في تاريخ الإسلام في الهند، وكان أوَّل رئيس تحرير لمجلة «الوعي الإسلامي» بالكويت، وله نظرات وكتابات تجديدية. ولذلك لا يُتَّهم بجمودٍ أو تعصُّبٍ.
رأي الدكتور عبد المنعم النمر وزير الأوقاف المصري السابق في الشيعة:
نقل فضيلة الشيخ الدكتور عبد المنعم النمر وزير الأوقاف المصري السابق، في كتابه: «الشيعة، المهدي، الدروز تاريخ ووثائق» الحوار الَّذي دار بينه وبين الشيخ محمَّد علي تسخيري داعية التقريب.
قال 5 : «بسم الله، والصَّلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين. وبعد: فقد رأيت ـ أخي ـ أن أجعل مقدمة هذه الطبعة الرابعة حديثًا جرى بيني وبين سماحة الأخ الشيخ محمَّد علي تسخيري، أحد علماء إيران الَّذي ينوب أحيانًا كثيرة عن حكومته في المؤتمرات والندوات الإسلاميَّة، وهو رجل وسيم فصيح ولبق، إذا تحدث باللغة العربية كان كأحد أبنائها، ويظهر أنه تلقى تعليمه وقضى شطرًا كبيرًا من شبابه في رحاب المدن المقدسة الشيعية في العراق. كان هذا اللقاء في «مسقط» عاصمة سلطنة عمان، وفي رحاب جامعة السلطان قابوس الحديثة والفخمة المتسعة في مبانيها، والتي تقع على بعد نحو (40) كيلو مترًا من العاصمة «مسقط» حيث عقدت «ندوة الفقه الإسلامي» الَّتي دعت السلطنة لعقدها في المدة من (السبت 22 شعبان ـ 9 أبريل إلى الأربعاء 26 شعبان 1408هـ ـ 13 أبريل سنة 1988م) وحضرها كثير من كبار العلماء والمشتغلين بالفقه الإسلامي، والحركة الإسلاميَّة وعلى رأسهم فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشيخ جاد الحق.
التقيت بالشيخ محمَّد علي تسخيري في أوَّل جلسة، وتبادلنا التحية، والمصافحة، وذكرني بأن أوَّل لقاء كان في أحد الملتقيات الفكرية في مدينة قسنطينة بالجزائر في أوائل الثمانينات.
وفي اليوم الثاني خرجنا سويًّا من الجلسة للاستراحة، ودار بيننا حديث بدأه هو، حين قال لي: لقد ظلمتنا حين نسبت إلينا أنَّنا نقول بتحريف القرآن، وأنَّ الصحابة الَّذين جمعوه، قد أسقطوا منه سورًا وكلمات، تثبت حق علي 3 في الإمامة بعد الرسول.
قلت له: نعم؛ ذكرتُ ذلك، معتمدًا على ما جاء في كتبكم، وذكرت هذه الكتب، وعلى رأسها كتاب «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب» الَّذي ألفه عالمكم الكبير «الشيخ حسين النوري الطبرسي» في آخر القرن الثالث عشر الهجري، وطبع في إيران (سنة 1298هـ)، ونقلت بعض ما جاء في هذا الكتاب بالنص، فكيف أكون قد ظلمتكم، وأنا لم أذكر كلمة في ذلك إلَّا من نص كتبكم، وما قرره علماؤكم، وقد أحطتم مؤلف كتاب «فصل الخطاب» هذا بكل تكريم عند وفاته (سنة1320هـ)، حيث دفن في مشهد الإمام المرتضوي بالنَّجف أشرف البقاع عندكم.
قال: هذا الكتاب لا يساوي شيئًا، وأنا أضعه تحت قدمي. «وضرب الأرض بقدمه» وهو منفعل.
قلت له: ولماذا تبقون عليه مُعتبرًا عندكم، إذا كان الأمر كذلك؟ لماذا لم تعلنوا أنكم لا تقرون ما جاء في هذا الكتاب، وتنشروا هذا على نطاق واسع، حتَّى أعلم أنا وغيري أن هذا الكتاب لا يعبر عن رأيكم، ولا رأي المذهب والمتمذهبين به؟ وهل صدر قرار أو بيان على الأقل من المرجع الأعلى للشيعة وهو الآن «آية الله الخميني» بعدم صحَّة ما جاء في كتبكم، وعلى رأسها كتاب الطبرسي هذا، من اتهامكم للصحابة الَّذين جمعوا القرآن بأنَّهم حرفوه؟ وذلك حتَّى تقوموا بحذف هذه الاتهامات من هذه الكتب عند إعادة طبعها، أتعجزون عن هذا؟!
لم يحصل منكم شيء من ذلك، وأنا أعرف أن بعض علمائكم يتبرؤون في مجالسهم من ادعاء تحريف القرآن، لكنَّ الصوت العالي والرواج هو للرأي الَّذي يدعي أنَّ الصحابة حرفوا القرآن، فلماذا لم تصدروا بيانًا للشعب الَّذي يتعلَّم من هذه الكتب، باستنكاركم لهذا الاتهام؟
قال لي: وقد تحدثت أيضًا عن قولنا بأن هناك مصحفًا يقال له: «مصحف فاطمة»، ونحن لا نقول بهذا.
قلت له: نعم؛ تحدثتُ عمَّا تقوله أوثق المصادر عندكم من أن الوحي كان ينزل على السيدة فاطمة 7 بعد وفاة والدها، وكان علي 3 هو كاتب الوحي، حتَّى تجمع من ذلك ما سمَّيتموه «مصحف فاطمة».
وكان أوَّل علمي بهذا اطلاعي على خطبة للخميني أذاعتها إذاعة طهران، قال فيها حين كان يخطب في اجتماع للسيدات، بمناسبة الاحتفال بذكرى مولد السيدة فاطمة 7 : إنني أجد نفسي عاجزًا عن الحديث عن السيدة فاطمة، ولكنِّي أكتفي برواية مدعمة بالأدلة ذكرها كتاب «الكافي»... وذكر للسيدات هذه الرواية.
وكتاب «الكافي» للإمام الكليني عندكم هو البخاري عندنا، وقد اضطرني هذا إلى أن أذهب للنجف في زيارة أحد علمائكم الكبار، واستطعت أن أطلع في مكتبته على ما ذكره من هذا الكتاب «الكافي» وهو مطبوع في إيران.
وقد أثبتُّ في كتابي الجزء والباب الَّذي ذكر نزول الوحي على فاطمة، ومصحفها بكل صراحة. فهل أكون متجنيًا عليكم وظالمًا لكم، حين أستقي معلوماتي من أوثق المصادر عندكم؟ وأنقلها بالنص من كتبكم؟
قال لي: هذه الكتب لا قيمة لها، ولا يوثق بها.
قلت له: كيف، وأنتم تنشرون كتاب «الكافي» هذا على نطاق واسع في العالم، حتَّى في أمريكا، بل وتترجمونه إلى اللغة الإنجليزية ليقرأه كل من يعرف الإنجليزية في الغرب والشرق، وتحت يدي ملازم من الطبعة الجديدة من الترجمة، فهل يمكن أن يقال عن كتاب «الكافي» هذا إنه لا قيمة له عندكم، وأنتم تبذلون ما تبذلون من جهد ومال في طباعته وترجمته بمئات الآلاف من النسخ؛ لتوزعوه في أنحاء العالم كدعاية لكم ولمذهبكم؟ هل يعقل هذا؟!
قال: إنَّ عندكم كتبًا في التفسير فيها كثير من الإسرائيليَّات، فهل معنى ذلك أنكم تقرونها؟
قلتُ: صحيح أنَّ هناك إسرائيليَّات وأحاديث غير صحيحة، ولكن كان بعض المفسرين ينبهون إليها، ويقررون كذبها، ونحن الآن نحاربها ونؤلف الكتب في بيانها والتحذير من تصديقها، وقام بعض علمائنا بتهذيب هذه الكتب وإبعاد ما جاء فيها من إسرائيليَّات، وأحاديث موضوعة وغير صحيحة. بينما نراكم تعنون بتجديد طباعة كتب تقولون عنها الآن إنَّها لا قيمة لها، بل وتترجمونها وتطبعون الترجمة على أوسع نطاق! فأيهما نُصدِّق؟ الكلام الَّذي ينقصه الدليل ولو ضعيفًا، أو الواقع وهو أقوى دليل؟!
وثاني يوم في الجلسة الصباحية أخبرني أحد الإخوة من العلماء أن سماحة الشيخ قد أصابته حالة مفاجئة في القلب ونقل على إثرها لمستشفى السلطان في جناح خاص، فأسفت أن أكون قد تسببت فيما حصل له، وسارعت إلى زيارته في المستشفى حيث وجدته جالسًا على سريره وقد أفاق، فطمأنني إلى أن ما أصابه كان بسبب قرحة في الاثني عشر اشتدت عليه، وأخذ الدواء المناسب لها، وحضر ـ ونحن نتحدث ـ وزير خارجية إيران «سعادة علي أكبر ولايتي» يزور الشيخ فقام بتعريفنا بعضنا لبعض، وجلست قليلًا. ثمَّ استأذنت لأخلي لهما الجو.
وثاني يوم رغب أخي الدكتور محمَّد الأحمدي أبو النور في زيارته فذهبنا سويًّا، ووجدنا حجرته خالية من الزوار، ورغب في استئناف الحديث. فقلت له: موضوع الحرم، كيف تفعلون فيه؟ هذا الَّذي لم يقبله أحد من المسلمين!
قال: إنَّ الإمام الخميني يحتاج إلى فتوى شرعية من علماء المسلمين، وهو يستجيب لها فورًا.
قلت له: وهل موضوع أمن الحرم في حاجة إلى فتوى منَّا بعد النصوص الصريحة الَّتي تؤكد ضرورة الأمن في الحرم. هل بعد قوله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنًۭا[آل عمران: 97]، وبعد أن أمَّن الله كل ما في الحرم، حتَّى الطير والشجر، وحرّم مجرد الجدال فيه، هل بعد هذا نحتاج إلى فتوى من أحد؟ وهل جلب المتفجرات مع حجاج إيران، وتسيير المظاهرات تهتف باسم خميني، تسد الشوارع، وتؤذي المارة فيها، وتتجه إلى دخول الحرم، وهو مزدحم غاية الازدحام، وهي تضم عشرات الآلاف من المتحمسين الثائرين، ونتيجة هذا كله معلومة، هل يتَّفق هذا مع الأمن الَّذي طلب الله منَّا أن نوفره للحرم؟
أخي، حرصتُ على ذكر هذه الوقائع لك لتزداد معرفة بالكتاب الَّذي بين يديك، ولنعرف جميعًا طبائع وسلوك هؤلاء الَّذين نتعامل معهم، نحن المسلمين العرب على الأقل. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
كتاب «كشف الأسرار» للخميني واتهامه للشيخين:
وأمامي الآن الكتاب الَّذي يجادل فيه «رُوح الله خميني» مخالفيه من أهل السُّنَّة، ويسوق الأدلَّة على صحَّة الاعتقاد بالركن الأساس «الإمامة» وضرورة الإيمان به لكل مسلم، وينتهي إلى الآتي: مخالفة أبي بكر لنصوص القرآن»، ويبدأ فيتحدث عمَّا جاء في القرآن عن وراثة الملك: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَٰنُ دَاوُۥدَ﴾ [النمل: 16]، ﴿وَإِنِّى خِفْتُ ٱلْمَوَٰلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا ٥ يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ ۖ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: 5، 6]، إلخ. ليخرج من هذا بصحة نظريتهم في أن عليًّا 3 يرث الملك والحكم عن الرسول  .
ثم أخذ يسوق أدلَّتَه على أنَّ أبا بكر 3 خالف نصوص القرآن حسب هواه وخطته لإبعاد آل البيت عن الحكم، واضطهادهم في معيشتهم حين اخترع حديث: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة»(8).
ثم ينتقل إلى مخالفة عمر 3 لكتاب الله، ويذكر أحداثًا يستنتج منها ما يريده، ويأتي بما حدث من الرسول حين طلب أن يكتب لهم كتابا... إلخ، وقول عمر 3 في ذلك، ثمَّ يقول بعد أن أورد مصادره: «وهذا يؤكد أن هذه الفرية صدرت من ابن الخطاب المفتري»(9) هكذا!
ثم بعد سطرين يقول عن كلمات ابن الخطاب في هذا: إنَّها «قائمة على الفرية، ونابعة من أعمال الكفر والزندقة»! وفي الصفحة نفسها كتب عنوانًا: «خلاصة كلامنا حول ذلك». قال تحته: «من جميع ما تقدم يتضح أنَّ مخالفة الشيخين للقرآن لم تكن عند المسلمين شيئًا مهمًّا جدًّا»(10)، ويعلِّل ذلك بأنَّهما لم يكونا يستمعان لرأي أحد، ولا كانا مستعدين لترك المنصب، ولا كان أهل السُّنَّة مستعدين للتخلي عنهما، حتَّى لو قال عمر: إنَّ الله أو جبريل أو النَّبيَّ قد أخطؤوا في إنزال هذه الآية، كما قاموا بتأييده فيما أحدثه من تغييرات في الدين الإسلامي! إلخ(11).
إلى هذا الحد يكتب «خميني» عن أبي بكر وعمر ^ ، يكتبه لأتباعه أولًا ليغرس فيهم ـ كما غرس فيهم سابقوه كلٌّ في زمانه ـ هذا الاعتقاد في أبي بكر وعمر ^ ، وهو بالطبع اعتقاد لا نرضاه، ونعوذ بالله ممَّن يصدقه. ولذلك لم يكن عجبًا ولا بعيدًا ما نقل عن أقوال الخميني وكتبه من أنه يطلق على الشيخين: «الجبت والطاغوت» ويسمِّيهما «صنمي قريش»، ويرى كجماعته أن لعنهما ولعن السيدة عائشة، والسيدة حفصة، له ثواب عند الله! (هكذا)، وكذلك الحال بالنسبة للخليفة عثمان 3 (12).
وكذلك لم يكن عجبًا ـ وذلك هو رأي خميني في أبي بكر وعمر ومن ساندهما ـ أن يصدر عنهم نصُّ دعاء يتَّجهون جميعًا به إلى الله يسمُّونه «دعاء صنمي قريش» يقولون فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. اللهمَّ صل على محمَّد وآل محمد. اللهمَّ العن صنمي قريش، وطاغوتيها، وإفكيها، وابنتيْهما، اللَّذين خالفا أمرك، وأنكرا وحيك، وجحدا إنعامك، وعصيا رسولك، وَقَلَبَا دينك، وحَرَّفا كتابك، وأحبَّا أعداءك، وجحدا آلاءك، وعطَّلا أحكامك، وأبطلا فرائضك، وألْحدا في آياتك، وعاديا أولياءك، وواليا أعداءك، وخرَّبا بلادك، وأفسدا عبادك، اللهمَّ العنهما وأتباعهما، وأولياءهما، وأشياعهما، ومحبِّيهما؛ فقد خرَّبا بيت النبوَّة، وردما بابه، ونقضا سقفه، وألحقا سماءه بأرضه، وعالِيَه بسافله، وظاهره بباطنه، واستأصلا أهله، وأبادا أنصاره، وقتلا أطفاله، وأخليا منبره من وصيه ووارث علمه [يريدون عليًّا] وجحدا إمامته، وأشركا بربهما؛ فعظِّم ذنبهما، وَخَلّدهما في سَقَر، وما أدراك ما سقر، لا تبقي ولا تذر، اللهمَّ العنهم بعدد كلِّ منكر أتوه، وحقٍّ أخذوه، ومنبرٍ علَّوْه، ومنافقٍ ولَّوه، ووليٍّ آذَوْه، وطريدٍ آوَوْه، وصادقٍ طردُوه، وكافرٍ نصروه، وإمامٍ قهروه، وفرضٍ غيروه، وأثرٍ أنكروه، وشرٍّ آثروه، ودم أراقوه، وخير بدَّلوه، وكفرٍ نصبوه، وكذب دلَّسوه، وإرثٍ غصبوه، وفيءٍ اقتطعوه، وسُحْتٍ أكلوه، وخُمُسٍ استحلوه، وباطلٍ أسَّسوه، وجورٍ بسطوه» ويستمرُّون على هذا المنوال إلى أن يقولوا: «اللهم العنهما بعدد كل آية حرفوها، وفريضة تركوها، وسُنَّة غيروها. اللهمَّ العنهما في مكنون السر، وظاهر العلانية لعنًا كبيرًا، دائمًا دائبًا سرمدًا، لا انقطاع لأمده، ولا نفاد لعدده، لعنًا يعود أوَّله، ولا ينقطع آخره. اللهمَّ العنهم ومحبِّيهم ومواليهم والمسلمين لهم والمائلين إليهم، والناهقين باحتجاجهم، والمقتدين بكلامهم، والمصدِّقين بأحكامهم. (قل أربع مرات) اللهمَّ عذبهم عذابًا يستغيث منه أهل النَّار. آمين يا رب العالمين»(13) انتهى.
كلُّ هذا ينصب على أبي بكر وعمر ^ ومن معهما وتابعهما!
أعوذ بالله من الحقد والحنق. فماذا أبقى هؤلاء للذين كفروا بالله ورسوله؟!
يا حفيظ! ويتجرؤون حتَّى يقفوا أمام الله يدعونه بهذا الدعاء؟! وعلى رأس هؤلاء الآن «الخميني».
علمًا بأنَّ عمر 3 قد زوَّجه عليٌّ 3 بابنته «أم كلثوم» بنت «السيدة فاطمة»، وأخت الحسن والحسين، رضي الله عن الجميع. فهل كان الإمام عليٌّ يرى في عمر ما يرون، ثمَّ يزوِّجه ابنتَه؟
وأعتقد أنَّ رأي خميني الآن فينا نحن الَّذين نجلُّ الخلفاء الراشدين والصحابة جميعًا، رأيه ظاهر واضح فينا. كفار نستحق اللعنة!
ولذلك لم يكن عجبًا أيضًا أن يعلن في مستهل عهده شعار: «تصدير الثورة للبلاد العربية»، طبعًا ثورته لا في الحكم فحسب ولكن على أساس مذهبه، ليحوِّلنا من الكفر إلى إسلامه هو، ومذهبه هو! ونشترك جميعًا في دعاء لعن صنمي قريش: أبي بكر وعمر ^ ليحصل لنا الثواب من الله!
وهذا أمر سيفرضه علينا حتمًا لو انتصر على العراق، وسيطر بجيوشه على البلاد العربية ـ لا قدّر الله ـ وسيأتي مزيد بيان في هذا.
وقد كتب الأستاذ أحمد أمين عن صفات الإمام وخصائصه نقلًا عمَّا ورد في كتاب «الكافي» للكُليني وهو من أوثق كتب الإمامية الاثني عشرية(14) فذكر منها:
ـ اعتقادهم بأنَّ الإمام يُوحى إليه، وإن اختلفت طريقة الوحي عن النَّبيِّ والرسول.
ـ أنَّ من لا إمام له أصبح ضالًّا، ومن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق، قال الإمام الرِّضَا: النَّاس عبيدٌ لنا في الطاعة(15).
ـ الأئمَّة هم نور الله الَّذي قال عنه:﴿فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلْنَا ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ[التغابن: 8]. وليس المراد بالنور هنا القرآن، ولكن الأئمَّة.
ـ الأئمَّة أركان الأرض أن تميد بأهلها.
ـ الإمام مطهر من الذنوب، مبرَّأ من العيوب، مخصوص بالعلم.
ـ أعمال النَّاس ستعرض على النَّبيِّ وعلى الأئمَّة.
ـ الأئمَّة موضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وموضع سر الله في الأرض ووديعته بين عباده.
ـ عند الأئمَّة جميع الكتب المنزلة على الرسل من عند الله 8 ، وهم يعرفونها بلغتها.
ـ لم يجمع القرآن وعلمه إلَّا الأئمَّة، عن طريق التوارث من علم الإمام علي 3 .
ـ إنّهم يعلمون علم ما كان، وما يكون، ولا يخفى عليهم شيء. فالله لم يعْلم نبيه بشيء إلَّا أمره أن يعْلمه عليًّا، ثمَّ انتهى هذا العلم إلى الأئمَّة من بعده.
ـ كان مع رسول الله روح أعظم من جبريل وميكائيل، وهذا الروح مع الأئمَّة.
ـ الملائكة تدخل بيوت الأئمَّة، وتطأ بسطهم، وتأتيهم بالأخبار.
ـ الأرض كلها للإمام، وأهل البيت هم الَّذين أورثهم الله الأرض، كما تقول الآية: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ ٱلصَّٰلِحُونَ[الأنبياء: 105]، والعباد الصالحون هم الأئمَّة.
وهذا وإن قرَّرته الشيعة الاثنا عشرية كما جاء في كتبهم، إلَّا أن الفرق الأخرى الإسماعيلية وما تفرع عنها لا تختلف عن ذلك كثيرًا، بل ربَّما كان لها غرائب في أفكارها جعلت الاثني عشرية لا تعترف بها. انتهى.
← العودة لقسم 5- الفرق الإسلامية