المقالات

❓ جماعة الأحباش.. جدال بلا علم وتطاول بلا أدب

📅 2026-06-05 👁 945 مشاهدة

نص السؤال:

قبل أن أردَّ على ما أثاره الأحباش، أضع الرسالة الَّتي أرسلوها بالفاكس إلى مدير قناة الجزيرة، مختومة بختم «جمعية المشاريع الخيرية الإسلاميَّة» وموقعة باسم أسامة السيد، أضعها بنصها أمام القارئ الكريم:
جناب مدير عام قناة الجزيرة الأستاذ محمَّد جاسم العلي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
كنت قد اتصلت بمدير المقابلات الأستاذ نبيل نجم الدين في موضوع، وأحالني على سيادتكم.
فالموضوع هو:
أننا نطلب من سعادتكم تأمين مناظرة لنا على قناتكم بيننا وبين الدكتور القرضاوي؛ لأنَّ هذا الرجل قد خالف الشَّرع الحنيف في مئات المسائل، ونحن إحقاقًا للحقِّ وإبطالًا للباطل، ولأننا نعلم أنكم تحرصون على تقديم الرأي الآخر طلبنا منكم إجراء هذه المناظرة، وهنا سأورد لسعادتكم بعض النقاط الَّتي ستتناولها المناظرة:
1 ـ يمتدح المتطرفين فيقول: إنَّ هذا الغلو الَّذي انتهى بهؤلاء الشباب المخلصين الغيورين على دينهم إلى تكفير من خالفهم من المسلمين واستباحة دمائهم وأموالهم.
وقال في موضع آخر: ولهذا أصر على القول بأنَّهم إخواننا على الرغم من غلوهم وانحرافهم عن جادة الصواب.
2 ـ ثبت لدينا أنَّه عضو مؤسس ومساهم لما يُسمَّى «بنك التقوى» في جزر البهاما بالإضافة لكبار مسؤولي حزب الإخوان المسلمين في العالم ومعلومٌ أنَّ لهذا البنك نشاطات مشبوهة جدًّا.
3 ـ وهو يمتدح رموز المتطرفين كسيد قطب وأبو الأعلى المودودي، ويسمي سيد قطب شهيدًا، ويحيل النَّاس لقراءة كتبه، وهو رأس التطرف والإرهاب في القرن العشرين.
4 ـ وردًّا على سؤال أجاب بأن ما أصدرته محكمة في ألمانيا من تطليق زوجة من زوجها المسلم قال: إن الحكم صحيح. وهذه الفتوى باطلة بالإجماع.
5 ـ وادعى في موضع آخر أنَّ حق المعلم على الولد أعظم من حق الوالدين. وهذا باطل أيضًا.
6 ـ يمتدح في كتبه ناصر الألباني ويسمِّيه محدثًا كبيرًا وهو أكبر شاذٍّ ومنحرف في هذا العصر حيث طالب الدولة السعوديَّة بإخراج قبر النَّبيِّ وصاحبَيه من المسجد وأفتى بتكفير وتأثيم أهل الضفة الغربية لأنَّهم لم يخرجوا منها كما خرج النَّبيُّ والصحابة من مكة إلى المدينة.
7 ـ واعتبر أنَّ الدجاجة المخنوقة تؤكل شرعًا وهذه مخالفة صريحة للآية الكريمة.
8 ـ ويقول: درهم ربًا يأكله الرجل وهو يعلم أشدَّ من ستٍّ وثلاثين زَنْية، وهذا الكلام مخالف للنقل والعقل والإجماع ولو استدلَّ بحديث ليس صحيحًا، وهو الَّذي تعهَّد بأنَّه لا يستشهد إلَّا بالصحيح.
أخيرًا: إنَّ ما ذكرناه وغيره من مئات المسائل موثق لدينا من كتبه ومن المجلات وغيرها.
فنأمل من سعادتكم إفساح المجال في مناظرة طرفها الأول القرضاوي والطرف الثاني الشيخ أسامة السيد رئيس فرع البقاع في جمعية المشاريع الخيرية الإسلاميَّة رئيس المكتب الإعلامي فيها بالإضافة لمدير فرع الشمال في الجمعية الشيخ غانم جلول. انتهى.
الجواب / الاستشارة
تمهيد:
منذ سنوات سمعت بجماعة ظهرت في لبنان، أزعجت جماهير المسلمين هناك بأقوال شاذَّة، واتجاهات منحرفة، وآراء خطيرة، في مجالات العقيدة والفقه والسلوك، حتَّى أسقطوا الزكاة عمَّن يملك القناطير المقنطرة من النقود الورقية، الَّتي يتعامل بها النَّاس اليوم، وأجازوا التعامل فيها بالربا، بدعوى أنَّها ليست نقودًا شرعية، أي ليست ذهبًا ولا فضَّة، وأجازوا للمسلم أن يعفي نفسه من صلاة الجمعة إذا أكل بصلة، أو وضعها في جيبه! وأباحوا الاختلاط بين الرجال والنساء بلا حدود ولا قيود.
وأشدُّ من ذلك خطرًا: تكفير كل من يخالفهم من المسلمين، من المحدثين أو من القدماء، فكفروا شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الإمام ابن القيِّم، ومن سار على دربهم من أمثال مجدد التوحيد في الجزيرة الشيخ محمَّد بن عبد الوهاب، كما كفَّروا كثيرًا من العلماء المعاصرين أمثال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز، والمفكر الإسلامي سيد قطب، وغيرهما، وقد ذكرت في كتاب «الصحوة الإسلاميَّة بين الجحود والتطرف» أنَّ السقوط في هاوية التكفير، هو أخطر دلائل التطرف والغلو في دين الله.
وقد زعم هؤلاء الغلاة المنحرفون أنَّهم ينتمون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري اعتقادًا، وإلى الإمام الشافعي فقهًا، وإلى الطريقة الرفاعيَّة الصوفيَّة سلوكًا. وهم في الواقع أبعد ما يكونون عن منهج هؤلاء جميعًا: فكرًا، وأدبًا، وسلوكًا.
هذه الطائفة الَّتي ظهرت أوَّل ما ظهرت في لبنان، أطلق النَّاس عليهم اسم «الأحباش» إذ كان صاحب دعوتهم، وحامل رايتهم رجلًا جاء من الحبشة، من هرر، يدعو بهذه الدعوة الجديدة، الَّتي أكبر همها تفريق المجتمعين، والتشويش على العاملين، وإشعال نار الفتنة في صفوف المسلمين، وتعويق كل عمل بناء لنصرة هذا الدين.
وأنا أعتذر لإخواننا أهل الحبشة الطيبين الأخيار، وإلى سيد أهل الحبشة سيدنا بلال 3 ، فهؤلاء قد أساؤوا إلى اسم الحبشة والأحباش الحقيقيين، وهم ليسوا منهم في شيء، وهم برآء من آثام هؤلاء ـ الَّذين حملوا اسمهم بغير حق ـ براءة الذئب من دم ابن يعقوب. فهؤلاء أبعد النَّاس عن أدب بلال، وأخلاق بلال 3 .
ولقد توقفت في شأنهم أوَّل الأمر، ولم أصدق ما سمعت عنهم، وكففت لساني وقلمي عنهم، فلم أمسهم بكلمة، حتَّى حصحص لي الحق، وتبين الصبح لذي عينين، وأصبحت دعاواهم معروفة هنا وهناك، فلم يسعني السكوت، ومسستهم في بعض كتبي الأخيرة مسًّا رقيقًا، ونقدتهم نقدًا خفيفًا، وأجبت في بعض المؤتمرات عمَّن سألني عن بعض أقوالهم الشاذَّة، مثل إباحة التدخين بإطلاق، وإباحة الاختلاط بلا قيود، وغير ذلك، مبينًا خطأهم في اجتهاداتهم هذه، دون أن أرميهم بكفر أو فسوق، فليس هذا من طريقتي.
وكأن هذا النقد الهين اللين أصاب منهم مقتلًا، فهاج هائجهم، وجنَّ جنونهم، فجاؤوا بقضهم وقضيضهم، وأجلبوا بخيلهم ورجلهم، في غفلة من الزمن، يريدون أن يشوشوا على البرنامج الإسلامي العالمي الَّذي شرق وغرب «الشريعة والحياة» في قناة الجزيرة في قطر، وصوبوا سهامهم من كل صوب، يحاولون أن ينالوا من البرنامج العتيد وصاحبه، ناسين قولَ الشاعر قديمًا(1):
يا ناطحَ الجبلِ العالي ليُوهِنَهُ
أشْفِقْ على الرأسِ لا تُشْفِقْ على الجَبَلِ!
ولما لم تُجدِ هذه المناطحات للجبل شيئًا إلَّا نطْح رؤوسهم، أرسلوا إلى مدير قناة الجزيرة، يطلبون إقامة مناظرة بيني وبينهم، ولو أنِّي قبلت هذا المبدأ لأحلتهم على بعض تلاميذ تلاميذي، ليناظروهم، ولكن هؤلاء أقل وأذل من أن يناظروا، وليس لهم وزن علمي يسمح لهم بدخول حلبة مناظرة، حتَّى مع أصغر التلاميذ.
ولقد قرأ بعض الإخوة الأفاضل من أهل العلم ورقتهم الَّتي أرسلوها للجزيرة لطلب المناظرة، وأفرغوا فيها كل ما في جعبتهم، ممَّا ادعوا فيه أنِّي خرجت به على الشَّرع الحنيف ـ معاذ الله ـ ورجاني هؤلاء الإخوة أن أرد على هذه الدعاوى الَّتي حشدوها في الورقة باعتبارها تمثل أهم ما في أيديهم من مزاعم ومآخذ، فإذا نقضت هذه نقضت كل دعاويهم، ولم يعد لهم ما يتمسكون به.
وبناء على رغبة هؤلاء الإخوة الأحبة، قبلت أن أكتب هذه السطور من باب إرخاء العنان، وإحقاقًا للحقِّ، وإزهاقًا للباطل، ولو كره المجرمون.
أكتب هذه السطور أو الصحائف، وأنا أتمثَّل بقول الشاعر(2):
ولو أنِّي بُلِيتُ بهاشميٍّ
خؤولته بنو عَبْدِ المَدَانِ
لهان عليَّ ما ألقى، ولكن
تعالوا فانظروا بمن ابتلاني!
وكما يقول العرب في أمثالهم: على نفسها جنت براقش(3)! فهم الَّذين جنوا على أنفسهم، وأشعلوها معركة على كل صعيد، جندوا لها جنودهم، وحشدوا لها جهودهم، وستحرقهم نارها إن شاء الله. فقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِۦ[فاطر: 43]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم[يونس: 23]، ومن سنن الله: أن على الباغي تدور الدوائر، والبغي مرتعه وخيم.
سأحاربهم وحدي مستعينًا بربي، ثمَّ بقلمي ولساني، وسأفضح سرهم، وأكشف سترهم، والشر بالشر يحسم، والبادئ أظلم.
وكنتُ إذا قومٌ غزَوْني غزوتُهم
فهل أنا في ذا يا لَهَمْدَانَ ظالِمُ؟
متى تحمل القلبَ الذكيَّ وصارمًا
وأنفًا حميًّا تجتنبكُ الْمَرَاغِمُ(4)
وأنا ـ بحمد الله تعالى ـ أحمل القلب الذكي، والأنف الحمي، وصارمي هو قلمي الَّذي جندته للحق طول عمري، وسيظل للحق حتَّى الممات بإذن الله.
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُۥ[الأنعام: 162، 163].
معركة أخوضها على كره:
وما كنتُ ـ والله ـ أحبُّ أن أدخل هذه المعركة، فأنا أخوضها على كره مني، لسببين أساسيين:
الأول: أنِّي مشغول الفكر والقلب والوقت والجهد؛ بالقوى المعادية للأمَّة الَّتي تريد اقتلاع جذورها، من الصهيونية العالمية، والصليبية الغربية، والوثنية الشرقية، وفلسفات الإلحاد والإباحية، والجماعات العلمانية، والمذاهب الانحلالية، وكل قوى الشر والإفساد، المتربصة بأمتنا، فليس عندي متسع لمعاداة أحد من المسلمين، وإن انحرفوا وتجاوزوا.
السبب الثاني: أنَّ الإسلام علمني أن أشتغل بإضاءة الشموع، لا بلعن الظلام، وببيان الحق لا بسب الباطل، وقد قال سبحانه:﴿وَلَا تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّوا۟ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ[الأنعام: 108].
فمنهجي طوال حياتي: أن أبني ولا أهدم، وأن أجمع ولا أفرق، وأدع كل امرئ وما اختار لنفسه، لا ألزم النَّاس برأيي واجتهادي، ولا يلزمونني برأيهم واجتهادهم، وإذا كان الله تعالى قد أمر رسوله الكريم أن يقول للكافرين: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ[الكافرون: 6]، فكيف لا أقول لإخواني المسلمين: لكم اجتهادكم ولي اجتهادي، لي عملي ولكم أعمالكم؟!
ولكن هؤلاء القوم رفضوا أن يكون لي اجتهادي، والعالم المسلم لا يدين الله إلَّا بما انتهى إليه اجتهاده، صوابًا كان أم خطأ، فما كان صوابًا، فهو مأجور عليه أجرين، وما كان خطأ فهو مأجور عليه أجرًا واحدًا. وهذا من روائع هذا الدِّين: أن يؤجر الإنسان على الخطأ ما دام بعد تحرٍّ واجتهاد من أهله في محله.
ومن عجب أن يفرِّغ هؤلاء القوم أنفسهم للتشويش على برامجي التلفزيونية بالمهاترات والافتراءات الباطلة، كما حدث في برنامج «الشريعة والحياة» في قناة الجزيرة، وبرنامج «شعب الإيمان» في قناة قطر الفضائية، وقد قابلت سوء أدبهم ـ في أوَّل حلقة تطاولوا عليّ فيها ـ بالحلم والسكوت والإعراض، على نحو ما قال الله تعالى:﴿وَإِذَا سَمِعُوا۟ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُوا۟ عَنْهُ وَقَالُوا۟ لَنَآ أَعْمَٰلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَٰلُكُمْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى ٱلْجَٰهِلِينَ[القصص: 55].
ولكن هذا جرَّأهم على التمادي، فازدادوا عتوًّا، وظنُّوا الحلم ضعفًا، وما هو والله بضعف، ولكنَّه ضنًّا منِّي أن أضيع الوقت والجهد في تأجيج نار الخلاف بين المسلمين، وهم أحوج شيء إلى الاتحاد والائتلاف، وهذا التمادي في التطاول، والتهجم بالباطل، هو الَّذي دعاني أن أمسك بالقلم؛ لأرد على هؤلاء ليعرفوا حجمهم، ويلزموا جحورهم، وهذا كما قلت على كره مني، ولكن كما قال الله تعالى للرسول ولصحابته:﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا۟ شَيْـًۭٔا وَهُوَ شَرٌّۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[البقرة: 216].
ومن الغرائب أنَّ هؤلاء الأحباش يتهمونني بأنني وهَّابي متعصِّب لأئمة الوهَّابية، فلا أكاد أتحدث إلَّا عن ابن تيمية وابن القيم ومدرستهما، ويتهمونهما بأنَّهما خالفا الإجماع في كذا وكذا مسألة، في الوقت الَّذي يوزع الإخوة الوهابيون أو السلفيون منشورات تهاجمني في جدة والرياض وغيرهما من مدن المملكة، فلم أرضَ هؤلاء ولا هؤلاء، وكلاهما يردُّ على الآخر. وأنا لست عبدًا لأحد إلَّا لله وحده، ولا أسيرًا إلَّا للكتاب والسُّنَّة، وأحبُّ كلَّ علماء الأمَّة الراسخين، وأقدرهم، ولكن لا أقدسهم، ولا أدعي لهم العصمة.
وأحبُّ أن أؤكِّد أنَّ هذه الهجمة المنظمة من الطرفين لن تثني عزمي عمَّا نذرت له نفسي، ووهبت له عمري، وجندت له فكري ولساني وقلمي، وهو الدعوة إلى «وسطيَّة الإسلام» ولن أتنازل عن منهجي، المشدِّد في الأصول، الميسِّر في الفروع، القائم على التيسير في الفتوى، والتبشير في الدعوة، والحمد لله، قد تجاوب معي الجمهور الأكبر، والجم الغفير من المسلمين، وخصوصًا المثقفين في أنحاء العالم، ولله الحمد والمنة.
وقد تبجَّح هؤلاء وطلبوا منِّي مناظرتهم، وألحُّوا في هذا الطلب. ولكنِّي ضربت بطلبهم عرض الحائط، فليس كل من طلب شيئًا ـ ولو بغير حقٍّ ـ أجيب إليه. ولن أمكنهم من هذه المناظرة الشفهية الَّتي يشتهونها، وذلك لعدة أسباب:
1 ـ أنَّهم يريدون أن يظهروا على شاشات القنوات الفضائية، على حسابي، ولن أمنحهم هذه الفرصة، بل أقول لهم:﴿مُوتُوا۟ بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ[آل عمران: 119].
2 ـ أنَّهم يريدون أن يقولوا لمن يعملون لهم من الجهات المشبوهة: ها قد ناظرنا القرضاوي!
3 ـ أنَّ معظم ما يريدون المناظرة فيه كما سمعت منهم أشياء تتعلق بمسائل في كتبي، وهذه لا تعالج بالمناظرة، بل يرد على الكتاب بكتاب مثله إن استطاعوا.
4 ـ أنَّ المناظرة تقتضي أن تكون بين نظراء، وهؤلاء ليسوا نظرائي، لا في السن ولا في الإنتاج العلمي، فمن بلغ الرابعة والسبعين منهم، وكان له أكثر من مائة كتاب، طبع الكثير منها عشرات المرات، وترجم معظمها إلى اللغات الإسلاميَّة والعالميّة فربما أقبل مناظرته لو رأيت لها فائدة، ولذا يمكنني أن أدع مناظرتهم ـ لو شئت ـ إلى أصغر تلاميذي، وهو قادر ـ بعون الله تعالى ـ أن يهدمهم بضربة واحدة.
5 ـ أنِّي جربت أسلوب المناظرات، فلم أجده مجديًا، جربته مع العلمانيين، وانتصرنا عليهم بحمد الله، ولكنهم لم يتزحزحوا عن موقفهم قيد شعرة.
6 ـ أنِّي سأناظرهم بطريقة أخرى: بالقلم لا باللسان. ولهذا كتبت هذه الورقات، لأكشف عن تهافتهم وضحالتهم، وجهلهم المركب، وأبين مدى تناقضهم وكذبهم.
ولا أقول إلَّا ما قال نبيّ الله شعيب:﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ[هود: 88].
رسالة الأحباش إلى قناة الجزيرة ومضامينها
وقبل أن أردَّ على ما أثاره الأحباش، أضع الرسالة الَّتي أرسلوها بالفاكس إلى مدير قناة الجزيرة، مختومة بختم «جمعية المشاريع الخيرية الإسلاميَّة» وموقعة باسم أسامة السيد، أضعها بنصها أمام القارئ الكريم:
جناب مدير عام قناة الجزيرة الأستاذ محمَّد جاسم العلي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
كنت قد اتصلت بمدير المقابلات الأستاذ نبيل نجم الدين في موضوع، وأحالني على سيادتكم.
فالموضوع هو:
أننا نطلب من سعادتكم تأمين مناظرة لنا على قناتكم بيننا وبين الدكتور القرضاوي؛ لأنَّ هذا الرجل قد خالف الشَّرع الحنيف في مئات المسائل، ونحن إحقاقًا للحقِّ وإبطالًا للباطل، ولأننا نعلم أنكم تحرصون على تقديم الرأي الآخر طلبنا منكم إجراء هذه المناظرة، وهنا سأورد لسعادتكم بعض النقاط الَّتي ستتناولها المناظرة:
1 ـ يمتدح المتطرفين فيقول: إنَّ هذا الغلو الَّذي انتهى بهؤلاء الشباب المخلصين الغيورين على دينهم إلى تكفير من خالفهم من المسلمين واستباحة دمائهم وأموالهم.
وقال في موضع آخر: ولهذا أصر على القول بأنَّهم إخواننا على الرغم من غلوهم وانحرافهم عن جادة الصواب.
2 ـ ثبت لدينا أنَّه عضو مؤسس ومساهم لما يُسمَّى «بنك التقوى» في جزر البهاما بالإضافة لكبار مسؤولي حزب الإخوان المسلمين في العالم ومعلومٌ أنَّ لهذا البنك نشاطات مشبوهة جدًّا.
3 ـ وهو يمتدح رموز المتطرفين كسيد قطب وأبو الأعلى المودودي، ويسمي سيد قطب شهيدًا، ويحيل النَّاس لقراءة كتبه، وهو رأس التطرف والإرهاب في القرن العشرين.
4 ـ وردًّا على سؤال أجاب بأن ما أصدرته محكمة في ألمانيا من تطليق زوجة من زوجها المسلم قال: إن الحكم صحيح. وهذه الفتوى باطلة بالإجماع.
5 ـ وادعى في موضع آخر أنَّ حق المعلم على الولد أعظم من حق الوالدين. وهذا باطل أيضًا.
6 ـ يمتدح في كتبه ناصر الألباني ويسمِّيه محدثًا كبيرًا وهو أكبر شاذٍّ ومنحرف في هذا العصر حيث طالب الدولة السعوديَّة بإخراج قبر النَّبيِّ وصاحبَيه من المسجد وأفتى بتكفير وتأثيم أهل الضفة الغربية لأنَّهم لم يخرجوا منها كما خرج النَّبيُّ والصحابة من مكة إلى المدينة.
7 ـ واعتبر أنَّ الدجاجة المخنوقة تؤكل شرعًا وهذه مخالفة صريحة للآية الكريمة.
8 ـ ويقول: درهم ربًا يأكله الرجل وهو يعلم أشدَّ من ستٍّ وثلاثين زَنْية، وهذا الكلام مخالف للنقل والعقل والإجماع ولو استدلَّ بحديث ليس صحيحًا، وهو الَّذي تعهَّد بأنَّه لا يستشهد إلَّا بالصحيح.
أخيرًا: إنَّ ما ذكرناه وغيره من مئات المسائل موثق لدينا من كتبه ومن المجلات وغيرها.
فنأمل من سعادتكم إفساح المجال في مناظرة طرفها الأول القرضاوي والطرف الثاني الشيخ أسامة السيد رئيس فرع البقاع في جمعية المشاريع الخيرية الإسلاميَّة رئيس المكتب الإعلامي فيها بالإضافة لمدير فرع الشمال في الجمعية الشيخ غانم جلول. انتهى.
الردُّ على شبهات الأحباش
هذه هي رسالتهم الَّتي حشدوا فيها أهم وأبرز ما عندهم من مآخذ، وسأكره نفسي على الرد عليها فيما يلي، والله المستعان.
دعوى امتداح المتطرفين:
1 ـ قال الحَبَشي في بيان المسائل الَّتي خالفت فيها الشَّرع الحنيف، والتي يريد أن يناظر فيها هداه الله: «يمتدح المتطرفين فيقول: إنَّ هذا الغلو الَّذي انتهى بهؤلاء الشباب المخلصين الغيورين على دينهم إلى تكفير من خالفهم من المسلمين واستباحة دمائهم وأموالهم. وقال في موضع آخر: ولهذا أصر على القول بأنَّهم إخواننا على الرغم من غلوهم وانحرافهم عن جادة الصواب» اهـ .
هذه المسألة الأولى الخطيرة الَّتي رأى فيها هذا الحَبَشي المسكين ومَن وراءه من الأحباش أنِّي خالفت فيها الشَّرع الحنيف. وهذه العبارات مأخوذة من رسالتي «ظاهرة الغلو في التكفير» الَّتي تقبلها العلماء والدعاة في العالم الإسلامي كله بقبول حسن، وأثنوا عليها، وترجموها إلى لغات عدة، ونشر منها عشرات الآلاف في سلسلة «صوت الحقِّ» الَّتي كانت تصدرها الجماعة الإسلاميَّة بجامعة القاهرة، ولا أدري ما الَّذي وجد فيها هؤلاء من المخالفة للشرع الَّذي يجهلونه كل الجهل، ولكن آفتهم أن جهلهم جهل مركب، فهم يجهلون، ويجهلون أنَّهم يجهلون.
إنَّ هؤلاء القوم لا يملكون أي حسٍّ دعوي، ولا أي حسٍّ تربوي، ولا أي حسٍّ أبوي، في معالجة ظاهرة العنف، الَّتي تحتاج إلى الحكمة والرفق في التعامل معها. والمثل العربي يقول: أنفك منك وإن كان أجدع، وهؤلاء الغلاة ـ وجلهم من الشباب ـ منا، وإن انحرفوا وشردوا عن سواء السبيل، فلا بدَّ أن نعالجهم بلطف، كما يعالج الطبيب مرضاه.
وقد قال الشاعر:
قومي همُو قتلوا أميمَ أخي
فإذا رميتُ يصيبنِي سهمِي!
فلئن عفوتُ لأعفونْ جَلَلًا
ولئنْ رميتُ لأوهننْ عظمِي(5)!
ثم ماذا يَعيبني أن أقول: إنَّ هؤلاء الشباب هم إخواننا، وإن انحرفوا عن جادة الصواب، أيريدون منِّي أن أكفرهم وأخرجهم من الملة كما يفعلون هم؟
إنَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب 3 لم يكفر الخوارج، برغم أنَّهم كفروه، واستباحوا دمه، وهو فارس الإسلام، وعلم الأعلام؟ ورغم ما جاء فيهم من الأحاديث: «يمرقون من الدِّين كما يمرق السَّهْم من الرَّمِيَّة»(6).
ولما سُئل عنهم: أكفَّارٌ هم يا أمير المؤمنين؟ قال: من الكفر فرُّوا. قالوا: أمنافقون هم؟ قال: لو كانوا منافقين لم يذكروا الله إلَّا قليلًا. قالوا: فما هم؟ قال: إخواننا بالأمس، بغوا علينا اليوم(7).
وقال عنهم: ليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه.
بهذه الروح الأبوية يجب أن نتعامل مع هؤلاء الشباب، وهذا سبب قولي عنهم: إنَّهم مخلصون غيورون على دينهم، وأنَّهم إخواننا وإن انحرفوا وتجاوزوا.
وهذا ما وجهني إلى التفكير الجدي في تأليف كتاب في موضوع «التكفير» نظرًا لشدَّة خطورته، وبعد أثره، ولكن لم يقدر لي أن أتم الكتاب، فكتبت البحث الَّذي نشرته مجلة «المسلم المعاصر» في عددها التاسع الصادر في شهر يناير 1977 أي قبل أن يتفاقم أمر التكفير ويصل إلى ما وصل إليه؛ من اختطاف وقتل الشيخ الذهبي 5 ، بحوالي شهرين، وقد بينت في مقدمة البحث خطورة القضية، والأسباب العامَّة الَّتي أدت إلى بروزها، والطريقة الَّتي يجب أن تعالج بها، كما وضعت مجموعة من القواعد أو الحقائق الشرعيَّة، الَّتي يجب الاحتكام إليها، وهي قواعد موثقة بأدلتها المحكمة من الكتاب والسنة، رجوت أن يكون فيها مقنع لمن طلب الحق، ولم يعمه التعصب لرأي، وما أردت بها إلَّا خدمة الإسلام، ومحاولة الأخذ بيد أبنائه المخلصين؛ حتَّى لا يضلوا الطريق، أو يحطمهم الغلو، وقد حذر النَّبيّ أمته من الغلو والتطرف. وقال فيما رواه ابن عبَّاس: «إيَّاكم والغلوَّ في الدِّين، فإنَّما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ في الدِّين»(8)، وقال فيما رواه ابن مسعود: «هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون»(9). وهو لا يكرِّر الكلمة إلَّا لعِظَم خطرها، ولتأكيد الاهتمام بمضمونها!
وقلت في هذه الرسالة، في هذا السياق: «إنَّ هذا الغلو الَّذي انتهى بهؤلاء الشباب المخلصين الغيورين على دينهم إلى تكفير من خالفهم من المسلمين واستباحة دمهم وأموالهم، هو نفسه الَّذي انتهى بالخوارج قديما إلى مثل ذلك وأكثر منه، حتَّى إنَّهم استباحوا دم أمير المؤمنين علي 3 ، وهو من هو، قرابة من الرسول ، وسابقة في الإسلام، وجهادًا في سبيله. ولم يكن الخوارج ينقصهم العمل أو التعبد، فقد كانوا صُوَّامًا قُوَّامًا قُرَّاء للقرآن، شجعانًا في الحق، باذلين النفس في سبيل الله، كما وصفهم أحدهم أبو حمزة الشاري فأبدع في الوصف. ولكن لم ينفعهم العمل وطول التعبد، وحسن النية؛ لأنَّهم ساروا في غير الاتجاه المستقيم، ومن سار في غير الاتجاه المنشود لم يزده طول السير إلَّا بعدًا عن الهدف، فلا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى! لقد صحَّ الحديث في ذم الخوارج وفي التحذير منهم؛ من عشرة أوجه ـ كما قال الإمام أحمد ـ وجاء عدد منها في الصحيحين، وفي بعضها: «يَحقِر أحدُكم صلاتَه إلى صلاتهم، وقيامَه إلى قيامهم، وقراءته إلى قراءتهم». ومع هذا وصفهم بأنَّهم «يمرُقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة». وبين علامتهم المميزة، وهي أنهم: «يدعون أهل الأوثان، ويقتلون أهل الإسلام». كما أشار إلى ضحالتهم وسطحيتهم، وعدم تعمقهم في فهم القرآن حين قال: «يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرَهم أو تراقِيَهم»(10) اهـ .
ورأيي الَّذي أعلنته من قديم، ولا زلت أصرُّ عليه: أنَّ العنف لا يحارب بالعنف وأن من أهم سبل العلاج وخطواته: أن نعامل هؤلاء الشباب بروح الأبوة المشفقة، بعيدًا عن الفظاظة والغلظة والتطاول عليهم، أو الاحتقار لهم، وألا نكلمهم من فوق أبراج عاجية، مستعلين عليهم أو متبرئين منهم، ممَّا يحفر بيننا وبينهم فجوة واسعة، أو هوة عميقة، فلا يثقون بنا ولا يستمعون لنا، كما أنَّنا لا نستطيع بذلك أن نفهمهم، ونعرف أغوار حياتهم، وحقيقة مشكلاتهم.
ينبغي ألَّا يكون موقفنا منهم موقف «ممثلي الاتِّهام» كل همنا أن نبرز مساوئهم، ونضخم سلبياتهم، ونشكك في نواياهم، ونطعن في أعمالهم، ونلتمس لهم بذلك أقصى العقوبات!
إنَّما يجب قبل كل شيء أن نعاملهم بروح الأبوة الحانية، والأخوة الراضية، ونشعرهم أنَّهم منَّا، وأنَّنا منهم، وأنَّهم فلذات أكبادنا، وأمل حياتنا، ومستقبل أمتنا، وبذلك ندخل إليهم من باب الحبِّ لهم، والإشفاق عليهم، لا من باب الاتهام لهم، والتكبر عليهم.
يجب أن نقف موقف المحامي عنهم، حيث تصوب إليهم سهام الاتهام: من أمام ومن خلف، وعن يمين وشمال، بحق أو بباطل، ومع حسن النيَّة أو سوئها.
فإذا لم نحسن أن نقف موقف الدفاع، لسبب أو لآخر، فلنقف موقف القضاء العادل، الَّذي لا يُدين إلَّا ببينة، ولا يتحيز لمدعٍ أو مدعًى عليه.
إنَّ من عيوبنا: أنَّنا في القضايا الاجتماعية نتعجل الأحكام، ونعممها، ونصدرها نهائية باتة، لا تقبل النقض ولا الاستئناف، وقد نفعل ذلك دون أن نسمع دفاع المتهمين وحجة الخصوم، وهذا ليس من العدل في شيء!
إنَّ الكثيرين يحكمون على هؤلاء الشباب من بعيد، دون أن يخالطوهم ويتعرفوا عليهم، ويعرفوا كيف يفكرون، وكيف يشعرون، وكيف يسلكون، وكيف يتعاملون.
وكثيرون يحكمون على جميعهم بتصرف عدد محدود منهم، مع أن الأقلية لا تحكم على الأكثرية، ولهذا قرَّر فقهاؤنا أنَّ للأكثر حكمَ الكلِّ، وأنَّ النادر لا حُكْم له.
وآخرون يحكمون على الشخص بتصرف واحد يصدر منه، قد يكون له دوافعه وملابساته الخاصة، وقد يكون له تفسير عند صاحبه لو سمعه من أنكره لرجع عن إنكاره.
ومهما يكن من شيء فلا يجوز أن يقضى بالإعدام الأدبي على امرئ بتصرف أو تصرفين، إنَّما يُقوَّم الإنسان بمجموع أعماله، فمن رجحت كفة حسناته على سيئاته فهو من أهل الخير، وهكذا يعامل الله عباده:﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ[المؤمنون: 102](11)انتهى.
ولو أنصف هؤلاء الأحباش ووضعوا القول الَّذي قلته عن هؤلاء الشباب في موضعه من الرسالة، ولم يقطعوه عن سياقه، لعلموا أنه قول صادق صائب، راشد بتوفيق الله.
المساهمة في بنك التقوى:
2 ـ قال الحَبَشي في تعداد المسائل الَّتي خالفت فيها الشرع: «ثبت لدينا أنَّه عضو مؤسس ومساهم لما يُسمَّى «بنك التقوى» في جزر البهاما، ومعلوم أن لهذا البنك نشاطات مشبوهة جدًّا»!
هذه هي المسألة الثانية من المسائل الَّتي ذكرها الحَبَشي المسكين لما خالفت فيه الشَّرع الحنيف، ولا أدري أي مخالفة للشرع الحنيف في المساهمة في بنك إسلامي يقوم نظامه الأساسي على تحريم الربا، والالتزام بأحكام الشريعة الإسلاميَّة في معاملاته، بل هذا البنك يتميز بأن هيئة رقابته الشرعيَّة عرض عليها نظامه الأساسي قبل أن يصدر، فعدلت فيه وحورت، حتَّى يتطابق مع مبادئ الشريعة وأحكامها.
بطبيعة الحال، لا يرى الأحباش ضرورة للبنوك الإسلاميَّة؛ لأنَّ مبدأهم أن النقود المعاصرة الَّتي تقوم على الورق، لا يجري فيها الربا، فهم يستحلُّون الربا فيها بفتواهم الضالَّة، كما يستحلُّون عدم إخراج الزكاة منها، فلا غرو أن يتعاملوا مع البنوك الربوية، ويتنكَّروا للبنوك الإسلاميَّة.
وأنا أرى مع سائر علماء الأمَّة ومجامعها الفقهيَّة المعروفة في مصر وفي مكة وجدة والهند وغيرها: أنَّ فوائد البنوك هي الربا الحرام، ولهذا أدعو كما يدعو غيري من علماء الأمَّة: إلى ضرورة التحرر من لعنة الربا، والأذان بحرب الله ورسوله، والسعي إلى إقامة مصارف خالية من الربا، ومن كل المعاملات المحظورة.
فما لي لا أشجع بنك التقوى وأساهم فيه، كما ساهمت في مصرف قطر الإسلامي في قطر، وفي بنك فيصل الإسلامي المصري، وفي المصرف الإسلامي الدولي للاستثمار والتنمية في القاهرة؟
إنَّ تشجيع هذه المصارف الإسلاميَّة والمساهمة فيها، والتعامل معها واجب على كل مسلم على قدر استطاعته.
أَمَّا زعم الحَبَشي المسكين أنَّ بنك التقوى له نشاطات مشبوهة جدًّا، فقد كشف لنا القناع عن هوية هؤلاء القوم، ولحسابِ مَنْ يعملون. فقد تعرَّض بنك التقوى في المدَّة الأخيرة لحملات مسعورة من جهات تعمل لحساب الصهيونية والصليبية، تهدف إلى تشويه صورته، والتشكيك في سلامته، وتخويف النَّاس منه، وكانت دعوى هؤلاء: أنَّ البنك يمول الإرهاب والإرهابيين، وهي فرية بلا مرية، فالبنك أبعد ما يكون عن ذلك.
وأسأل الحَبَشي المتعالم المتطاول: هل هذه مسألة علميَّة تطلب فيها مناظرة؟!
على أية حال، كيف يثبت الحَبَشي أنِّي باشتراكي في بنك التقوى خالفت الشَّرع الحنيف؟!
ويا عجبًا، كيف يكون الَّذين يؤازرون البنوك القائمة على الربا الَّذي لعن رسول الله آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه: مع الشَّرع الحنيف، ويكون الَّذي حارب الربا علمًا وعملًا، بلسانه وقلمه وجهده وماله، وساند قيام البنوك الإسلاميَّة تنظيرًا وتطبيقًا مخالفًا للشرع الحنيف؟!
رحم الله البُحتري الشاعر حين قال:
إذا محاسني اللَّاتي أُدِلُّ بها كانت
ذنوبي، فقل لي: كيف أعتذرُ(12)؟!
مدح سيد قطب والمودودي:
3 ـ قال الحَبشي: «وهو يمتدح رموز المتطرفين كسيد قطب وأبو الأعلى المودودي ويُسمِّي سيِّد قطب شهيدًا، ويحيل النَّاس لقراءة كتبه، وهو رأس التطرف والإرهاب في القرن العشرين» انتهى.
وأقول لهذا المتجنِّي: لقد علمنا القرآن أن نعدل في قولنا إذا قلنا، وفي شهادتنا إذا شهدنا، كما قال تعالى في الوصايا العشر في سورة الأنعام:﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ[الأنعام: 152].
وأنا لم أقل في المودودي وسيد قطب إلَّا ما أعتقد أنه الحق، فقد كان الرجلان من حملة الدعوة إلى الله، ودعاة الإصلاح والتجديد في الإسلام، في القرن الرابع عشر الهجري، ووقف كلاهما ضد دعاة الجاهليَّة المادية الإلحادية، والجاهليَّة الانحلالية الإباحية، والجاهليَّة اللادينيَّة العلمانية، وشتى الجاهليات الَّتي غزت عقول المسلمين، وأنشأت فيهم مفاهيم غريبة عنهم، دخيلة عليهم فعادوهما بما آتاهما الله من مواهب، بالقلم واللسان، بالدعوة والتربية، بالتجنيد والتجميع، وعاش كلاهما للإسلام، ومات على الإسلام.
ودفع سيد قطب عنقه فداء لدعوته، وثمنًا لإصراره على عقيدته، وصدقت مقولته: ستظل كلماتنا عرائس من الشمع لا إحساس فيها ولا حياة، حتَّى إذا متنا في سبيلها، دبت فيها الروح، وسرت فيها الحياة!
وقف المودودي ضد دعاة النُّبوَّة الجديدة (القاديانية) وحُوكِم من أجل ذلك، وحُكم عليه بالإعدام. وقف ضد خصوم السنَّة، الَّذين زعموا أنَّهم أنصار القرآن، وأفحمهم ببيانه وحججه، ووقف ضد دعاة التغريب، الَّذين أرادوا أن يسلخوا الأمَّة من عقيدتها وشريعتها وقيمها وتراثها، وأن يفرضوا عليها الحضارة الغربية بعجرها وبجرها، بما فيها من انحلال، وما فيها من ربا، وما فيها من مظالم وفجور.
ووقف ضد دعاة الجمود والتقليد الأعمى، وتقديس القبور، وتأليه الأولياء، ونشر الخرافات في العقيدة، والمبتدعات في العبادات، والسلبيات في السلوك.
ووقف ضد الظلمة والطغاة من الحكام، ودعاهم جميعًا إلى إقامة دولة الإسلام، الَّتي لا تريد علوًّا في الأرض ولا فسادًا.
وكذلك وقف سيد قطب ضد الجاهليَّة بكل صورها: العقدية، والفكرية، والسلوكية، ووقف ضد العلمانية الغازية، ووقف ضد الصهيونية الغاصبة، والصليبية المعادية، والدكتاتورية المتسلطة، وكان قلمه البليغ هو سيفه المُصلت في هذه المعركة الحامية الوطيس، الَّتي سقط فيها شهيد دعوته الَّتي آمن بها وضحى في سبيلها بأغلى ما يضحي به الإنسان. قد كان يمكن أن يهادن أو يلاين، ولكنَّه ثبت ثبات الجبال، وصبر صبر الأبطال، ولقي ربه قرير العين بما قدم.
وإذا قلت عنه: إنه شهيد؛ فلأنَّه قُتل مظلومًا دفاعًا عن عقيدته ودعوته، ما قتل نفسًا بغير حق، ولا زنى بعد إحصان، ولا كفر بعد إسلام، إنَّما قال كلمة حق عند سلطان جائر، فأمر بقتله. وفي الحديث: «سيِّدُ الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه، فقتله»(13).
ربما غلا سيِّد قطب في موقفه من الجاهليَّة، وفي تصوير بعض المجتمعات الإسلاميَّة المعاصرة، وربَّما أخطأ في بعض اجتهاداته ومواقفه، في تفكيره أو في تعبيره، فما يزعم أحد له العصمة، ولا يزعم هو لنفسه العصمة، وكل أحد يُؤخذ من كلامه ويرد عليه، وكل مجتهد يتأثر بزمانه ومكانه وظروفه الَّتي يعيشها، وقد كتب سيد قطب ما كتب؛ وهو يعاني من القهر في سجون عبد الناصر، ويرى الشيوعيين وأمثالهم يتحكمون في أجهزة الثقافة والتوجيه والإعلام.
ولكن هذا لا يسقط اعتبار سيد قطب، أو ينـزل من قيمته، أو يقصر من قامته، أو يخفض من هامته، فالرجل ـ بإجماع من أحبَّه أو كرهه ـ عملاق من عمالقة الدعوة الإسلاميَّة في عصرنا، رضي بذلك من رضي، وسخط من سخط، ولا يشك أحد في إخلاصه وتجرده، ولهذا نزلت كلماته على القلوب كما ينـزل الماء العذب البارد على الحلوق الظمأى.
ولقد انتقدت الأستاذ سيد قطب في بعض ما كتب، وناقشته نقاش العلماء والدعاة بعضهم لبعض، دون انتقاص من قدره، أو استخفاف بمقامه، أو تنكر لمودته، فاختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
وذلك فيما أبداه حول الاجتهاد والفقه الإسلامي في كتابه «الإسلام ومشكلات الحضارة».
فأنا وإن كنتُ معجبًا بسيد قطب، ومحبًّا له، ومقدِّرًا لعبقريته وإخلاصه، لا أقدِّسه كما لا أقدِّس المودودي ولا حسن البنا، ولا غيرهم من الكبار المجدِّدين. فأنا آخذ أفضل ما عندهم، وأدع ما أرى أنَّهم خانهم التوفيق فيه، وهو قليل من كثير، وبحسب العالم أن تكون معظم اجتهاداته صوابًا، وهو الواقع والحمد لله.
ومن روائع هذا الدين الَّذي أكرمنا الله تعالى به: أنه لم يحرم العالم المجتهد من الأجر، وإن أخطأ فيما اجتهد فيه!
أما الَّذين يسقطون العلماء الأعلام لبعض أخطاء وقعوا فيها، فهؤلاء ليسوا بمنصفين، وليسوا بمصيبين؛ لأنَّهم يطلبون العصمة فيمن ليس بمعصوم، وأي جواد لا يكبو؟! وأي سيف لا ينبو؟! وأي عالم لا يهفو؟!
وقد قال معاذ بن جبل 3 : إياك وزَيْغاتِ الحكيم، ولا يثنيك ذلك عنه، فلعلَّه أن يُراجِع(14).
حكم المحكمة في ألمانيا:
4 ـ قال الحَبَشي في المسألة الرابعة: «ردًّا على سؤال أجاب بأن ما أصدرته محكمة في ألمانيا من تطليق زوجة من زوجها المسلم قال: إنَّ الحكم صحيح. وهذه الفتوى باطلة بالإجماع».
والحَبَشي المسكين يَدَّعي الإجماع في كل أمر، وهو لا يدري معنى الإجماع. وقد بتر كلامي وشوهه في هذه القضية، فنحن في «المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث» نطالب المسلمين أن يوثقوا عقود زواجهم الشرعيَّة ـ الَّتي تعقد في المساجد أو المراكز الإسلاميَّة ـ لدى الجهات الرسمية، حتَّى لا تضيع حقوق أحد من الطرفين عند الخصومة والتناكر، فلو فرض أن زوجة ضارّها زوجها، أو هجرها، أو لم ينفق عليها، أو هرب منها، ولم تعد تعرف له مكانًا، ولم يستطع المسجد أو المركز الإسلامي أن يحل المشكلة بين الطرفين، فليس هناك من حل إلَّا اللجوء للقضاء الرسمي في البلد الَّذي يعيشان فيه، ويخضعان لنظامه وقوانينه. وهنا إذا حكم القضاء بتطليق الزوجة لرفع الضرر عنها، فإنَّ حكمه صحيح.
وأما أنه لا ولاية لكافر على مسلم، فهذا داخل دار الإسلام، وأما خارج دار الإسلام، فليس هذا في وسع المسلم، ولا يُكَلِّف الله نفسًا إلَّا وسعها.
والحقُّ أنَّ هذه الولاية من غير المسلم على المسلم موجودة في أمور كثيرة، ولا يملك المسلم إلَّا أن يخضع لها، بحكم وجوده في دار القوم والتزامه بنظامها العام، سواء كان متجنِّسًا أم مقيمًا.
حقُّ المعلِّم وحقُّ الوالد:
5 ـ قال الحَبَشي في تعداد مآخذه عليَّ: «وادَّعى في موضع آخر أنَّ حقَّ المعلِّم على الولد أعظم من حق الوالدين. وهذا باطل أيضًا» اهـ .
وأقول: هذا من افتراء الكذب الَّذي يستحلُّه هؤلاء القوم في حق علماء الأمَّة، ولا يبالون! وقد روى عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ : أنه قال: «أربع من كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن: كانت فيه خَصْلةٌ من النِّفاق حتَّى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»(15).
فهذه كتبي وخطبي ومحاضراتي مقروءة ومسموعة ومرئية: تؤكد ما أكده القرآن الكريم: أنَّ حق الوالدين بعد حق الله تعالى، وأن الإحسان بهما يأتي بعد التوحيد، وذلك واضح في سورة النساء، وسورة الإسراء، وسورة لقمان، وغيرها من سور القرآن الكريم.
فمن أين جاء هذا المدعي بدعواه الكبيرة، ليخرجها من كتبي المنشورة، أو من محاضراتي وخطبي المسجَّلة إن كان صادقًا؟
لعله أخذه ممَّا قلته في إحدى حلقات «المنتدى» في أبي ظبي «عن التربية» فذكرت: في فضل المعلم ما حكي أنَّ أحد الكبراء كان يحترم معلمه أكثر من أبيه، فسُئل في ذلك، فقال: إن أبي سبب حياتي الفانية (يعني: حياة الجسم) ومعلمي سبب حياتي الباقية (يعني: حياة الروح).
وأن أحد الشعراء أخذ هذا المعنى ونظمه شعرًا فقال(16):
فهذا مربِّي الرُّوح، والرُّوحُ جوهرٌ
وذاك مُرَبِّي الجسمِ، والجسمُ كالصدفْ
وقد علقت على هذا بقولي: إنَّ بعض الآباء لا يكتفون بتربية أجسام أبنائهم، وإنَّما يهتمون بتربية عقولهم وأرواحهم، حتَّى ينشؤوا مسلمين حقًّا(17). وحكاية هذا الكلام لا يعني أنَّ حقَّ المعلَّم مطلقًا أعظم من حقِّ الوالدين.
مدح الشيخ الألباني:
6 ـ قال الحَبَشي في تعداد ما خالفت به الشَّرع الحنيف: «يمتدح في كتبه ناصر الدين الألباني، ويسميه محدثًا كبيرًا، وهو أكبر شاذٍّ ومنحرف في هذا العصر؛ حيث طالب الدولة السعودية بإخراج قبر النَّبيّ وصاحبيه من المسجد، وأفتى بتكفير وتأثيم أهل الضفَّة الغربيَّة؛ لأنَّهم لم يخرجوا منها كما خرج النَّبيُّ والصحابة من مكة إلى المدينة» اهـ .
وأقول: إنَّ الإسلام علمنا أن نكون قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسنا، أو الوالدين والأقربين، وألَّا يحملنا شنآن قوم على ألَّا نعدل معهم. وفي ذلك جاء قوله تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ[النساء: 135].
وقال 8 :﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ[المائدة: 8].
والمؤمن الحق إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، وإذا شهد شهد بما يعلم، لا يخاف في الله لومة لائم.
وأنا أشهد أنَّ الشيخ الألباني محدث كبير ولا شك، يشهد له إنتاجه الغزير، في تحقيق مصادر السنة، وفي تمييز صحيحها من سقيمها، وله في ذلك جهود مقدورة، مثل تحقيقه لمشكاة المصابيح، ولمختصر صحيح مسلم للمنذري، وللسنة لابن أبي عاصم وغيرها، وفي التخريج له سلسلة الأحاديث الصحيحة، وسلسلة الأحاديث الضعيفة، وإرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، وصحيح أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وصحيح الجامع الصغير وزيادته، وإن كنت قد أخالفه في إطلاق التصحيح بكثرة الطرق، وفي عدم الاهتمام بالنظر إلى المتون والمضامين في بعض الأحيان.
ومع هذا أنا أخالف الشيخ الألباني في كثير من استنباطاته الفقهيَّة، وأرد عليه وخصوصًا فيما ينفرد به، وفيما ينـزع النـزعة الظاهرية.
ولهذا لم أوافقه على تحريم الذهب المحلق على النساء، ولم أوافقه على إسقاط الزكاة عن عروض التجارة، ورددت عليه ردًّا مطوَّلًا في كتابي «المرجعية العليا في الإسلام للقرآن والسُّنَّة» ورددت عليه في فتواه في إيجاب هجرة أهل الضفة الغربية وغزة، من دار الحرب أو دار الكفر إلى دار الإسلام، وهي أعظم خدمة تقدم لإسرائيل: تفريغ البلاد من أهلها. ولكن كان ردِّي شفهيًّا؛ لأنه قال فتواه أيضًا شفهيًّا ولم يكتبها.
أمَّا دعوى مطالبته الحكومة السعودية بإخراج قبر الرسول وصاحبه من المسجد، فلم أسمع بها، ولو صحت، فأنا أنكر عليه أشد الإنكار، وكيف يقول هذا ويخالف ما أقره الصحابة والتابعون وتابعوهم وكل قرون الأمَّة إلى يومنا هذا؟ وهل تجتمع الأمَّة على ضلالة؟!
الدجاجة المخنوقة:
7 ـ قال الحَبَشي: «واعتبر أنَّ الدجاجة المخنوقة تؤكل شرعًا، وهذه مخالفة صريحة للآية الكريمة» اهـ .
وهذا تحريف للكلم عن مواضعه. فهو يقصد هنا ما نقلته عن ابن العربي في أكل ذبائح أهل الكتاب، وخصوصًا النَّصارى منهم.
وقد ذكرت رأي جمهور العلماء، وذكرت رأي ابن العربي ومن وافقه من علماء المالكية، وأصل الخلاف هو: هل يشترط أن تكون ذكاتهم كذكاتنا، أو يكفي ما يعتبرونه هم ذكاة يحل به أكل الحيوان عندهم؟ فالمعروف أنَّهم لا يأكلون الميتة مثل المجوس.
قال الجمهور بالاحتمال الأول، وقال ابن العربي ومن وافقه بالثاني(18). وهو هنا يخصص آية تحريم المنخنقة وما عطف عليها بغير أهل الكتاب وبغير ما لم يقصد تذكيته، ولا تنافي بين الخاص والعام، كما يعرف العلماء.
وعلى ضوء هذا جاءت فتوى الإمام محمَّد عبده المعروفة بـ «الترنسفالية» وهي مذكورة في تفسير المنار، الآية الخامسة من سورة المائدة(19).
وقد رأينا عددًا من علماء السلف يجيزون أكل ذبائحهم وهم لم يذكروا اسم الله عليها، بل أجازوا أكل ما ذكر عليه اسم غير الله، ولم يعتبروا ذلك ممَّا أهل لغير الله به، واعتبروا آية:﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ[المائدة: 5]، مخصصة أو مبينة للآيات الأخرى.
وقد ذكر عبد الرزاق في مصنفه، عن علي وابن عبَّاس أنه قيل لهما: إن أهل الكتاب يذكرون على ذبائحهم غير الله! فقالا: إن الله حين أحل ذبائحهم، علم ما يقولون على ذبائحهم(20). وكذلك روي عن عطاء(21).
وروي عن ابن مسعود قال: إنَّكم نزلتم أرضًا لا يَقْصِب (لا يذبح) فيها المسلمون، إنَّما هم النبَط وفارس، فإذا اشتريتم لحمًا فسلوا، فإنْ كان ذبيحة يهودي أو نصراني فكلوه، فإنَّ طعامهم لكم حلٌّ(22).
وقال قتادة: إذا قدَّم إليك اليهودي طعامًا فَأْمُرْه أن يأكل منه، فإن أكل فكل، وإن أبى فلا تأكل منه. ومعنى هذا: أن يطمئن المسلم إلى أن طعامه حلال له في دينه. ولهذا قال قتادة: إذا فسدت عليه ذبيحته فلا تأكل منها(23).
فهل ترى هؤلاء الأئمَّة خالفوا القرآن في قوله تعالى:﴿وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌۭ[الأنعام: 121]، وقوله:﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ[المائدة: 3]، أو تراهم اعتبروا هذه الآيات مخصصة بآية:﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ[المائدة: 5].
على أنِّي لم أقل: إن رأي ابن العربي هو الصحيح أو الأصح، بل ذكرته فقط؛ لأنه قد يحتاج إليه مسلم لا يجد غير هذا الطعام من ذبائح أهل الكتاب، وهو يعيش في بلد قصي ليست فيه جالية إسلاميَّة، أو نحو ذلك.
وهذا الكتاب قد ألف لعموم النَّاس، لا لخاصتهم، ومن يكتب للعموم ينبغي له أن يتبنى التيسير لا التعسير، وهذا ما أمرنا به رسولنا الكريم: «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا»(24).
وهذا ما جعلني إذا وجدت قولين متكافئين أو متقاربين، أتبنى الأيسر لا الأحوط، تخفيفًا على الضعفاء من النَّاس، وتحبيبًا للدِّين إليهم، وكان من صفاته : أنه ما خير بين أمرين إلَّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.
والحمد لله، لقد ألَّفْتُ كتاب «الحلال والحرام» بتكليف من مشيخة الأزهر في عهد إمامه الأكبر الفقيه الشهير الشيخ محمود شلتوت، وبإشراف الإدارة العامَّة للثقافة الإسلاميَّة في عهد مديرها الأستاذ الكبير الدكتور: محمَّد البهي، ليترجم إلى الإنجليزية وغيرها من اللغات، وقد أحالت إدارة الثقافة في الأزهر الكتاب إلى محكّم، فأقره وأثنى عليه، وأقرته مشيخة الأزهر.
وقد انتشر الكتاب انتشارًا منقطع النظير في العالم العربي والإسلامي، ونوه به كثيرون من العلماء المرموقين، حتَّى قال الأستاذ الكبير مصطفى الزرقاء: إن اقتناء هذا الكتاب واجب على كل أسرة مسلمة، وقال الأستاذ محمَّد المبارك 5 : هو أفضل كتاب في موضوعه، وكان الأستاذ الكبير علي الطنطاوي يدرسه لطلابه في كلية التربية بمكة المكرمة، وعُني الُمحَدِّثُ المعروف الشيخ ناصر الدين الألباني بتخريج أحاديثه.
وفي باكستان نوه به العلامة الأستاذ أبو الأعلى المودودي في رسالة خاصَّة إلى المؤلف، كما اهتمت به الأقسام الأكاديمية للدراسات الإسلاميَّة في جامعتي «البنجاب» و«كراتشي».
ففي أوائل الستينيات قدمت الدارسة جميلة شوكت (د. شوكت بعد ذلك) إلى قسم الدراسات الإسلاميَّة بجامعة البنجاب دراسة عن الكتاب باعتباره نموذجًا جديدًا في كتابة الفقه الإسلامي، وقد حصلت بدراستها تلك على «الماجستير»، وكان المشرف عليها العلامة علاء الدين الصديقي رئيس الجامعة بعد ذلك.
كما قدم طالب آخر من جامعة كراتشي دراسة أخرى عن الكتاب.
طبع الكتاب ما لا يقل عن أربعين مرة بالعربية، حيث تطبعه أكثر من دار نشر بالقاهرة وبيروت، والكويت، والجزائر، والمغرب وأمريكا.
هذا عدا الطبعات المسروقة الَّتي يصعب تتبعها وحصرها.
كما تُرجم الكتاب إلى الإنجليزية والفرنسية، والألمانية والإسبانية والإيطالية، والأوردية والفارسية، والتركية والماليزية، والإندونيسية والماليبارية، والسواحلية والصينية، وعدد من اللغات الهندية وغيرها.
الربا أشد من الزنى:
8 ـ قال الحَبَشي: «ويقول: درهم ربًا يأكله الرجل وهو يعلم أشدُّ من ستٍّ وثلاثين زنية، وهذا الكلام مخالف للنقل والعقل والإجماع، ولو استدلَّ بحديث ليس صحيحًا، وهو الَّذي تعهد بأنَّه لا يستشهد إلَّا بالصحيح» انتهى كلام الحَبَشي.
وكلام الحَبَشي هنا يدلُّ على جهل غليظ، وعلى كذب أغلظ، ولا أدري كيف ينسب هؤلاء أنفسهم إلى العلم وأهله، والعلم منهم براء. وسأبين ذلك بدلائله:
أولًا: زعم أنِّي أقول: «درهم ربًا يأكله الرجل...» إلخ. وأنا لم أقل ذلك، وإنَّما هو حديث ذكره أئمَّة الحديث في كتبهم، ووثقه جماعة منهم، فاستشهدت به في كتابي «الحلال والحرام» على عظم إثم الربا عند الله تعالى.
فقد روى الإمام أحمد في مسنده (21957) عن عبد الله بن حنظلة غَسِيل الملائكة، أنَّ رسول الله قال: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم، أشدُّ عند الله من ستَّة وثلاثين زَنْية».
وسنده في المسند: ثنا حسين بن محمَّد ثنا جرير ـ يعني ابن حازم ـ عن أيُّوب عن ابن أبي مُلَيْكة، عن عبد الله بن حنظلة.
قال الألبانيُّ: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين، ومن أعلَّه بتغيُّر جرير قبل موته فلم يصبْ؛ لأنَّه لم يسمع منه أحد في حال اختلاطه، كما قال ابن مهدي(25).
ورواه الدارقطني أيضًا بهذا الإسناد.
ورواه كل من أحمد والدارقطني عن عبد الله بن حنظلة عن كعب من قوله.
قال الدارقطني: هذا أصح من المرفوع. انظر الحديث (49) من كتاب البدع من سنن الدارقطني (3/16) بتحقيق هاشم عبد الله اليماني.
والعلماء يقولون: الموقوف هنا له حكم المرفوع؛ إذ لا مجال للرأي في التحديد بعدد معيَّن.
وقد ذكر الحافظ المنذري الحديث في كتابه «الترهيب والترغيب» وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجال أحمد رجال الصحيح. (انظر: الحديث (1060) من كتابنا «المنتقى من الترغيب والترهيب»).
وأورده الحافظ نور الدين الهيثمي في «مجمع الزوائد» وقال ما قاله المنذري (4/117).
ونقل العلامة المناوي عن الحافظ العراقي أنه قال: رجاله ثقات (الفيض: 3/524).
ونقل أيضًا عن ابن الجوزي أنه أورد الحديث في «الموضوعات» وجعل الآفة فيه من حسين بن محمد، ونقل عن أبي حاتم أنه قال: رأيته ولم أسمع منه. تعقبه ابن حجر بأنَّه احتجَّ به الشيخان، ووثَّقه غيرهما، وبأنَّ للحديث شواهد. انتهى (الفيض: 3/524).
ومن المعروف أن ابن الجوزي أحيانًا يتوسع في الحكم على الحديث بالوضع.
وفي عصرنا صححه الشيخ الألباني في سلسلة الصحيحة برقم (1033)، وفي تخريج كتابنا: «الحلال والحرام» الَّذي سمَّاه «غاية المَرَام» برقم (272)، وفي «صحيح الجامع الصغير وزيادته» برقم (3375).
وأنا أخالف الشيخ الألباني كثيرًا، وخصوصًا في استنباطاته الفقهيَّة الَّتي يتفرد بها، ولكن لا أنكر، ولا ينكر منصف أن الرجل من كبار علماء الحديث، وإن كان لي ملاحظات على تصحيحاته. وهناك من علماء الحديث من انتقدوه. ولا حرج في ذلك، ولا ينقص هذا من قدره.
ومن هنا يتبيَّن لنا جهل هذا الحَبَشي المغلَّظ المركَّب، حيث نسب إليَّ أنِّي أقول كذا، وهو ليس من قولي، بل هو حديث مرفوع أو موقوف.
ثانيًا: زعم الحَبَشي المسكين أن هذا الكلام مخالف للنقل والعقل والإجماع!
ولا أدري كيف زعم هذا الإنسان أن هذا مخالف للنقل؟ وأين هو النقل الَّذي يخالفه؟ قرآن أو سُنَّة؟ أو كلام صحابي أو كلام تابعي؟ أو كلام أحد الأئمَّة المجتهدين؟
لقد رأينا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في كتابيه: الكبير والأوسط، والدَّارقطني في سننه، وابن عساكر في تاريخه، وارتضاه من أئمَّة الحديث بعدهم: المنذري والعراقي، والهيثمي وابن حجر، والسيوطي والمناوي.
ومثل هذا لا يقال فيه: إنَّه خالف النقل!
وأمَّا زعم الحَبَشي أنَّه خالف العقل، فليت شعري هل يفهم مثله معنى مخالفة العقل؟ إنَّ مخالفة العقل تعني: أنَّه يترتَّب على التصديق به أمر محالٌ عقلًا، كإثبات النقيضين، أو رفعهما معًا.
فأين مخالفة العقل هنا؟!
وإن كان المراد بالعقل: عقل الإنسان المسلم، فالمسلم البصير بدينه، الَّذي يعقل عن الله ورسوله ما أمرا به وما نهيا عنه، لا يجد غضاضة في تقبل هذا الحديث؛ لأنه يسير في ضوء القرآن الَّذي عظم معصية الربا أكثر من أي معصية أخرى، حتَّى جاء في شأنها في كتاب الله تعالى ما لم يأتِ في شأن الكبائر الأخرى، حيث قال تعالى:﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ فَأْذَنُوا۟ بِحَرْبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ[البقرة: 278، 279].
وإنما كان الربا أشدَّ من الزِّنى؛ لأنَّ الزنى تدفع إليه شهوة غريزيَّة، أمَّا الربا فيدفع إليه طمع شيطاني في أكل أموال النَّاس بالباطل، وامتصاص الفقراء لحساب الأغنياء، ولهذا عد الرسول الكريم الربا في الموبقات السبع، ولم يعد فيها الزنى، وإن كان كلاهما كبيرة.
وانظر ما نقله المناوي عن الطيبي، والحراني، يتبين لك خطر الربا، يؤكده ما قاله الاقتصاديون في عصرنا من شدة خطر الربا على الاقتصاد، وعلى السياسة، وعلى المجتمع، وعلى القيم والأخلاق، وعلى السِّلم العالمي.
وأعجب من هذا كله: دعوى الحَبَشي أن هذا الحديث أو مضمونه مخالف للإجماع!
ويبدو أن المسكين لا يعرف شيئًا عن الإجماع، لا عن معناه، ولا عن حكمه.
والإجماع في أوضح عبارة: هو اتفاق جميع مجتهدي الأمَّة في عصر من العصور على حكم شرعي.
فأين الحكم الشرعي الَّذي خالفه هذا الحديث؟ وأين مخالفته، حتَّى للمذاهب الأربعة أو لمذهب واحد منها، ناهيك عن مخالفته للإجماع!
إنَّ هؤلاء النَّاس للأسف الشديد، يهرفون بما لا يعرفون، ويقولون على الله وعلى النَّاس ما لا يعلمون. ولله درُّ الشاعر الَّذي قال:
إذا كنتَ لا تدري بأنَّك جاهلٌ
فمن لي بأن تدري بأنَّك لا تدري(26)؟!
ثالثًا: إنَّ هذا القول من هؤلاء المتطاولين بالباطل، يدلّ على أنَّهم لا يجدون شيئًا يقولونه، فهم يحاولون أن يتصيدوا أشياء لا معنى لها، لمجرد أن يقولوا كلامًا، ويملؤوا صفحات، ولو بالهراء من القول، والباطل من الدعاوي.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
← العودة لقسم 5- الفرق الإسلامية