2026-06-05
893
تكفير أتباع المذاهب والفرق الإسلاميَّة
فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد:
وفقًا للمهاتفة الَّتي تمت مع فضيلتكم صباح هذا اليوم (9/6/2005م)، أرجو التفضُّل بالإجابة على الأسئلة التالية:
الأول: هل يجوز أن تعتبر المذاهب الَّتي ليست من الإسلام السني جزءًا من الإسلام الحقيقي، أو بمعنى آخر: هل كل من يتبع ويمارس أي واحد من المذاهب الإسلاميَّة؛ يعني المذاهب السنية الأربعة، والمذهب الجعفري، والمذهب الزيدي، والمذهب الإباضي، والمذهب الظاهري، يجوز أن يعد مسلمًا؟
الثاني: هل يجوز لمسلم أن يُكَفّر الَّذين يمارسون أي واحد من المذاهب الإسلاميَّة الثمانية، أو من يتبع العقيدة الأشعرية؟ وفضلًا عن ذلك هل يجوز أن يُكفّر الَّذين يسلكون الطريقة الصوفية الحقيقية والسلفية المعتدلة؟
مع الشكر وجزيل الاحترام لفضيلتكم.
فاروق جرار
الأمين العام المساعد لمؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي
الحمد لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه.
(وبعد)
فإجابةً على السؤالين: الأول والثاني، نقول وبالله التوفيق:
من شهد أنْ «لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله» خالصًا من قلبه، فقد أصبح مسلمًا، له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، ونجا بذلك من الخلود في النَّار، وإن قالها بمجرد لسانه، ولم يؤمن بها قلبه، فذلك هو المنافق، الَّذي تجري عليه أحكام المسلمين في الظاهر، وإن كان في الدرك الأسفل من النَّار.
ولهذا جاء في الحديث المتفق عليه: «أُمِرْتُ أن أقاتلَ النَّاس، حتَّى يقولوا: لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها فقد عصموا منِّي دماءهم وأموالهم إلَّا بحقِّها، وحسابهم على الله»(1).
ولهذا قال مَن قال من العلماء: الإسلام الكلمة! أي كلمة الشهادة، فبها يدخل الإنسان الإسلام، ويحكم له بالإسلام.
وعلى هذا تدلُّ أحاديث صحاح كثيرة منها:
1 ـ «من شهد أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله: حرَّم الله عليه النَّار»(2).
2 ـ «من شهد أنْ لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبده ورسوله، وابن أَمَتِه، وكلمته الَّتي ألقاها إلى مريمَ ورُوح منه، وأنَّ الجنَّة حقٌّ، وأنَّ النَّار حقٌّ، وأنَّ البعث حقٌّ؛ أدخله الله الجنَّة ـ على ما كان من عمله ـ من أي أبواب الجنَّة الثمانية شاء»(3).
3 ـ «من مات وهو يعلم أن لا إله إلَّا الله دخل الجنة»(4).
4 ـ «من قال: لا إله إلَّا الله: مخلصًا دخل الجنة»(5).
5 ـ «من قال: لا إله إلَّا الله، وكفر بما يُعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه، وحسابه على الله»(6).
6 ـ «من مات لا يشرك بالله شيئًا، دخل الجنة»(7).
7 ـ «من مات لا يشرك بالله شيئًا، دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئًا، دخل النار»(8).
كل هذه الأحاديث ـ وجميعها صحاح ـ تدلُّ بوضوحٍ على أنَّ مدخل الإسلام هو الكلمة أو الشهادة، وأن المرء إذا مات عليها صادقًا مخلصًا ـ ولم يقُلْها نفاقًا ـ كانت سبب نجاته من النَّار ودخوله الجنة، على ما كان من عمل، أي إذا صحت عقيدته أنجته من الخلود في النَّار، وإن كان له من السيئات ما له.
ولا عبرة بالتسميات الَّتي يتسمَّى بها النَّاس، أو يسمي بها بعضهم بعضًا، كقولهم: هذا سلفي، وهذا صوفي، وهذا سني، وهذا شيعي، وهذا أشعري، وهذا معتزلي، وهذا ظاهري، وهذا مقاصدي؛ لأن المدار على المسمَّيات والمضامين، لا على الأسماء والعناوين.
كما أنَّ تلك الأحاديث ترد على من استدلَّ بظواهر أحاديث أخرى تنفي الإيمان عمَّن ارتكب بعض الذنوب مثل: الزنى والسرقة وشرب الخمر وغيرها؛ كحديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»(9). والمقصود: وهو مؤمن كامل الإيمان، فالنفي للكمال لا للوجود.
وهذا التأويل ضروري: حتَّى لا تضرب النصوص بعضها ببعض، وهو تأويل سائغ في العربية، تقول: إنَّما العلم ما نفع، أي العلم الكامل، إنَّما الأم من ربّت، أي الأم الكاملة، وإن كانت الأمومة المجردة تثبت بالولادة.
ويكفي من دخل في الإسلام: أن يلتزم بأركان الإسلام وفرائضه الأخرى، ويذعن لها، وإن لم يقم بها فعلًا، بدليل أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقبل إسلام من ينطق بالشهادتين، ويعتبره مسلمًا، وإن كان أداؤه لفرائض الإسلام بعد ذلك، حين يأتي وقت الصلاة، وحين يحين أداء الزكاة، وحين يأتي شهر رمضان.
ومن دخل في الإسلام بيقين: لا يخرج منه إلَّا بيقين؛ لأنَّ اليقين لا يُزال بالشكِّ(10)، واليقين المخرج من الإسلام: أن ينكر معلومًا من الدِّين بالضرورة، أو يستحلَّ حرامًا قطعيًّا لا شكَّ فيه، أو يصدر عنه قول أو فعل لا يحتمل تأويلًا غير الكفر، كأنْ يسجد لصنم بغير إكراه، أو يدوس على المصحف الشريف، أو يرميه في القاذورات، أو يسبَّ الله أو رسوله أو كتابه، بعبارة صريحة لا لَبْس فيها ولا شُبهة.
ولا يحل لمسلم أن يخرج مسلمًا من الإسلام بسبب معصية ارتكبها، ولو كانت كبيرة من الكبائر، فإنَّ الكبائر تخدش الإسلام، ولكنها لا تزيله بالكلية، بدليل أن القرآن أثبت أخوّة القاتل مع أولياء دم المقتول، فبعد أن قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى﴾، قال بعدها:﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ﴾[البقرة: 178].
وكذلك أثبت الإيمان للمقتتلين من المسلمين، فقال: ﴿وَإِنْ طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنۢ بَغَتْ إِحْدَىٰهُمَا عَلَى ٱلْأُخْرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِى تَبْغِى حَتَّىٰ تَفِىٓءَ إِلَىٰٓ أَمْرِ ٱللَّهِ﴾[الحجرات: 9]، ثمَّ قال:﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌۭ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾[الحجرات: 10].
وكذلك فرقت الشريعة بين عقوبات الزاني والقاذف، والسارق وقاطع الطريق، وشارب الخمر، وعقوبة المرتد. ولو كانت كل كبيرة كفرًا؛ لعوقب الجميع عقوبة الردة.
وهذا يوجب على أهل العلم أن يتأوَّلوا الأحاديث الَّتي اعتبرت قتال المسلمين بعضهم لبعض كفرًا، أو عملًا من أعمال الكفار: «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»(11)، ويجب ربط النصوص بعضها ببعض، ورد متشابهها إلى محكمها، وفروعها إلى أصولها.
وكما لا يجوز إخراج المسلم من إسلامه بسبب معصية: لا يجوز إخراجه منه بسبب قول أو رأي أخطأ فيه؛ لأن كل عالم معرض للخطأ، وهو مرفوع عن هذه الأمَّة، فقد وضع الله عنها الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، كما جاء ذلك في حديث ابن عبَّاس(12).
وأصحاب المذاهب المعروفة في العالم الإسلامي، الَّتي تتبعها جماهير من المسلمين، كلهم داخلون في مفهوم الإسلام الَّذي ذكرناه، سواء كانت هذه المذاهب فقهية، تعنى بالأحكام العمليَّة، مثل المذاهب السنية الأربعة المعروفة، ومعها المذهب الظاهري، أم كانت مذاهب عقدية، تعنى بأصول الدين، أي بالجانب العقائدي منه، مثل المذهب الأشعري (المنسوب إلى الإمام أبي حسن الأشعري ت: 324هـ) أو المذهب الماتريدي (نسبة إلى الإمام أبي منصور الماتريدي ت: 333هـ) أم كانت تجمع بين الجانب العقدي والجانب العملي شأن المذهب الجعفري (نسبة إلى الإمام جعفر الصادق ت: 148هـ) والمذهب الزيدي (نسبة إلى الإمام زيد بن علي ت: 120هـ) والمذهب الإباضي (نسبة إلى عبد الله بن إباض التميمي ت: 86هـ).
فهذه المذاهب كلها تؤمن بأركان الإيمان الَّتي جاء بها القرآن (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر)، والإيمان بالقدر الَّذي جاءت به السُّنَّة داخلٌ ضمن الإيمان بالله تعالى.
وكلها تؤمن بأركان الإسلام العمليَّة: الشهادتان، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا.
وكلها تؤمن بمحرمات الإسلام القطعية من: القتل والانتحار والزِّنَى وعمل قوم لوط، وشرب الخمر، والسرقة والغصب، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات المؤمنات، وغيرها من الموبقات الَّتي جاء النهي عنها، والوعيد عليها في محكمات القرآن والسُّنَّة، وأجمعت عليها الأمَّة(13).
وكلُّها تؤمن بالأحكام القطعية في شريعة الإسلام، في العبادات والمعاملات، والأنكحة والحدود والقصاص، والسياسة الشرعيَّة والمالية وغيرها.
وكلها تؤمن بالاجتهاد فيما ليس فيه نص قطعي الثبوت والدلالة، وهو اجتهاد له أصوله وضوابطه الَّتي ترجع جميعًا إلى أصول الشَّرع، وإن اختلفت طرائق الاجتهاد بين مذهب وآخر، فمنهم من هو أميل إلى النص، ومنهم من هو أميل إلى الرأي، ومنهم من يجنح إلى الظواهر، ومنهم من يهتم أكثر بالمقاصد.
فمن أصاب منهم الحق في اجتهاده فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد؛ لأنَّه بذل جهده، وتحرى الحق، فلم يُحرم من الأجر، وقد صحَّ بذلك الحديث المتَّفق عليه(14).
وسواء كان الخطأ في الأصول أم في الفروع، في المسائل العلمية أم في المسائل العمليَّة، كما بيَّن ذلك المحقِّقون من العلماء.
وتأثيم المجتهد في المسائل العلمية الاعتقادية ـ ناهيك بتكفيره! ـ مناف لما قرره القرآن في خواتيم سورة البقرة:﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًۭا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ﴾[البقرة: 286].
وجاء في الصحيح أنَّ الله تعالى قد استجاب هذا الدعاء(15)، فلو عاقب الله بعد ذلك المجتهد الَّذي استفرغ وسعه ولكنَّه أخطأ الوصول إلى الحق، لكان معاقبًا له على الخطأ وهو مرفوع، ومكلِّفًا له ما ليس في وُسعه، ومحمِّلًا له ما لا طاقة له به.
قال الإمام ابن تيمية: «فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه كائنًا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية العلمية، أو في المسائل الفروعيَّة العمليَّة... هذا الَّذي عليه أصحاب النَّبيِّ وجماهير أئمَّة الإسلام. وأمَّا تفريق المسائل إلى: أصول يكفر بإنكارها، ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها؛ فهذا التفريق ليس له أصل، لا عن الصحابة، ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولا عن أئمَّة الإسلام»(16).
وقال الإمام ابن الوزير: «قد تكاثرت الآيات في العفو عن الخطأ، والظاهر أن أهل التأويل أخطؤوا، ولا سبيل إلى العلم بتعمدهم؛ لأنَّه من علم الباطن الَّذي لا يعلمه إلَّا الله تعالى في خطاب أهل الإسلام خاصة: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌۭ فِيمَآ أَخْطَأْتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وصحَّ في تفسيرها أن الله تعالى قال: قد فعلت، في حديثين صحيحين: أحدهما عن ابن عبَّاس(17)، والآخر عن أبي هُرَيْرة(18)، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]، فقد ذمهم بعلمهم، وقال في قتل المؤمن مع التغليظ العظيم فيه: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93]، فقيد الوعيد فيه بالتعمد، وقال في الصيد: ﴿وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًۭا﴾ [المائدة: 95]، وجاءت الأحاديث الكثيرة بهذا المعنى، كحديث سعد وأبي بَكْرة(19)، وأبي أُمَامة(20) ـ متَّفق على صحَّتها ـ فيمن ادَّعى أبا غير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه، فشرط العلم في الوعيد.ومن أوضحها حُجَّة: حديث الَّذي أوصى لإسرافه أن يُحرق ثمَّ يُذرَّى في يوم شديد الرياح، نصفه في البرِّ، ونصفه في البحر، حتَّى لا يقدر الله عليه، ثمَّ يعذبه، ثمَّ أدركته الرحمة لخوفه، وهو حديث متفق على صحته عن جماعة من الصحابة، منهم حُذَيْفة(21)، وأبو سعيد(22)، وأبو هُرَيْرة(23)، بل رواته منهم قد بلغوا عدد التواتر، كما في جامع الأصول، ومجمع الزوائد. وفي حديث حذيفة: أنَّه كان نبَّاشًا.وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد، ولذلك خاف العقاب، وأما جهله بقدرة الله تعالى ما ظنه محالًا فلا يكون كفرًا؛ إلَّا لو علم أنَّ الأنبياء جاؤوا بذلك، وأنه ممكن مقدور، ثمَّ كذبهم أو أحدًا منهم، لقوله تعالى:﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا﴾[الإسراء: 15].وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل.ويعضد ما تقدم بأحاديث: «أنا عند ظنِّ عبدي بي، فليظنَّ بي ما شاء»(24)، وهي ثلاثة أحاديث صحاح.
ولهذا قال جماعة جلة من علماء الإسلام: إنَّه لا يكفر المسلم بما يبدر منه من ألفاظ الكفر، إلَّا أن يعلم المتلفظ بها أنَّها كفر. قال صاحب المحيط: وهو قول أبي علي الجُبَّائي ومحمد (ابن الحسن الشيباني) والشافعي(25).
وحتى حديث افتراق الأمَّة إلى ثلاثة وسبعين فرقة، الَّذي اعتمد عليه الأكثرون، وأنَّها كلها في النَّار إلَّا واحدة، هي الَّتي سمَّوها «الفرقة الناجية»، حتَّى هذا الحديث ـ على ما فيه من كلام في سنده وفي دلالته(26) ـ يجعل هذه الفِرَق المختلفة ضمن «الأمَّة» أي أمَّة الإسلام، أو أمَّة محمَّد؛ بدليل قوله عليه الصَّلاة والسلام: «ستفترق أمَّتي»، فجعلهم في صلب الأمَّة، فلا يجوز إخراجهم منها بالتأويلات والتكلُّفات.
وقد روى البخاري عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلَّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتَنا، فذلك المسلمُ الَّذي له ذمَّة الله، وذمَّة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمَّته»(27).
وروى البخاري أيضًا أنَّ أنسًا سُئل: يا أبا حمزة، ما يُحرِّم دَم العبد وماله؟ فقال: من شهد أن لا إله إلَّا الله، واستقبل قِبْلَتنا، وصلَّى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو مسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم(28).
ومعنى هذا: أن نحكم بإسلامه، وتجري عليه أحكام الإسلام، وإن اقترف معصية أو أخطأ في بعض مسائل العلم، سواء كانت في الفروع أم في الأصول، على ما حقّقه الراسخون في العلم.
فقد استجاب الله منَّا الدعاء الَّذي علَّمه لنا في ختام سورة البقرة، في رفع إثم النسيان والخطأ عنا:﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾[البقرة: 286]، ولم يفصل بين المسائل العلمية والعمليَّة، ولا بين قضايا الفروع وقضايا الأصول.
ويُعضِّد ذلك عمل الصحابة @ ، إنَّهم لم يكفِّروا الخوارج، كما روي ذلك عن عليٍّ(29) وسعد بن أبي وقَّاص(30) وغيرهما. قال ابن الوزير: وعدم تكفير عليٍّ للخوارج ثابت من طرق، وكذلك ردُّه لأموالهم، ثابت من طرق، وعن جابر أنَّه قيل له: هل كنتم تدعون أحدًا من أهل القبلة مشركًا؟ قال: معاذ الله! ففزع لذلك.
قيل: هل كنتم تدعون أحدًا منهم كافرًا؟ قال: لا(31).
نقول عن كبار الأئمَّة في إنكار التوسُّع في التكفير:
وهذا الأمر الَّذي قرَّرناه هنا: قرره كبار الأئمَّة من مختلف المذاهب وشتى المدارس، ولكي نؤكد هذا الأمر ونزيده وضوحًا ورسوخًا، سننقل هنا بعض الفقرات الَّتي تؤيد هذا الاتجاه، وتمنع التوسع في التكفير.
نقول عن الأشاعرة وغيرهم من المتكلِّمين:
في كتاب «المواقف» لعضد الدِّين الإِيجي، وشرحه للسيد الشريف الجُرْجاني، وهو من الكتب الَّتي تُعَدّ عمدة المتأخِّرين من الأشاعرة:
«جمهور المتكلِّمين والفقهاء على أنَّه لا يُكَفَّر أحد من أهل القبلة. فإنَّ الشيخ أبا الحسن ـ يعني الأشعري ـ قال في أوَّل كتابه «مقالات الإسلاميِّين»(32): ضلَّل بعضهم بعضًا، وتبرأ بعضهم من بعض، فصاروا فرقًا متباينين، إلَّا أن الإسلام يجمعهم ويعمهم. فهذا مذهبه، وعليه أكثر الأصحاب، ومن الأصحاب من كفر المخالفين.
وقد نقل عن الشافعيِّ أنه قال: لا أردُّ شهادة أحد من أهل الأهواء ـ البدع ـ إلَّا الخطَّابيَّة؛ فإنَّهم يعتقدون حلَّ الكذب(33).
وحكـى الحاكم صاحب «المختصر» في كتاب «المنتقى» عن أبي حنيفـة رحمة الله عليه أنه لم يُكَفِّر أحدًا من أهل القِبلة.
وحكى أبو بكر الرازي مثل ذلك عن الكرخي وغيره. قال: والمعتزلة الَّذين كانوا قبل أبي الحسن ـ أحد رؤوسهم ـ تجادلوا فَكَفَّروا الأصحاب ـ يريد الأشاعرة ـ في أمور، فعارضهم بعضنا بالمثل، فَكَفَّرهم في أمور أخرى. وقد كَفَّر المجسِّمةَ مخالفوهم من أصحابنا ومن المعتزلة. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: كل مخالف يُكَفِّرنا فنحن نُكَفِّره، وإلَّا فلا»(34).
وأيَّد صاحب «المواقف» وشارحه رأي جمهور المتكلِّمين والفقهاء في عدم تكفير أحد من أهل الإسلام، ولو خالف الحقَّ في بعض المسائل الاعتقادية؛ بأنَّ المسائل الَّتي اختلف فيها أهل القِبْلة مثل: هل الله مُوجدُ فعل العبد أو لا؟ هل له جهة أو لا؟ هل يُرى في الآخرة أو لا؟ هل يريد المعاصي أو لا؟ ونحو ذلك من القضايا النظريَّة، لم يكن النَّبيُّ ﷺ يسأل مَن دخل في الإسلام، وحكم بإسلامه، عن اعتقاده فيها، ولا يبحث عن ذلك، وكذلك الصحابة والتابعون.
«فعُلِمَ أن صحَّة دين الإسلام لا تتوقف على معرفة الحق في تلك المسائل، وأن الخطأ فيها ليس قادحًا في حقيقة الإسلام؛ إذ لو توقفت صحَّة الإسلام عليها، وكان الخطأ فيها قادحًا في تلك الحقيقة، لوجب أن يُبحث عن كيفية اعتقادهم فيها، لكن لم يجرِ حديث شيء منها في زمانه ﷺ ولا في زمانهم أصلًا»(35).
وقال الإمام الغزالي بعد كلام عن المعتزلة والمشبهة والفِرق المبتدعة في الدين، المخطئة في التأويل، وأنَّهم في محل الاجتهاد: «والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه: الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلًا، فإنَّ استباحة الدماء والأموال من المصلِّين إلى القبلة، المصرِّحين بقول: لا إله إلَّا الله خطأ. والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم. وقد قال ﷺ : «أمرت أن أقاتل النَّاس حتَّى يقولوا: لا إله إلَّا الله محمَّد رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا منِّي دماءهم وأموالهم؛ إلَّا بحقها»(36)»(37).
وقال أيضًا: «لم يثبت لنا أنَّ الخطأ في التأويل موجب للتكفير، فلا بدَّ من دليل عليه. وثبت لنا أن العصمة مستفادة من قول: «لا إله إلَّا الله» قطعًا، فلا يُدفع ذلك إلَّا بقاطع.
وهذا القدر كافٍ في التنبيه على أنَّ إسراف مَن بالغ في التكفير ليس عن برهان. فإنَّ البرهان إمَّا أصل أو قياس على أصل. والأصل هو التكذيب الصريح، ومَن ليس بمكذِّب فليس في معنى الكذب أصلًا، ويبقى تحت عموم العصمة بكلمة الشهادة»(38) اهـ .
آراء الفقهاء:
نُقول عن الحنفية:
«في «جامع الفصولين» من كتب الحنفيَّة قال: روى الطحاوي عن أصحابنا: لا يُخرج الرجل من الإيمان إلَّا جحود ما أدخله فيه، ثمَّ ما تيقَّن أنَّه رِدَّة يُحكم بها، وما يُشَك أنَّه رِدَّة لا يُحكم بها؛ إذ الإسلام الثابت لا يزول بالشك، مع أن الإسلام يعلو... وينبغي للعالِم إذا رُفِعَ إليه هذا، ألَّا يبادر بتكفير أهل الإسلام.
أقول (ابن عابدين القائل): قدمت هذه لتصير ميزانًا فيما نقلته في هذا الفصل من المسائل، فإنه قد ذُكر في بعضها أنه كفر، مع أنه لا يكفر، على قياس هذه المقدمة، فليُتأمَّل.
وفي «الخلاصة» وغيرها: إذا كان في المسألة وجوه ـ يعني احتمالات ـ توجب التكفير، ووجه يمنع التكفير، فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الَّذي يمنع التكفير، تحسينًا للظنِّ بالمسلم.
وزاد في «البزَّازيَّة»: إلا إذا صرَّح بإرادة موجب الكفر، فلا ينفعه التأويل حينئذ.
مثال ذلك: إذا شتم رجلٌ دينَ مسلم، فيحتمل أن يكون هذا السبُّ استخفافًا بالدِّين فيكفر، ويحتمل أن يكون مراده أخلاقه الرديَّة، ومعاملته القبيحة، لا حقيقة دين الإسلام، فيحمل كلامه على محمل حسن، وأيضًا إذا كان في كفره اختلاف، ولو رواية ضعيفة. قال العلَّامة ابن نُجَيم في «البحر»: فعلى هذا فأكثر ألفاظ التكفير المذكورة لا يُفتَى بالتكفير بها، ولقد ألزمت نفسي ألَّا أفتي بشيء منها(39)» اهـ .
ونقل ابن عابدين في «رد المحتار» عن الخير الرَّمْلي أنَّه قال تعقيبًا على قول صاحب البحر: ولو كانت الرواية ضعيفة؛ أقول: ولو كانت الرواية لغير أهل المذهب. ويدل على ذلك اشتراط كون ما يوجب الكفر مجمعًا عليه(40) اهـ .
وقال محقِّق الحنفيَّة كمال الدين بن الهُمَام:
«يقع في كلام أهل المذهب تكفير كثير، ولكنَّه ليس من كلام الفقهاء، الَّذين هم المجتهدون، بل غيرهم، ولا عبرة بغير الفقهاء»(41) اهـ .
نُقول عن المالكية:
وأما عند المالكية فأكتفي بهذا التحقيق عن الإمام الشاطبي:
فقد ذكر في «الاعتصام» أهل الأهواء والبدع، المخالفين للأمَّة من الخوارج وغيرهم، فقال: «وقد اختلفت الأمَّة في تكفير هؤلاء الفِرق أصحاب «البدع العُظمى» ولكن الَّذي يقوى في النظر، ويُحسب في الأثر، عدم القطع بتكفيرهم، والدليل عليه عمل السَلَف الصالح فيهم.
ألا ترى إلى صُنْع عليٍّ 3 ، في الخوارج، وكونه عاملهم في قتالهم معاملة أهل الإسلام، على مقتضى قول الله تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾[الحجرات: 9]، فإنَّه لما اجتمعت الحرورية وفارقت الجماعة، لم يهاجمهم عليّ ولا قاتلهم. ولو كانوا بخروجهم مرتدِّين لم يتركهم، لقوله 0 : : «من بدَّل دينه فاقتلوه»(42)، ولأنَّ أبا بكر 3 خرج لقتال أهل الرِدَّة، ولم يتركهم، فدلَّ ذلك على اختلاف ما بين المسألتين.
وأيضًا، فحين ظهر «مَعْبَد الجُهَني» وغيره من أهل القَدَر، لم يكن من السلف الصالح لهم إلَّا الطرد والإبعاد والعداوة والهجران. ولو كانوا خرجوا إلى كفر محض لأقاموا عليهم الحد المقام على المرتدين.
وعمر بن عبد العزيز أيضًا لما خرج في زمانه الحَرُوريَّة (الخوارج) بالموصل أمر بالكف عنهم، على ما أمر به عليّ 3 ، ولم يعاملهم معاملة المرتدِّين.
ومن جهة المعنى: إنَّا وإن قلنا: إنَّهم متبعون للهوى، ولما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فإنَّهم ليسوا بمتبعين للهوى بإطلاق، ولا متبعين لما تشابه من الكتاب من كل وجه. ولو فرضنا أنَّهم كذلك لكانوا كفارًا؛ إذ لا يتأتّى ذلك من أحد في الشريعة إلَّا مع رد مُحكماتها عنادًا، وهو كفر، وأمَّا مَن صدَّق بالشريعة ومَن جاء بها، فيرجع إلى الوفاق لظهوره عنده، كما رجع من الحرورية الخارجين على عليٍّ 3 ، ألفان، وقيل: أربعة آلاف؛ حين جادلهم ابن عباس، وإن كان الغالب عدم الرجوع»(43).
نُقول عن الشافعية:
قد نقلنا قول أبي حامد الغزالي وهو من أئمَّة الشافعية، كما هو من أئمَّة الأشاعرة، ونزيد هنا نقولًا أُخرى في الموضوع عن رجال المذهب.
قال النووي في شرح مسلم:
«اعلم أنَّ مذهب أهل الحق: أنه لا يكفَّر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا يكفَّر أهل الأهواء والبدع (الخوارج، والمعتزلة، والشيعة وغيرهم)، وأن مَن جحد ما يُعلم من دين الإسلام ضرورة: حُكِمَ برِدَّته وكفره، إلَّا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ونحوه ممَّن يخفى عليه، فيعرّف ذلك، فإن استمر حُكِم بكفره. وكذلك مَن استحل الزنى أو الخمر أو القتل، أو غير ذلك من المحرَّمات الَّتي يُعلم تحريمها ضرورة»(44).
وقال ابن حجر الهيتمي في «التحفة»:
«ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه، لعظيم خطره، وغلبة عدم قصده، سيما من العوام، وما زال أئمَّتُنا (يعني الشافعية) على ذلك قديمًا وحديثًا، بخلاف أئمَّة الحنفيَّة، فإنَّهم توَّسعوا بالحُكْم بمُكَفِّرات كثيرة، مع قبولها التأويل، بل مع تبادره منها.قال: ثمَّ رأيت الزركشي قال عمَّا توَّسع به الحنفية: إن غالبه في كتب الفتاوى نقلًا عن مشايخهم. وكان المتورِّعون من متأخري الحنفيَّة ينكرون أكثرها، ويخالفونهم، ويقولون: هؤلاء لا يجوز تقليدهم؛ لأنَّهم غير معروفين بالاجتهاد، ولم يخرِّجوها على أصل أبي حنيفة؛ لأنَّه خلاف عقيدته؛ إذ منها: أن معنا أصلًا محقَّقًا هو الإيمان، فلا نرفعه إلَّا بيقين.فلينتبه لهذا، وليحذر مَن يبادر إلى التكفير في هذه المسائل منَّا ومنهم، فيُخاف عليه أن يكفُر! لأنَّه كَفَّرَ مسلمًا.قال بعض المحقِّقين منَّا ومنهم (يعني الشافعية والحنفية): وهو كلام نفيس. وقد أفتى أبو زُرعة من محقِّقي المتأخِّرين فيمن قيل له: اهجُرْني في الله، فقال هجرتك لألف «الله» بأنَّه لا يكفر إن أراد: لألف سببٍ أو هجرة لله تعالى، وإن لم يكن ذلك ظاهر اللفَّظ، حقنًا للدم بحسب الإمكان، لا سيما إن لم يُعرف بعقيدة سيئة، لكن يؤدَّب على إطلاقه، لشناعة ظاهره»(45).
نُقول عن الحنابلة:
ونكتفي هنا بقول رجل عُرِفَ بأنَّه من أشد النَّاس على المبتدعين والمخالفين، وهو الإمام ابن تيمية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل الَّتي تنازع فيها أهل القبلة.والخوارج المارقون الَّذين أمر النَّبيّ ﷺ بقتالهم، وقاتلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمَّة الدين من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، لم يُكَفِّرهم عليّ بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم عليّ حتَّى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنَّهم كفار، ولهذا لم يسْبِ حريمهم، ولم يغنم أموالهم.وإذا كان هؤلاء الَّذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع، لم يكفروا، مع أمر الله ورسوله بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الَّذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها مَن هو أعلم منهم؟ فلا يحل لإحدى هذه الطوائف أن تُكَفِّر الأخرى أيضًا. وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ. والغالب أنَّهم جميعًا جهَّال بحقيقة ما يختلفون فيه.والأصل أنَّ دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرَّمة من بعضهم على بعض، لا تحل إلَّا بإذن الله ورسوله.وإذا كان المسلم متأولًا في القتال أو التكفير، لم يكفر بذلك، كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: يا رسولَ الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّه شهد بدرًا، وما يدريك لعلَّ الله اطَّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم؟!»(46). وهذا في الصحيحين.
وفيها أيضًا من حديث الإفك: أنَّ أسيد بن الحضير قال لسعد بن عبادة: إنَّك منافق تجادل عن المنافقين... واختصم الفريقان، فأصلح النَّبيّ ﷺ بينهم(47).
فهؤلاء البدريُّون فيهم مَن قال لآخر منهم: إنَّك منافق. ولم يُكفِّر النَّبيّ ﷺ لا هذا ولا ذاك، بل شهد للجميع بالجنَّة.
فهكذا السَلَف قاتل بعضهم بعضًا من أهل الجمل وصفِّين ونحوهم، وكلهم مسلمون مؤمنون، كما قال تعالى:﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾، إلى قوله:﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌۭ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾[الحجرات: 9، 10].
فقد بين الله تعالى أنَّهم ـ مع اقتتالهم، وبغي بعضهم على بعض ـ إخوة مؤمنون. وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل»(48) اهـ .
نُقول عن الزيدية والأئمَّة المستقلين:
ونقلنا من قبل فقرات مهمة عن الإمام ابن الوزير.
ونذكر هنا ما قاله الإمام الشوكاني في كتابه «السيل الجرَّار» قال:
«اعلم أنَّ الحُكم على الرجل المسلم، بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقدِم عليه، إلَّا ببرهان أوضح من شمس النهار، فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة أنَّ «من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما»(49).
هكذا في الصحيح، وفي لفظ آخر في الصحيحين وغيرهما: «من دعا رجلًا بالكفر، أو قال: عدو الله. وليس كذلك؛ إلَّا حار عليه»(50) أي رجع. وفي لفظ عند أحمد: «فقد كفر أحدهما»(51).
ففي هذه الأحاديث وما ورد موردها، أعظم زاجر، وأكبر واعظ عن الإسراع في التكفير، وقد قال 8 :﴿وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلْكُفْرِ صَدْرًۭا﴾[النحل: 106].
فلا بدَّ من شرح الصدر بالكفر، وطمأنينة القلب به، وسكون النفس إليه، فلا اعتبار بما يقع من طوارق عقائد الشرك، لا سيما مع الجهل بمخالفتها لطريقة الإسلام، ولا اعتبار بصدور فعل كفري لم يُرد به فاعله الخروج عن الإسلام إلى مِلَّة الكفر، ولا اعتبار بلفظ يلفظ به المسلم يدلّ على الكفر، ولا يعتقد معناه»(52) اهـ .
وفي موضع آخر من الكتاب نفسه علّق الشوكاني على قول صاحب «ضوء النهار»:
«والمتأوِّل كالمرتدِّ، وقيل: كالذِّمِّيِّ»، بهذه الكلمات القويَّة المعبِّرة:
«أقول: هاهنا تُسكب العبرات، ويُناح على الإسلام وأهله بما جَنَاه التَّعصّب في الدين على غالب المسلمين منَ الترامي بالكفر لا لِسُنَّة، ولا لِقُرآن، ولا لبيان من الله، ولا لبرهان، بل لمَّا غَلَتْ مَرَاجل العصبية في الدين، وتمكَّن الشيطان الرجيم من تَفْريق كَلِمَة المسلمين، لَقَّنَهم إلزامات بعضهم لبعض بما هو شبيه الهباء في الهواء، والسَّراب بالقيعة، فيا لله وللمسلمين من هذه الفاقرة الَّتي هي من أعظم فواقر الدين، والرزية الَّتي ما رُزئ بمثلها سبيل المؤمنين، وأنت إن بقي فيك نصيب من عقل، وبقية من مراقبة الله 8 ، وحصّة من الغيرة الإسلاميَّة قد علمت وعلم كل من له علم بهذا الدين أنَّ النَّبيَّ ! سُئل عن الإسلام، قال في بيان حقيقته، وإيضاح مفهومه: (إنَّه إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجُّ البيت، وصوم رمضان، وشهادة أن لا إله إلَّا الله)(53)، والأحاديث بهذا المعنى متواترة، فمن جاء بهذه الأركان الخمسة، وقام بها حق القيام فهو مسلم رغم أنف من أبَى ذلك؛ كائنا من كان، فمن جاءك بما يُخالف هذا من ساقط القول، وزائف العلم، بل الجهل، فاضرب به وجهه، وقل له: قد تَقَدَّم هَذَيانَك هذا برهانُ محمَّد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.دَعوا كُلَّ قَوْلٍ عِند قَوْلِ مُحمدٍفَمَا آمِنٌ في دِينِهِ كَمُخَاطِرِوكما أنه قد تقدم الحكم من رسول الله ﷺ لمن قام بهذه الأركان الخمسة بالإسلام، فقد حكم لمن «آمن بالله ومَلَائكته وكُتبه ورُسله والقَدَر خَيْره وشَره»(54) بالإيمان، وهذا منقول عنه نقلًا متواترًا، فمن كان هكذا فهو المؤمن حقًّا.
وقد قدَّمنا قريبًا ما ورد من الأدلَّة المشتملة على الترهيب العظيم من تكفير المسلمين، والأدلةُ الدالّةُ على وجوب صيانة عِرْض المسلم واحترامه تَدُل بفحوى الخطاب على تجنب القَدح في دينه بأي قادح، فكيف إخراجه عن الملة الإسلاميَّة إلى الملة الكفرية؟ فإن هذه جناية لا تعْدِلها جناية، وجُرأة لا تُماثلها جرأة! وأين هذا المجترئ على تكفير أخيه من قول رسول الله ﷺ : «المسْلِمُ أَخُو المسلِم لَا يَظْلِمُه ولا يُسْلِمُه»(55). ومن قول رسول الله ﷺ : «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»(56). ومن قول رسول الله ﷺ : «إن دِمَاءَكُم وَأَمْوالكُمْ وأَعْرَاضَكُم حَرَام»(57)، وهو أيضًا في الصحيح؟!
وكم يعُدُّ العادَّ من الأحاديث الصحيحة والآيات القرآنية! والهداية بيد الله 8 :﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾[القصص: 56](58) انتهى.
أطلنا في هذه النقول عن قصد لنسدَّ الطريق على الَّذين لا يبالون بتكفير أهل «لا إله إلَّا الله» فليتَّقوا الله في أنفسهم، وليتقوا الله في المسلمين، وليحذروا من هذه الفتنة، الَّتي يترتب عليها استباحة الدماء والأموال الَّتي عصمتها الشهادتان، لمجرد المخالفة في المذهب أو الوجهة، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله.
وهنا ينبغي ألَّا نكفَّر إلا من ظهر منه ما يدلُّ على الكفر قطعًا، وألَّا نبدِّع من ظهر إلَّا منه ما يدلُّ على البدعة قطعًا، وألَّا نفسِّق إلَّا من ظهر منه ما يدلُّ على الفسق قطعًا.
وبالله التوفيق.
1. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الاعتصام (7284)، ومسلم في الإيمان (20)، عن أبي هريرة.
2. رواه مسلم في الإيمان (29)، وأحمد (22711)، عن عبادة بن الصامت.
3. سبق تخريجه صـ 259.
4. رواه مسلم في الإيمان (26)، وأحمد (464)، عن عثمان بن عفان.
5. رواه أحمد (22060)، وقال مخرِّجوه: حديث صحيح. وابن حبان في الإيمان (200)، عن معاذ.
6. رواه مسلم في الإيمان (23)، وأحمد (15875)، عن طارق بن الأشيم الأشجعي.
7. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في التوحيد (7487)، ومسلم في الإيمان (94)، عن أبي ذر.
8. رواه مسلم في الإيمان (93)، وأحمد (15200)، عن جابر.
9. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في المظالم والغصب (2475)، ومسلم في الإيمان (57)، عن أبي هريرة.
10. هذه قاعدة فقهية ذكرها ابن نجيم في الأشباه والنظائر صـ 47، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1419هـ ـ 1999م.
11. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في العلم (121)، ومسلم في الإيمان (65)، عن جرير بن عبد الله.
12. رواه ابن ماجه في الطلاق (2045)، وابن حبان في مناقب الصحابة (7219)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري. والطبراني في الأوسط (2137)، والحاكم في الطلاق (2/198): وصحَّحه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصحَّحه الألباني في صحيح ابن ماجه (1664)، عن ابن عباس.
13. منها ما روى أبو هريرة، عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات». مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الوصايا (2766)، ومسلم في الإيمان (89).
14. إشارة إلى حديث: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر». مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسُّنة (7352)، ومسلم في الأقضية (1716)، عن عمرو بن العاص.
15. رواه مسلم في الإيمان (126)، والتِّرْمِذي في تفسير القرآن (2992)، عن ابن عباس.
16. انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (23/346)، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، نشر مجمع الملك فهد، المدينة المنورة، 1416هـ ـ 1995م.
17. سبق تخريجه قريبًا.
18. رواه مسلم في الإيمان (125)، وأحمد (9344).
19. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في المغازي (4326)، ومسلم في الإيمان (63).
20. رواه أحمد (22294)، وقال مخرّجوه: إسناده حسن. والتِّرْمِذي في الوصايا (2120)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1789).
21. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3452)، ومسلم في المساقاة (1560).
22. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3478)، ومسلم في التوبة (2757).
23. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3481)، ومسلم في التوبة (2756).
24. رواه أحمد (16016)، وقال مخرّجوه: إسناده صحيح. وابن حبان في الرقائق (633)، والطبراني (22/87)، والحاكم في التوبة والإنابة (4/240)، وصحَّح إسناده، ووافقه الذهبي، عن واثلة بن الأسقع.
25. انظر: إيثار الحق على الخلق لابن الوزير صـ 392، 394، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 2، (1)م.
26. انظر تخريج الحديث والكلام عليه في كتابنا: الصحوة بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم صـ 34 ـ 38، نشر دار الشروق، القاهرة، ط 3، 1427هـ ـ 2007م.
27. رواه البخاري في الصلاة (391).
28. رواه البخاري في الصلاة (393).
29. رواه عبد الرزاق في اللقطة (18656)، لما قتل علي 3 الحرورية قالوا: من هؤلاء يا أمير المؤمنين أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا.
30. رواه البخاري في التفسير (4728)، وفيه: كان سعد يسميهم (أي الخوارج) الفاسقين.
31. رواه أبو يعلى (2317)، والطبراني في الأوسط (7354)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (408): رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح. وقال ابن حجر في المطالب العالية (2998): صحيح موقوف.
32. مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري صـ 1، 2، تحقيق هلموت ريتر، نشر دار إحياء الكتاب العربي، بيروت، ط 3.
33. حلية العلماء للقفال (8/268)، تحقيق ياسين أحمد إبراهيم درادكه، نشر مكتبة الرسالة الحديثة، عمان، ط 1، 1988م.
34. درء تعارض العقل والنقل (1/93 ـ 95)، تحقيق د. محمد رشاد سالم، نشر جامعة الإمام محمد بن سعود، السعودية، ط 2، 1411هـ ـ 1991م.
35. المواقف لعضد الدين الإيجي (3/564، 565)، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، نشر دار الجيل، بيروت، ط 1، 1997م.
36. سبق تخريجه صـ 349.
37. الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي صـ 135، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1424هـ ـ 2004م.
38. الاقتصاد في الاعتقاد صـ 136.
39. البحر الرائق شرح كنز الدقائق لابن نجيم (5/134، 135)، نشر دار الكتاب الإسلامي، بيروت، ط 2.
40. حاشية رد المحتار (4/230)، نشر دار الفكر، بيروت، ط 2، 1412هـ ـ 1992م.
41. المصدر السابق (4/237).
42. رواه البخاري في الجهاد والسير (3017)، عن ابن عباس.
43. الاعتصام للشاطبي (3/118 ـ 121)، نشر دار ابن الجوزي، السعودية، ط 1، 1429هـ ـ 2008م.
44. شرح مسلم للنووي (1/150)، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 2، 1392ه.
45. تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر الهيتمي (9/88)، نشر المكتبة التجارية الكبرى، مصر، 1357هـ ـ 1983م.
46. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الجهاد والسير (3007) ومسلم في فضائل الصحابة (2494)، عن عليّ.
47. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الشهادات (2661)، ومسلم في التوبة (2770)، عن عائشة.
48. انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (3/282 ـ 284).
49. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الأدب (6104)، ومسلم في الإيمان (60)، عن ابن عمر.
50. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في الأدب (6045)، ومسلم في الإيمان (61)، عن أبي ذر.
51. رواه أحمد (5260)، وقال مخرّجوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين. والبخاري في الأدب المفرد (440)، عن ابن عمر.
52. انظر: السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار للشوكاني (4/578)، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1405هـ .
53. سبق تخريجه صـ 129.
54. الحديث السابق.
55. سبق تخريجه صـ 308.
56. مُتَّفق عليه: رواه البخاري (48)، ومسلم (64)، كلاهما في الإيمان، عن ابن مسعود.
57. مُتَّفق عليه: رواه البخاري في العلم (67)، ومسلم في القَسامة (1679)، عن أبي بكرة.
58. السيل الجرار (4/584، 585).